Section: On Rights
Medieval al-Māwardī Arabicفصل
( فى الحقوق )
ثم تشترك الوزارتان بعد التمييز فى حقوق وعهود ، فاما الحقوق فثمانية احدها : أن يكون باعباء الوزارة ناهضاً ، وفى مصالح المملكة راكضا ، يقدم حظ الملك على حظ نفسه ، ويعلم ان صلاحه مقترن بصلاحه ، فلن تستقيم احوال الوزير مع اختلاف حال الملك لأن الفروع تستمد اصولها ولو استقامت لكان ميلها وشيكا . وقد قيل فى منشور الحكم : لاتقم بربع منتقم . والثانى : أن يكون على الكد والتعب قادرا ، وفى السخط والرضا صابرا ، لاينفر اذا أوحش فان نفوره عطب ـ وليتوصل الى راحته بالتعب والى دعته بالنصب ؛ ولذا قيل : علة الراحة قلة الاستراحة . وقال عبد الحميد : أتعب قدمك فكم تعب قدمك . فان تشاغل براحته ومال الى لذته ، سلبها بالتنكر ؛ وعدمها بالتغير ، فضاع واضاع ، وكان من امره على خطر وقد قيل فى منشور الحكم : على خطر من لم يخاطر فكيف بالمغرور المخاطر . وقد قيل فى بعض اسفار بني اسرائيل : الذى يحب الشهوات يبغض نفسه . والثالث : ان يكون لاحسان الملك شاكرا ، ولاساءته عاذرا ، يشكر على يسير الاحسان ؛ ويعذر فى كثير الأساءة ، ليستمد بالشكر احسانه . ويستدفع بالعذر اساءته . فان عدل عنهما كان منه على ضدهما . وقد قيل : احق الناس بالمنع الكفور ، وبالصنيعة الشكور . والرابع : ان يظهر محاسنه ان خفيت ويستر مساويه ان ظهرت ، لأنه بمحاسنه معلوم موسوم ، وبمساويه مقروف مرسوم ، يشاركه فى حمد محاسنه ، ويؤاخذ بذم مساويه . وربما استرسل الملك لثقته بالاحباب فارتكب بالهوى ما يصان عن اذاعته ، وكان الوزير أحق بستره عليه ، لأنه الباب المسلوك اليه ، مسائر غير مجاهر . فقد قيل : النصح بين الملأ تقريع . والخامس : ان يخلص نيته في طاعته ، ويكون سره كعلانيته ؛ فان القلوب جاذبة تملك أعنة الاجساد ؛ فان اتفقا والا فالقلب اغلب ، وهو الى مراده اجذب ، كما قال الشاعر :
وما زرتكم عمدا ولكن ذا الهوى ٭ الى حيث يهوى القلب هوى به الرجل
فاخلص قلبك ليطيعك جسدك ، واحسن سريرتك لتحسن علانيتك ؛ فان القلوب تنم على الضمائر فتهتك استارها ؛ وتذيع اسرارها . وقد روى مجاهد عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فى ابن آدم مضغة اذا صلحت صلح الجسد ، واذا فسدت فسد الجسد ، ألا وهى القلب » . وقد قيل فى بعض صحف بنى اسرائيل : قلب الانسان يغير وجهه خيرا كان او شرا . والسادس : ان لايعارض الملك فيمن قرب فاستبطن ولايماريه فيمن حط ورفع ، فانه يحكم بقدرته ؛ ويأنف من معارضته . فربما انقلب بسطوته اذا عورض ؛ ومال بانتقامه اذا خولف ، فبوادر الملوك تسبق نذيرها وتدحض أسيرها ، فان سلم من الخطر لم يسلم من الضجر ، ولو سلم منهما وهو نادر ـ فمقت المعارض مركوز فى الغرائز ، وكفى بالمقت عقبى . وقال بزرجمهر : يجب للعاقل ان لايجزع من جفاء الولاة وتقديمهم الجاهل عليه ، إذ كانت الاقسام لم توضع على قدر الاخطار ، فان حكم الدنيا ان لا تعطى احدا ما يستحقه ، لكن تزيده وتنقصه . والسابع : ان يتقاصر عن مشاكلة الملك فى رتبته ، ويقبض نفسه عن مثل هيئته ؛ فلا يلبس مثل ملابسه ، ولايركب مثل مراكبه ، ولا يستخدم مثل خدمه ؛ فان الملك يأنف ان موثل ، وينتقم إن شوكل ؛ ويرى أنها من أحواله المجتاحة ، وحشمته المستباحة ، وليعيض عنها بنظافة لباسه وجسده من غير تصنع ؛ فان النظافة من المروءة والتصنع للنساء . ليكن بالسلامة محفوظا ؛ وبالحشمة ملحوظا . والثامن : ان يستوفى للملك ولايستوفى عليه ، ويتأول للملك ولا يتأول عليه ، فان الملك اذا