Section: The Covenants, Continued
Medieval al-Māwardī Arabicاراد الانصاف كان عدل اقدر ، وإن لم يرده فيد الوزير معه اقصر ، وإنما أراد الوزير عونا لنفسه ، ولم يرده عونا على نفسه ، فان وجد الى مساعدته سبيلا سارع اليها ، وإن خاف ضررها وانتشار الفساد بها تلطف فى كفه عنها ان قدر ؛ وإن تعذر عليه تلطف فى الخلاص منها ان قدر ، ولايجهر بالمخالفة ماكان على رغبته فى النظار . سئل بعض حكماء الروم : عن أصلح ما عوشر به الملوك . فقال : قلة الخلاف وتخفيف المؤنة ، فلذلك لم تصحب الملوك إلا على اختيارهم ، ولم يتمسكوا إلا بمن وافقهم على آرائهم . وليس لمن خالفهم حظ منهم ، وإنما كان على خطر معهم ، واذا روعيت أحوال الناس وجدوا لا يأتلفون إلا بالموافقة فكيف بذوي القدرة من الملوك .
وقد قال الشاعر :
الناس إن وافقتهم عذبوا ٭ أولا فان جناهم مر كم من رياض لا أنيس بها ٭ تركت لأن طريقها وعر
وقال بعض الحكماء : حرز الناس ثلاثة : إلفة تجمعهم ، وطاعة تمنعهم ، ومناصحة تنفعهم . فانهم إن تفرقوا تفرقت أمورهم ، وإن عصوا ظهر نفورهم ، وإن لم يناصحوا وغرت صدورهم
فصل
( تابع العهود )
فأما العهود الموقظة ، فسأقول وأرجو أن يقترن بالقبول . اجعل أيها الوزير لله تعالى على سرك رقيباً يلاحظك من زيغ فى حقه ، واجعل لسلطانك على خلوتك رقيباً يكفك عن تقصير فى أمره ، ليسلم دينك فى حقوق الله تعالى ، وتسلم دنياك فى حقوق سلطانك ، فتسعد فى عاجلتك وآجلتك ، فان تنافى اجتماعهما لك ، فقدم حق الله تعالى على حق الملك ، فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من أحب دنياه أضر بآخرته ، ومن أحب آخرته أضر بدنياه ؛ فآثروا ما يبقى على ما يفنى » . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من التمس رضى الله بسخط الناس رضى الله عنه وأرضى عنه الناس » . وقال بعض الحكماء : كل امرىء يجري من عمره الى غاية تنتهى اليها مدة أجله ، وتنطوي عليها صحيفة عمله ، فخذ من نفسك لنفسك ، وقس يومك بأمسك . وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، يتمثل كثيراً بهذه الأبيات :
إنما الناس ظاعن ومقيم ٭ فالذي بان للمقيم عظه ومن الناس من يعيش سويا ٭ ساهر الليل عامل اليقظه فاذا كان ذا حياء ودين ٭ حاذر الموت واستحى الحفظه
حق عليك أيها الوزير : أن تكون بالرعية خبيراً . والى أحوالهم متطلعاً ؛ وبهم على نفسك وعليهم مستظهراً ، لأنهم من بين من تسوسه أو تستعين به لتعلم ما فيه من فضل ونقص ، وعلم وجهل ، وخير وشر ، وتتحرز من غرور المتشبه ، وتدلس المتصنع ؛ فتعطى كل واحد حقه ، ولا تقصر بذي فضل ، ولا تعتمد على ذي جهل . فقد قيل : من الجهل صحبة ذوى الجهل ومن المحال مجادلة ذى المحال .
