Kitāb al-Zawrāʼ wa-al-taʻlīqāt ʻalayhi
Ascertaining the realities of things and the subtleties of the sciences and opinions
Renaissance Jalāl al-Dīn al-Dawwānī Arabicبسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى علم فى الازل بعين علمه بذاته جميع ما ظهر ويظهر الى الابد من مكنوناته على ما هى عليه من صفاته علما كليا بكلياته وجزئيا بجزئياته وكيف لا وانه مع الكل حاضر لانه الاول والآخر والظاهر والباطن وكل ما لا يخفى عليه شىء مما فى الضمائر ثم لا يتقيد علمه بزمان أو مكان فيحجبه حاجب أو يستره ساتر يكون علمه بما فى الماضى والغابر كعلمه الحالى الآنى جزما بلا تردد واحديا فى ذاته بلا تعدد فلا يغيره الدهر والداهر والصلاة على النسخة الكاملة الكافلة بجميع المظاهر سيدنا محمد ذخر الاوائل وفخر الاواخر صلى الله عليه وعلى آله وارثى حاله ومقامه الفاخر وبعد فاعلم أيها المتشوف الى التطلع على حقيقة التوحيد الذى يطابقه صريح الكتاب المجيد ويوافقه صحيح الخبر بالجواب المفيد كما قال الله تعالى (ونحن أقرب اليه من حبل الوريد) ان تحقيقه على وجه التأكيد مسبوق بمقدمات تسمى سابقة التمهيد (الاولى) ان حقيقة كل شىء كيفية تعينه فى علم الحق سبحانه وتعالى ووجود كل شىء تعين الوجود الحق من حيث حقيقة ذلك الشىء التى كانت شأنه فالحقائق تعقلات الاشياء كأن الاشياء تعينات تلك الحقائق أو تعين الحق من حيث تلك الحقائق (الثانية) ان تعين الشىء صفته فوجود كل شىء لما كان تعين الوجود كان صفته فالاشياء من حيث تعينات الحقائق التى هى شؤون الحق صفاتها ومن انها تعين الحق من حيث تلك الحقائق صفاته فسواء كانت الاشياء تعينات شؤنه أو تعينات وجوده كانت أسماءه الدالة عليه وصفاته وكل من الاسم والصفة فى طور التحقيق عين المسمى والموصوف من حيث الوجود والشهود وغيرهما من حيث المفهوم والمعقول والحدود
(الثالثة) ان اتحاد الوجود والهوية مع اختلاف المفهوم والماهية هو الذى يدور عليه صحة الامر به وهو هو بالمواطأة الخارجية وذلك مما اتفق عليه أهل المعقول والمنقول بالكلية
(الرابعة) ان الوجود الحق لما اتحد هوية كما قلنا واختلف الموجودات علم ان التعددات انما هى بحسب التعينات التى هى صفته واسمه فالصور من حيث هى متعددة متفاوتة هى صور الاسماء والنسب المعبر عنها بالتعينات الاعتبارية لا صور المسمى الا باعتبار ان الاسماء فى الوجود عين المسمى فالمتعددات من حيث النسب هى المفهومات وصور تلك النسب واحدة من حيث الذات والحقيقة هذه هى الوحدة الحقيقية التى تثبت لكل ماهية بالنسبة الى أفرادها اما الواحدة وحدة عددية أو المتكثرة فنسبة الوحدة الحقيقية الى الوحدة العددية وكثرتها سواء من حيث ان كلا منهما صفاتها وعوارضها اللاحقة بحسب نسبتها الاحدية الى القوابل المتعددة بحسبها كالابصار المتعلق بعشر مبصرات
(الخامسة) كما أن افراد كل ماهية صور نسبها الى قوابلها وهى هى فى الكل كذلك صور التعينات المسماة بالموجودات بالنسبة الى الماهية المطلقة الشاغلة لها المسماة بالوجود الحق فكل موجود هو الوجود فى الحقيقة صورة صفته أعنى تعينه اللاحق بحسب مرتبته فى المظاهر