وافرق بين الأخيار والأشرار . فان ذا الخير يبنى ، وذا الشر يهدم . واحذر الكذوب ؛ فلن ينصحك من غش نفسه ، ولن ينفعك من ضرها . وقد قيل : من ضيع أمره فقد ضيع كل أمر ، ومن جهل قدره جهل كل قدر . ولا تستكفين عاجزاً فيضيع العمل ، ولا شرهاً فيضرك باحتجانه . وقد قيل : ليعد من البهائم من لم تكن غايته من الدنيا إلا نفسه . ولا تعنى بمن لا يحافظ على المروءة ؛ فقل ما تجد فيه خيراً لزهده فى صيانة نفسه ، وميله الى خمول القدر . وبعيد من أسقط حق نفسه أن يقوم بحق غيره . وصعب على من ألف اسقاط التكلف أن يحول عنه . وقد قيل فى حكم الهند : ذوا المروءة يرتفع بها وتاركها يهبط ، والارتقاء صعب والانحطاط هين ، كالحجر الثقيل الذي رفعه عسير وحطه يسير . وقال بعض البلغاء : أحسن رعاية ذوى الحرمات ، واقبل على أهل المروءات ، فان رعاية ذوى الحرمة ، تدل على كرم الشيمة ، والاقبال على ذوي المروءة ، يعرب عن شرف الهمة
اختبر أحوال من استكفيته لتعلم عجزه من كفايته ؛ واحسانه من اساءته ، فتعمل بما علمت من اقرار الكافى ، وصرف العاجز ، وحمد المحسن ؛ وذم المسىء . وقد قيل : من استكفى الكفاة ؛ كفى العداة ، فان التبست عليك أمورهم . أوهنت الكافى ، وسلطت العاجز ؛ وأضعت المحسن ؛ وأغريت المسىء . ولأن يكون العمل غائباً فينصرف اليه فكرك ، أولى من أن يباشره عاجز أو خائن فيقبح بهما أثرك ، فاحذر العاجز فانه مضيع ، وتوق الخائن فانه يكدح لنفسه . وقال الشاعر :
اذا أنت حملت الخؤون أمانة ٭ فانك قد أسندتها شر مسند
اقتصر من الأعوان بحسب حاجتك اليهم ، ولا تستكثر منهم لتتكثر بهم ، فلن يخلو الاستكثار من تنافر يقع به الخلل ، أوارتفاق يتشاكل به العمل ، وليكن أعوانك وفق عملك ، فانه أنظم للشمل ، وأجمع للعمل ، وأبلغ للاجتهاد ، وأبعث على النصح . أنشدت لابن الرومى :
عدوك من صديقك مستفاد ٭ فلا تستكثرن من الصحاب فان الداء أكثر ما تراه ٭ يكون من الطعام أو الشراب فدع عنك الكثير فكم كثير ٭ يعاف وكم قليل مستطاب فما اللجج الملاح بمرويات ٭ وتلقي الرى فى النطف العذاب
هذب نفسك من الدنس ؛ تتهذب جميع أتباعك . ونزه نفسك عن الطمع ؛ تتنزه جميع خلفائك . وتوق الشر فلن يزيدك إلا حرصاً إن أجدبت ، ونقصاً إن أكديت ، وهما معرة ذوى الفضل ، ومضرة أولى الحزم . وقد قيل : بحمدك لا بكفرك . وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : « اقتربت الساعة ؛ ولا يزداد الناس فى الدنيا إلا حرصاً ، ولا تزداد منهم إلا بعداً» وقال محمود الوراق :
لا يغلبنك غالب الحرص ٭ واعلم بأن الناس فى نقص ألبس أخاك على تصنعه ٭ فلرب مفتضح على النص ما كدت أفحص عن أخى ثقة ٭ إلا عدمت كواعب الفحص
رض نفسك بمشارفة الأعمال ، يرهبك جميع عمالك ، وتنتظم به جميع أعمالك ؛ ولا تكل الى غيرك ما يختص بمباشرتك طلباً للدعة ، فتعزل عنه نفسك ، وتؤثر به غيرك ، فتكون من وفائه على غدر ؛ ومن نفسك على تقصير ، فان العطلة عقلة ، والجواد اذا وقف راكضته البراذين . وقال بزرجمهر : إن يكن الشغل مجهدة ؛ فان الفراغ مفسدة . وقال عبدالحميد : مازانك ما أضاع زمانك . ولا شانك ، ما أصلح شانك .
اجعل زمان فراغك مصروفا إلى حالتين . احداهما : راحة جسدك ، واجمام خاطرك ، ليكونا عونالك على نظرك . روى ان ابنا لعمر بن العزيز دخل عليه وهو نائم . فقال : ياأبت تنام ؛ والناس على بابك قيام . فقال : يابنى ان نفسى مطيتى وأخاف أن أحمل عليها فتقعد بى . والحال الثانية : أن تفكر بعد راحة جسدك واجمام خاطرك فيما قدمته من أفعالك ، وتصرفت فيه من أعمالك ، هل وافقت الصواب فيها فتجعله مثالا تحتذيه ، أو نالك فيها زلل فتستدرك منه ما أمكن وتنتهى عن مثله فى المستقبل . فقد قيل : من فكر أبصر . وقال بعض الحكماء : من لم يكن له من نفسه واعظ ، لم تنفعه المواعظ . ثم أصرف فكرك بعد ذلك إلى ماتستقبله من أفعالك ؛ على أى تمضيه ؟ وماذا تفعل فيه ؟ فى تقديم الفكر على العمل ، احترازمن الزلل ؛ لتكون على ثقة من الصواب ، فان عارضتك الاقدار لم تلم . فقد قيل : الامور إذا انفضت ، كالكواكب إذا انقضت . وقال النابغة الجعدي :
ألم تعلما ان الملامة نفعها ٭ قليل إذا ما الشىء ولى فادبرا
اخفض جناحك لمن علا ، ووطىء كنفك لمن دنا ، وتجاف عن الكبر تملك من القلوب مودتها ، ومن النفوس مساعدتها . فقد روى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : « لا وحدة أوحش من العجب » . وقيل لحكيم الروم : من أضيق الناس طريقا وأقلهم صديقاً ؟ قال : من عاشر الناس بعبوس وجهه ، واستطال عليهم بنفسه . ولذلك قيل : التواضع فى الشرف ، أشرف من الشرف
كن شكوراً فى النعمة ، صبوراً فى الشدة ، لا تبطرك السراء ، ولا تدهشك الضراء ، لتتكافأ أحوالك ، وتعتدل خصالك ، فتسلم من طيش النظر وسكرة البطر ؛ فانها تنجلى عن ندم أو ضرر . فقد قال بعض الحكماء : العاقل لايستقبل النعمة يبطر ، ولا يودعها بجزع . وقيل فى منشور الحكم : اشتغل بشكر النعمة عن البطر بها . وقيل فى أمثال الهند : العاقل لايبطر بمنزلة أصابها ولا شرف ، كالجبل الذى لا يتزلزل وان اشتدت الريح ؛ والسخيف تبطره أدنى منزلة ؛ كالحشيش الذي يحركه أدنى ريح .
استدم مودة وليك بالاحسان اليه ، واستسل سخيمة عدوك بعد الاحتراز منه ؛ وداهن من لم يجاهرك بعداوته ، ويقاتلك بمثله ، فيطفى ثائرة عداوته ، ويتواطأ لك بمجاملته . قيل لبعض الحكماء : ما الحزم ؟ قال : مداجاة الاعداء ، ومؤاخاة الاكفاء .
ولا تعول على التهم والظنون ، واطرح الشك باليقين . فقد قيل : لا يفسدك الظن على صديق قد أصابك اليقين له . قال الشاعر : اذا أنت لم تبرح تظن وتقتضى ٭ على الظن أردتك الظنون الكواذب
واختبر من اشتبهت حاله عليك ، لتعلم معتقده فيك ، فتدرى تصنعه منك ، فان الالسن لا تصدق عن القلوب لما يتصنعه المداجى ؛ ويتكلفه المداهن . كما قال عمرو بن الاهتم :
لسانك لى حلو ونفسك مرة ٭ وخيرك كالمرعاة فى الجبل الوعر
وشهادات القلوب أصدق ، ودلائل النفس أوثق . وقد قيل فى منشور الحكم : للعين سر فى علم ما يسر . وقال ابراهيم بن المهدى :
تظل فى عينه البغضاء كامنة ٭ فالقلب يكتمها والعين تبديها والعين تعرف فى عينى محدثها ٭ من كان من حزبها أو من أعاديها
فان وقفت بك الحال على الارتياب ، اعتقدت المودة فى ظاهره ؛ وأخذت بالحزم فى باطنه . وإذا أقنعك الاغضاء عن الاختبار ؛ فلا تتخطه ، فأكثر الامور تمشى مع التغافل والاغضاء . وقد قال أكثم بن صيفي : من شدد نفر ، ومن تراخى تألف ، والشرف فى التغافل . ولقلما جوهر المغضى ، وقوطع المتغافل ؛ مع انعطاف القلوب عليه ، وميل النفوس اليه ، وهذا من أسباب السعادة وحسن التوفيق . روى معمر عن خلاد بن عبد الرحمن عن أبيه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : « ألا أخبركم بأحبكم إلى الله ؛ فظننا أنه يسمى رجلا . فقال : أحبكم إلى الله أحبكم إلى الناس . ألا أخبركم بأبغضكم إلى الله ؛ فظننا أنه يسمى رجلا . فقال : أبغضكم إلى الله أبغضكم إلى الناس » .