(السادسة) ان التعينات المذكورة للوجود ان كانت فى مرتبة لا تفيد نسبة الوجود اليها بأن لا تفيد التعدد الوجودى بل التعدد العقلى فقد يسمى ذلك التعين بشيئية الثبوت وتلك المرتبة حضرة المعانى والاسماء والحقائق وهى المسماة بعالم الجبروت عند الامام الغزالى رحمه الله وان كانت فى مرتبة تفيد التعدد الوجودى الاضافى المسمى شيئية الوجود فان لم تبلغ الى حد يدركها القوة الجسمانية من الخيال والحس بل انما يدركها العقل بآثارها كالقوى السبعة الجسمانية المودعة فى البدن تسمى تلك المرتبة حضرة الارواح النورية والملكية من العقول والنفوس وهى حضرة الملكوت الاعلى والاسفل وعند الشيخ الكبير عالم الجبروت عالم النفوس والا فان بلغت الى حد يدركها الخيال المطلق فهى حضرة المثال المطلق البرزخ الجامع بين الطرفين وان بلغت الى حد يدركها الخيال المقيد بالحيوان فهى حضرة المثال المقيد وان بلغت الى حد من شأنه ان يدركها الحس فهى حضرة الحس والشهادة والملك فهذه المراتب الكلية الخمس فى الحضرات الخمس ومن كونها مرتبة التعينات الكلية التى لا تعين فوقها تسمى الاسماء الذاتية والمفاتيح الاول كما ذكره الشيخ رضى الله عنه فى شرح الحديث
(السابعة) ان حضرة المعانى والاسماء هى التى يظهر فيها مبدئية الحق وفياضيته لان ماقبلها حضرة الذات التى هى استهلاك التعينات فيها مرتبة الغنى عن العالمين ومرتبة كان الله ولم يكن معه شىء ومرتبة كنت كنزا مخفيا كذا فى النصوص والفكوك فى تلك الحضرة التى هى حضرة المعانى والاسماء يتوجه النفس الرحمانى الى الحقائق باعطاء الوجود اليها بحسب قابلية كل منها المعلومة ثم المرادة حسب العلم ثم المقدورة حسب تعين الارادة فالتوجه الحاصل بين الارادة للعلم بالمتابعة للحياة وبين القدرة ومن مقارعتهما هو القول الالهى المسمى بالخلق والتكوين وليس ذلك الا بالجمع المسمى بالنكاح الاول بين تلك الحقائق التى عينها العلم وميزها الارادة فأظهرها القدرة كل ذلك بطلبها الوجود بلسان الاستعداد اما ترتيب ظهوراتها فبحسب ترتيب تمام الاستعداد واما حكمها فبحسب أولية الطلب للظهور من أى حقيقة من تلك الحقائق حصلت
(الثامنة) ان الحقائق العلمية ان كانت معتبرة لا بأحوالها تسمى حروفا غيبية ومع الاحوال كلمات غيبية والوجودية بلا أحوالها حروفا وجودية ومعها كلمات وجودية فالدال منها على جملة مفيدة آية والبعض الجامع لتلك الجمل سورة ومجموع المعقولات والموجودات باعتبار التفصيل فرقانا وباعتبار الجمع قرآنا ولكون جميعها فى الانسان الكامل يسمى نفسه أيضا قرآنا وعبارتها الواردة عليها من الحق أيضا قرآنا فليفهم
(التاسعة) ان حضرة الاسماء هى أعلى الحضرات وأقدمها وأعلى هذه الحضرة هى أمهات الاسماء الالهية التى هى الحياة والعلم والارادة والقدرة والقول والجود والاقساط اذ ما تحتها كالسدنة لهذه السبعة فهذه كالظلالات والسدنة للاسماء الذاتية التى هى المفاتيح الاول وهى الحقائق الكلية التى ليس فوقها الا الحقيقة المطلقة والهوية الكبرى وهى أحدية جمع تلك الحقائق فكما أن ما تحتها مستهلك فى أحدية اطلاقها كذلك هى مستهلكة فى أحدية جمع الحقيقة الكبرى
(العاشرة) ان أقدم هذه المراتب الالهية التى يمكن الاشارة اليها عقلا ويذكر اسمها هى المسمى بالتعين الاول للحقيقة المطلقة وذلك اعتبار انها هو وهو وهو المسمى بالذات والالوهية خاصة هى مرتبة جمع الاسماء المسماة بالتعين الثانى فانه اسم الذات وتلك المرتبة معا كأن الرحمن اسم ذات الوجود الذى هو الرحمة العامة اذا عرفت هذه المقدمات سهل عليك قوله رضى الله عنه