شاور فى أمورك من تثق دنه بثلاث خصال . صواب الرأى ؛ وخلوص النية ؛ وكتمان السر . فلا عار عليك أن تستشير من هو دونك ، إذا كان بالشورى خبيراً . فان لكل عقل ذخيرة من الرأى وحظاً من الصواب ، فتزداد برأي غيرك وإن كان رأيك جزلا كما يزداد البحر بمواده من الانهار وان كان غزيراً . فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا مظاهرة أوثق من المشاورة » . وقد يفضل المستشير على المشير ، ويظفر بالرأى المشير ، لانها ضالة يظفر بها من وجدها من فاضل ومفضول . وقد روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال : « استرشدوا العاقل ترشدوا ، ولا تعصوه فتندموا » . وعول على استشارة من جرب الامور وخبرها ؛ وتقلب فيها وباشرها ، حتى عرف مواردها ومصادرها ، فلن يخفي عليه خيرها وشرها ، ما لم يوهنه ضعف الهرم . كالذى حكى عن أكثم بن صيفي وقد سأله قومه بنو تميم عن مادهمهم فى حرب يوم الكلاب . وقالوا : أشر علينا بالرأى ، فانك شيخنا وعميدنا وموضع الرأى منا . فقال : ان وهن الكبر قد شاع فى جميع بدنى ، وانما قلبى بضعة منى . وليس معى من حدة الذهن ما أبتدىء له بالرأى ؛ ولكن تقولون واسمع ؛ فانى أعرف الصواب إذا مر . وعول على ذوى الاسنان فان الحكمة معهم . وقد قال الشاعر :
إن الأمور اذا الاحداث دبرها ٭ دون الشيوخ ترى فى بعضها خللا إن الشباب لهم فى الأمر بادرة ٭ وللشيوخ أناة تدفع الزللا
واعدل عن اشارة من قصد موافقتك متابعة لهواك ، واعتمد مخالفتك انحرافا عنك ، وعول على من توخى الحق لك وعليك . فقد قيل فى قديم الحكم : من التمس الرخص من الاخوان فى الرأي ، ومن الأطباء فى المرض ، ومن الفقهاء فى الشبهة ، أخطأ الرأي وزاد فى المرض واحتمل الوزر . ولا تؤاخذ من استشرت بدرك الرأى إن زل ؛ فما عليه إلا الاجتهاد وان حجزته الأقدار عن الظفر . وقد قيل فى منشور الحكم : من كثر صوابه لم يطارح لقليل الخطأ
اختر لأسرارك من تثق بدينه وكتمانه ، وتسلم من إذاعته وادلاله . لو قدرت على أن لا تودع سرك غيرك كان أولى بك وأسلم لك ، لأنك فيها بين خطر أو حذر . وقد روى عطاء عن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : « استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها فان كل ذى نعمة محسود » . وقد قيل فى منشور الحكم : انفرد بسرك ولا تودعه حازماً فيزل ، ولا جاهلا فيخون . والعرب تقول : من ارتاد لسره فقد أذاعه
تثبت فيما لا يقدر على استدراكه ، فقلما تعقب العجلة إلا ندماً . روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من تأنى أصاب أو كاد ، ومن عجل أخطأ أو كاد » . وقيل فى حكم آل داود . من كان ذا تؤدة وصف بالحكمة . وقيل فى منشور الحكم : أناة فى عواقبها درك ؛ خير من عجلة فى عواقبها فوت
وقدّم ما قدرت عليه من المعروف ؛ فقلما يعقب الذنب إلا ندماً ، فان للقدرة غاية ولنفوذ الأمر نهاية ، فاغتنمها فى مكنتك تسعد بما قدمته ، ويسعد بك من أعنته . فقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لكل ساع غاية وغاية كل ساع الموت » . وقد قال على بن أبى طالب رضى الله عنه : انتهزوا هذه الفرص فانها تمر مر السحاب . وقال بعض الحكماء : من أخر الفرصة عن وقتها ، فليكن على ثقة من فوتها . ولذلك قيل : خير الخير أوحاه وقال الشاعر :
وعاجز الرأى مضياع لفرصته ٭ حتى اذا فات أمر عاتب القدرا
وقيل فى حكم الفرس : لا خير فى القول إلا مع الفعل ، كما لا خير فى المنظر إلا مع المخبر . وقيل فى أمثال الهند : لا يتم حسن القول إلا بحسن العمل ، كالمريض الذى لا يبرأ بمعرفة الدواء حتى يتداوى
احذر قبول المدح من المتملقين ؛ فان النفاق مركوز فى طباعهم ؛ ويداجونك بهين عليهم ، فان نفقوا عليك غششت نفسك ؛ وداهنت حسك ، وصح فيك ما قيل فى منشور الحكم : سوق النفاق دائمة النفاق . وقال عبد الملك بن مروان لروح بن زنباع : لا تغتابن عندى أحداً ، فانى لا أأتمنك على غيبى ، ولا تفش لى سراً ، فانني لا أثق بك فى مجلسى ، ولا تطرينى فى وجهى ، فانى إن قبلته منك غبنت عقلى ، وإن رددته عليك أسأت عشرتى ، وأنت أعرف بنفسك من غيرك فيما تستحق به حمداً أو ذماً ، ففاتح نفسك بما فيها ، فانك أعلم بمحاسنها ومساويها . وقد قيل فيما أنزل الله تعالى من الكتب السالفة : عجبت لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح ، وعجبت لمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب . وقال بعض الحكماء : من مدحك بما ليس فيك ، لحقيق أن يذمك بما ليس فيك . وقال بعض البلغاء : من أظهر شكرك فيما لم تأت اليه ، فاحذره أن يكفر نعمتك فيما أسديت اليه ، ففوض مدحك الى أفعالك فانها تمدحك بصدق إن أحسنت ، وتذمك بحق إن أسأت ، ولا تغتر بمخادعة اللسان الكذوب . فقد قيل : أبصر الناس من أحاط بذنوبه ، ووقف على عيوبه . وقد قيل فى بعض الصحف الأولى : ثمار الحكماء لأنفسهم . كتب حكيم الروم الى الاسكندر : لاترغب فى الكرامة التى تنالها من الناس كرهاً ؛ ولكن فى التى تستحقها بحسن الأثر وصواب التدبير
اعتمد بنظرك احماد سلطانك ، وشكر رعيتك ، تكن أيامك سعيدة ؛ وأفعالك محمودة ؛ والناس بك مسرورين ، ولك أعواناً مساعدين ، ويبقي بعدك فى الدنيا جميل ذكرك ، وفى الآخرة جزيل أجرك ؛ واستعذ بالله من ضدها ؛ فيعدل بك الى صدها . فان الولايات كالمحك تظهر جواهر أربابها . فمنهم نازل مرذول ، وصاعد مقبول . روى عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أحسنوا جوار نعم الله تعالى ؛ فقلّ ما زالت عن قوم فعادت اليهم » . وكذلك قيل : ربما شرق شارب الماء قبل ريه . وتعرض رجل ليحيى بن خالد بن برمك وهو على الجسر بكتاب وسأله أن يختمه . فقال : ياغلام أختم كتابه مادام الطين رطباً . ثم أنشد :