كنا حروفا عاليات لم نقل ٭ متعلقات فى ذرى أعلى القلل أنا أنت فيه ونحن أنت وأنت هو ٭ والكل فى هو فسل عمن وصل وذلك ان حاصل البيت الاول اشارة الى أن الحقائق المسماة بالاعيان الثابتة أزلية غير مجعولة لان الحقائق كما مر كيفيات تعين الاشياء فى علم الحق سبحانه وعلمه أزلى فكذا كيفياته اذ لو لم تكن أزلية كان الحق فى الازل خاليا عن العلوم ثم حدثت له وتعالى الله عن ذلك ثم انها غير مجعولة وغير مخلوقة لانها صفات الحق وشؤنه فلا تتصف بالجعل ليكونها من مراتب الالوهية والا كان ذات الحق سبحانه محل الحوادث وهو محال وشيئيتها شيئية الثبوت والمتصف بالجعل ليس هو الا من مراتب الكون وشيئيته شيئية الوجود والفرق بين الشيئيتين ان شيئية الثبوت هو المذكور فى قوله تعالى انما أمرنا لشىء اذا أردناه أن نقول له كن فيكون وهو الثابت فى علم الله تعالى لا ماهو الثابت عند المعتزلة وشيئية الوجود هو المذكور فى قوله تعالى هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيأ مذكورا وهو المذكور المحقق
(فالقاعدة) ان الجعل والخلق عبارة عن اضافة الوجود الى الثابت الطالب من غيره القابل له فالماهيات قبل اضافة الوجود اليها ثابتة غير مجعولة وأشار الى ذلك بقوله كنا حروفا أى حقائق غيبية ثابتة فى الحضرة العلمية من جملة الاعيان الثابتة لم نقل أى لم نخلق ولم يتعلق بنا القول الايجادى والتكوين الالهى وكنا متعلقات بأحوالنا وبامكاننا وصورنا وآثارنا فان لكل موجود ماهية وحالا ومرتبة وحكما لها وقد تقرر فى علم الكلام ان الشؤن الالهية والصفات الربانية مع تعلقها بالكائن والحادث أزلية بجميع خصوصياتها المعينة ثم قال فكان ذلك فى ذرى أعلى القلل فيجوز أن يريد بالقلل السموات وأعلاها العرش وذروة العرش الرحمانية المستقرة فيه كما ذكره الحق فى كتابه الكريم بقوله الرحمن على العرش استوى فان الحضرة العلمية التى يحويها يقابلها النفس الرحمانى السارى فى جميع الحقائق بحسب قابليتها ويجوز أن يريد بالقلل التعينات الجسمانية وبأعلاها التعينات الرحمانية وبذرى ذلك التعينات الاسمائية ويجوز أن يريد بالقلل التعينات الاسمائية العلمية وبأعلاها الامهات السبعة وبذراها الاسماء الذاتية المسماة بالمفاتيح الاول فان الامهات السبعة سدنة تلك الاسماء وهذا التوجيه الثالث أنسب للبيت الذى بعده المشير الى الوحدة الحقيقية التى فى التعين الاول الذى أركانه المندمجة هى الاسماء الذاتية اذ القاعدة ان كل حقيقة ليست من حيث هى شىء من أفرادها أو أوصافها المتقابلة وأحوالها المتباينة بل الكل مستهلك التعينات والتميزات فيها فالحقيقة الانسانية وهى كيفية تعين الانسان فى علم الله تعالى أعنى التعين الجامع لتعينات الكون يعد فيها جميع افراد الانسان من المتكلم والمخاطب والغائب والواحد والمتعدد اذ لو كانت الانسانية من حيث هى شىء من الافراد كان هو مقتضى ذاته فلا يجتمع مع غيره ففى مطلق الحقيقة الانسانية يكون أنا أنت ونحن أنت وأنت هو وهو وهم هو وأنت أنا الى غير ذلك من التعددات المحتملة فالتعددات صور نسب تلك الحقيقة بحسب القوابل المختلفة وكل ما لا يتعدد الا بالعوارض يكون متعددا بالحقيقة فافهم هذا ما تيسر تحريره واستبان تقريره من عجالة الوقت فان المقام مقام الايماء فلا يحتمل تمام الاستيفاء والحمد لله الفياض لفنون الآلاء لا سيما بتحقيق حقائق الاشياء ودقائق العلوم والآراء على لسان أدلاء الهدى الى سبيل النجاة من الردى والصلاة على خير الخلائق الدليل الى أقرب الطرائق محمد وآله وصحبه أجمعين
تمت