اذا هبت رياحك فاغتنمها ٭ فان لكل خافقة سكون ولا تغفل عن الاحسان فيها ٭ فما تدرى السكون متى يكون
اذا نلت من سلطانك حظاً ؛ وأوجبت عليه من خدمتك حقاً ، فلا تستوفه . ودع لنفسك بقية يذخرها لك فيراها حقاً من حقوقك ؛ ليكن كفيل اداءها اليك ، فان استوفيتها صرت الى غاية ليس بعدها الا النقصان . وقد قال الشاعر :
اذا تم أمر بدا نقصه ٭ توقع زوالا اذا قيل تم
واعلم انك مرصد لحوائج الناس لان بيدك أزمة الامور ، واليك غاية الطلب ؛ فكن عليها صبوراً تكن بقضائها شكوراً ، ولا يضجرك طالبها وقد أملك ، ولا تنفر عليه ان راجعك ، فما يجد الناس من سؤال بدا . ولخير دهرك ان ترى مرجوا ، وأنشدت لأبى بكر بن دريد رحمه الله تعالى :
لا تدخلنك ضجرة من سائل ٭ فلخير دهرك ان ترى مسئولا لاتجبهن بالرد وجه مؤمل ٭ فبقاء عزك ان ترى مأمولا واعلم بأنك عن قليل صائر ٭ خبرا فكن خبرا يروى جميلا
وقيل في الصحف الاولى : القلب الضيق لاتحسن به الرياسة ؛ والرجل اللئيم لايحسن به الغنى ؛ ولئن كانت الحوائج كالمغارم لمن استثقلها ، فهى مغانم لمن وفق لها ، وليس بغرم ما عاد بغنم ، ولابضائع ما اصطنع فى معروف . وقد روى عمر بن الخطاب رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال : « ما عظمت نعمة الله على عبد الا عظمت مؤنة الناس عليه فمن لم يحتمل مؤنة الناس عرض تلك النعمة للزوال » . واذا جعلت الوزارة غايات الأمور اليك منتهية ؛ وحوائج الناس عليك واقعة ، والقدرة لك مساعدة لانبساط يدك ، ونفوذ امرك ، صرت بالتوقف والاعراض مخلا بحقوق نظرك ، واسعا على فوت فطنتك . وقد قال بهرام جور فى عهده الى ملوك فارس : انكم بمكان لامصرف للناس عن حوائجهم اليكم ، فلتتسع صدوركم كاتساع سلطانكم . فان ذخرك باصطناعه ابقى ، ودفعك به عن نعمتك أوقى وقد قال على بن الجهم :
اذا جدد الله لى نعمة ٭ شكرت ولم يرنى جاحدا ولم يزل الله بالعائدا ٭ تعلى من يجود بها عائدا ابا جامع المال وفرته ٭ لغيرك اذلم تكن خالدا فان قلت اجمعه للبن ٭ ين فقد أفقر الولد الوالد وان قلت اخشى صروف الزما ٭ ن فكن من تصاريفه واجدا
فاجعل يومك أسعد من أمسك ، وصلاح الناس عندك بصلاح نفسك ، ومل الى اجتذاب القلوب بالاستعطاف ، والى استمالة النفوس بالانصاف تجدهم كنوزاً فى شدائدك ، وحرزاً فى نوائبك . وقال بعض الحكماء : من زرع خيرا حصد أجراً ، ومن اصطنع حرا استفاد شكرا . وقيل فى منشور الحكم : خير زاد القدرة اعتقاد المنن . قال الشاعر :
حصادك يوما ما زرعت وانما ٭ يدان امرؤ يوما بما هو دائن
احذر دعوة المظلوم وتوقها ، ورق لها إن واجهك بها ، ولاتبعثك العزة على البطش فتزداد ببطشك ظلما وبعزتك بغيا ، وحسبك بمنصوره عليك . وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده رضى الله تعالى عنهم عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال : « اتقوا دعوة المظلوم فانما يسأل الله حقه وإن الله لا يمنع ذا حق حقه » .
كن للشهوات عزوفا تنفك من اسرها ، فان من قهرته الشهوة كان عبداً لها ، ومن استعبدته الشهوة ذل بها . روي عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال : « من اشتاق الى الجنة سارع فى الخيرات ؛ ومن أشفق من النار لهى عن الشهوات » . وقيل لبعض حكماء الروم : ما الملك الاعظم . قال : ان يغلب الانسان شهوته . وقيل له : ما الفرق بينك وبين الملك . قال : الملك عبد الشهوات ، وانا مولاها ،
فكن بالزمان خبيرا تسلم من عثرته ؛ فان الاغترار به مرد ، وقدم لمعادك ايبقى عليك ما ادخرته ؛ فلن تجد الا ماقدمت ، وانك لتجازي بما صنعت ، واستقل الدنيا تجد في نفسك عزا فترضى اذا سخطت ، وتسر اذا حزنت ، فلن يذل إلا طالبها ، ولن يحزن إلا صاحبها . وقد روي عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال : « انا زعيم لمن اكب على الدنيا بفقر لاغنى فيه ، وشغل لا انقطاع له » . وقد قال على بن ابى طالب رضى الله عنه : احذروا الدنيا فانها غدارة مكارة ختارة خسارة تستنكح في كل يوم بعلا ، وتستقبل في كل ليلة أهلا ، وتفرق فى كل يوم شملا . وقال بعض الحكماء : ليكن طلبك للدنيا اضطرارا ، وفكرك فيها اعتبارا ، وسعيك لمعادك ابتدارا . وقال عبد الحميد : طالب الدنيا عليل ، ليس يروى له غليل . وقال الشاعر :
فلا جزع ان راب دهر بصرفه ٭ وبدل حالا والخطوب كذلك فما العيش الا مدة سوف تنقضى ٭ وما المال الا هالك وابن هالك
اجعل صلاح عملك ذخرا لك عند ربك ، وجميل سيرتك اثرا مشكورا فى الناس بعدك لتقتدي بك الاخيار ، ويزدجر بك الاشرار ، تكن بالثواب حقيقا ؛ وبالحمد جديرا . فقد قيل : الاغترار بالاعمار ، من شيم الاغمار ، فلن يبقى بعدك الا ذكرك فى الدنيا ، وثوابك فى الآخرة ، فاظفر بهما ، واغتنم بقية عمرك لهما ، تكن سعيدا فيهما ، فان الدنيا كاحلام نائم يستحليها فى غفوته ويلفظها بعد يقظته . وقد قيل فى الصحف الاولى : احرص على الاسم الصالح فانه لايصحبك غيره . وقال الجاحظ : وليت خزانة كتب الرشيد وتصفحت كتبه فلم أجد كلمة الا وجدت لها نقيضة ، إلا كلمات جاءت عن فياسوف العرب على بن ابى طالب رضى الله تعالى عنه : قيمة كل امريء مايحسن ، ومن جهل شيئاً عاداه ، ولن يهلك امرؤ عرف قدره ، وكلما يتصور في الاوهام فالله بخلافه ، وبقية عمر الرجل لاثمن لها ولا قيمة ، لأنه يدرك بها مافاته ، ويحيى فيها ما اماته
فاغتنم ايها الوزير بقية ايامك ، باجمل افعالك ؛ واستدرك فيها ماتقدم من سوء آثارك ، وكفر بها ما اسلفت من فجورك واغترارك ؛ فخواتيم الامور تعفي ما سبق حتى تتناساه النفوس ؛ وتتغاضى عنه العيون ، لأنها توكل بالأدنى وان جل ما مضى ، واذا مدتك الاقدار بالتوفيق ، وغالبك العقل بالتلافي ، عدلت واعتدلت . ففزت فى آخرتك ، وسعدت فى آجلتك . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما استودع الله احدا عقلا إلا استنقذه به يوما . فاذا عقلك عقلك عن الباطل فانت عاقل » .
وسأختم تحذيرك وانذارك ؛ وأتبع تبصيرك وافكارك ، بما انذر به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو اوعظ نذير ؛ وابلغ تخويف وتحذير . روى عبدالله بن عبيد عن عمير الليثى عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . « ان من أشراط الساعة اذا رأيتم الناس اماتوا الصلاة واضاعوا الامانة ؛ واحلوا الربا ؛ واستخفوا بالدماء ؛ وباعوا الدين بالدنيا وشربت الخمور ؛ وعطلت الحدود ؛ واتخذوا القرآن مزامير ، واتخذت الأمانة مغنما ؛ والزكاة مغرما ، وكان الحلم ضغثا ، والولد غيظا ، وغاض الكرام غيضا ، وفاض اللئام فيضا ؛ وكان الأمراء فجرة ، والوزراء كذبة والأمناء خونة ، والقراء فسقة ؛ وكان زعيم القوم ارذلهم ، وتشبه الرجال بالنساء ، والنساء بالرجال ، وكذب الصادق ؛ وصدق الكاذب ، ولعن آخر هذه الأمة اولها . فليتوقعوا نزول البلاء بهم
وقد أوجزت لك أيها الوزير ما ان كان عملك به محيطا ذكرك ، وإن كنت غافلا عنه أنذرك ، وان يمدك بتوفيقه ، ويعينك على طاعته بجوده آمين .
تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم