Kitāb al-Zawrāʼ wa-al-taʻlīqāt ʻalayhi
The gloss on the exordium of al-Zawrāʼ
Renaissance Jalāl al-Dīn al-Dawwānī Arabicبسم الله الرحمن الرحيم
عونك يا كريم كتب الى بعض أصحابى كتابا يشتكى فيه عما وقع فى الناس من الانكار على عبارة الزوراء فى خطبته حيث قيل والصلاة على المرتبة الجامعة بجميع صفاته فقلت فى جوابه سألت أيدك الله بروح منه وحسن التوفيق ورقاك من حضيض التقليد الى بقاع التحقيق عما ورد فى خطبة الزوراء من قوله والصلاة منه على المرتبة الجامعة بجميع صفاته وذكرت انه وقع فى بعض النسخ على مرتبته الجامعة وانه قد أغاظك ما أبداه بعض الوهماء من النكرة فى ذلك والتعبير عليه والتمست ان أذكر لك ما يدفع ما أبدوه منها وأنا تصديت لاسعاف مسؤلك بعد تمهيد مقدمة وهى ان هذا النمط من الكلام متعال عن مدارك الاوهام بل عن مدارج أكثر العقول والافهام فضلا عن أذهان من بخذ وخذ من العوام فلا ينبغى ان يبالى بقبول أولئك وانكارهم ولا يليق أن يكترث بتماديهم فى الرد واصرارهم بل الحق أن لا يعبأ بهم فى خلاف ووفاق ولا أهب منهم وان كانوا فى عزة وشقاق وفى الوصية التى ختمت بها الرسالة غنية عن ذلك حيث قيل ولا يضيق صدرك ممن ينكر قدرك وكن كما قال أفلاطون لا يضرن جهل غيرك بك علمك بنفسك ولقد صدق بعض الاصدقاء حيث عاتبنى بأنك قد وصيت بما لم تعمل به حيث بالغت فى الامر بصونها عن غير أهلها ثم لم تحافظ على هذه الوصية بل أوردتها مورد التهاون والتقصير حتى وقعت فى أيدى عصابة مالهم منها حظ سوى النكير ولكن معذرتى فى ذلك ان الاطلاع على سرائر القلوب لا يتيسر الا لعلام الغيوب وكفاك فى ذلك ما نطق به الوحى الالهى من أحوال المنافقين الذين ستروا أمرهم على سيد المؤيدين بالانفس القدسية عليه أفضل الصلاة وأكمل التحية حتى كشف الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم عوارهم وعرفه ما يزيح عنه وعن أصحابه اصرارهم ثم اعود الى المقصود فأقول من الامور البينة ان كل موجود من الممكنات يدل على وجود صانعه دلالة عقلية قطعية فهو بهذا الاعتبار مظهر له وقد عبر عن تلك الدلالة فى القرآن المجيد بالتسبيح والحمد حيث قال عز وجل وان من شىء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ولما كان روح النطق والامر المقصود منه الاعلام عبر سبحانه وتعالى عن هذه الدلالة بالنطق فى قوله تعالى «أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء» الآية وقد يقع للنفوس المشرقة ان يتفق لهم محاكاة هذه الدلالة بالنطق الظاهرى فيستمعونه كفاحا كما ورد فى الحديث من سماع أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم بسبب استضاءة مشكاة مشاعرهم بأنوار صحبته صلى الله عليه وسلم تسبيح الحصاة فى كفه القدسية وقد بالغ بعض أئمة الكشف والتحقيق حيث قال خرق العادة انما هو فى سماع ذلك التسبيح لا فى نفسه فانه واقع دائما ومن أتقن الاصل الذى أشير اليه فى تلك الرسالة من نسبة الصور الى المعانى لا يحتاج الى مزيد تقرير فى هذا المطلب ثم من المحققين من رأى ان كل ذرة من ذرات الوجود مظهر لبعض الصفات الكمالية الالهية وهو الصفة الغالبة أحكامها عليه وان اشترك جميعها فى مظهرية الصفات التى يتوقف عليها الايجاد وفى الدلالة عليها كالعلم والقدرة والارادة لكن الغالب على كل نشأة من النشآت حكم صفة من الصفات كالمجردات فانها مظاهر الصفات التنزيهية والاجسام فانها مظاهر الصفات المقابلة لها بل كل فرد من أفراد الموجودات واقع تحت تربية اسم خاص من أسماء الله تعالى هو به لا يشاركه فيه غيره من الموجودات ثم ان النشأة الانسانية مظهر جميع الاسماء والصفات اذ قد اجتمع فيها جميع الحقائق من المجردات والماديات واللطائف والكثائف الى غير ذلك من التفاصيل التى تعرض لها متتبعو آيات الآفاق والانفس فهو أنموذج لجميع العوالم ولذلك سمى بالعالم الصغير والى هذا المعنى أشار من قال (بيت)
در جستن جام جم جهان بيمودم ٭ روزى ننشستم وشبى نغنودم ز استاد جو وصف جام جم بشنودم ٭ خود جام جهان نماى جم من بودم
وربما سمى الانسان بالعالم الكبير نظرا الى سعة احاطته العلمية حتى قال أبو يزيد رضى الله عنه لو أن العرش وما حواه ألف مرة فى زاوية قلب العارف لما ملأه أو كما قال فان قلت أليس الانسان جزءا من العالم فكيف يزيد على الكل قلت أهل هذا الذوق يجعلونه من حيث الوجود الخارجى وما يشتمل عليه من الاجزاء والاحوال بحسب ذلك الوجود جزأ من العالم حتى يكون العالم الصغير هو الموجودات الخارجية والعالم الكبير هو الانسان بجميع ما يشتمل عليه من الموجودات الخارجية والذهنية فيزيد على العالم بالموجودات الذهنية فان قلت العالم الكبير أيضا يشتمل على الموجودات الذهنية اذ العقول والنفوس الفلكية ناطقة كما هو المشهور بين الفلاسفة قلت اما العقول فلا احساس لها مطلقا واما النفوس الفلكية فلا احساس لها بالحواس الظاهرة عند القائلين بأثباتها وتجردها وهم الفلاسفة على ان أهل هذا الذوق يرون ان المجردات انما يعرفونه تعالى بالصفات التنزيهية فقط والنفوس الفلكية على تقدير تسليمها وتسليم تجردها انما تعرفه تعالى بالصفات التنزيهية وما يعطيه نشأتها من اللطافة والدوام على نهج واحد بخلاف الانسان الكامل فانه من حيث انه مجموع العالم بأسره يعرفه تعالى بما يعطيه جميع النشآت الحاصلة فيه كما قيل (بيت)
نه فلك راست مسلم نه ملك را حاصل ٭ آنجه در سر سويداى بنى آدم ازوست
ومنهم من يرى ان كل موجود مظهر لجميع صفاته تعالى من حيث دلالته عليها كما أشار اليه من قال من المحققين الكل فى الكل ومن قال (بيت)
در جستن جام جم زكوته نظرى ٭ هر لحظه كأنى نه بتحقيق برى رو ديده بدست آر كه هر ذره تنك ٭ حاميست جهان نماى جون درنكرى
الا ان مراتب الظهور مختلفة بحسب جلاء الدلالة وخفائها واجمالها وتفصيلها والظاهر الجلى فى كل مرتبة ماخلا الانسان بعض الاسماء والصفات وبعضها خفى لا يظهر أحكامها وقد يعبرون عن ذلك بالكمون والبروز ويعنون به ان جميع الاسماء والصفات مندمجة بنوع من الظهور فى كل موجود لكن بعضها فيه ظاهرا الاحكام والآثار وبعضها خفى الاحكام والآثار مستورها الا الحقيقة الانسانية فان جميع الاسماء والصفات فيها ظاهرة بآثارها وأحكامها ظهورا بينا ليس لها ظهور أقوى منه فى مراتب غيرها فهو كتاب مختصر منتخب من جميع أجزاء العالم لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها فنسبته الى جميع العوالم نسبة القرآن الى الكتب السماوية حيث حوى مع وجازته جميع مافى الكتب السماوية بأسرها بل جميع الحقائق وأحكامها كما أشار اليه بقوله تعالى «ولا رطب ولا يابس الا فى كتاب مبين» اذا جعل الكتاب المبين هو القرآن كما فسره بعض المفسرين وهذه أمور مقررة عند القوم مفروغ عنها عندهم ولما كانت حقيقة الحمد اظهار الصفات الكمالية فقد ظهر ان كل موجود بمنزلة كلام صادر عنه تعالى دال على صفاته الكمالية فهو حمد له تعالى صادر عنه فايجاد كل موجود هو الحمد بالمعنى المصدرى بمنزلة التكلم بالكلام الدال على الجميل ونفس ذلك الموجود هو الحمد بالمعنى الحاصل بالمصدر بمنزلة الكلام الدال عليه وكما يسمى نفس الكلام حمدا بالمعنى الحاصل بالمصدر كذلك يسمى نفس ذلك الموجود حمدا بذلك المعنى ولما كان الانسان الكامل أعلى مرتبة فى تلك المنقبة من جميع الموجودات فهو مرتبة من مراتب الحمد مظهرة لاتصافه تعالى بجميع الصفات الكمالية اظهارا كاملا لا يتصور أكمل منه فانه بلسان حاله وباله ومقاله يدل على اتصافه تعالى بجميع الصفات الكمالية وينطق به بتلك الالسنة كلها فهو أقصى مراتب الحمد التى حمد الله تعالى بها ذاته المقدسة وهذه المرتبة هى المرتبة الختمية المحمدية ولذلك خص صلى الله عليه وسلم بلواء الحمد وسمى بالحماد والاحمد وغيرها من مشتقات الحمد على اسم الفاعل أو المفعول وفى ذلك دقيقة يعرفها العارف وحينئذ يندفع شبهة القاصرين واما على النسخة التى ليس فيها الضمير فلا يحتاج الى مزيد تقرير واما على النسخة الاخرى فلان الضمير راجع الى الحمد فيكون المعنى حينئذ الصلاة منه تعالى على مرتبة من مراتب الحمد هى المرتبة الجامعة بجميع صفاته تعالى أى على حمد يكون حمد الله بجميع صفات الكمال وفيه اشعار بان النبى صلى الله عليه وسلم نفس الحمد الجامع للدلالة على جميع صفاته تعالى كما مر تقريره وليس فيه انه صلى الله عليه وسلم متصف بجميع صفاته تعالى واطلاق نفس الحمد عليه بالمعنى الحاصل بالمصدر كما مر أو بطريق المبالغة كما فى رجل عدل كما يشعر به تسميته صلى الله عليه وسلم بالحماد كما مر آنفا فقد ظهر معناه بحمد الله تعالى على وجه تستحليه ذوائق أرباب التحقيق ويسوغ فى حلوق الرضعاء الذين لم يفطموا عن رضاع لبان التقليد من أفاويق أخلاف أسلافهم وقد نزلنا فى ذلك الى مداركهم تلميظا لينع الحقائق وايصالا لها الى أجوافهم وأما الغالبون البالغون الى مراتب الرجال من أهل الكمال الذين اغتذوا بالارزاق الربانية والاغذية الروحانية فلا يحتاجون الى ذلك فان قلت ماذكرته انما يتجه الى النسخة التى يوجد فيها الضمير فيكون راجعا الى الحمد ويكون المراد بجامعية الصفات الكمالية انه حمد مستجمع لوصفه تعالى بجميع صفات الكمال وأما النسخة التى ليس فيها الضمير فلا يجرى هذا التوجيه اذ ليس فى اللفظ دلالة على ان تلك المرتبة من مراتب الحمد ليكون المراد بجامعيته الصفات الكمالية دلالته عليها قلت يمكن جعل اللام بدلا عن الاضافة فيرجع مفهوم الكلام الى المعنى الذى مر تفصيله ومع قطع النظر عن ذلك يمكن ارادة هذا المعنى منه بأن يعنى به مرتبة من مراتب الموجودات جامعة بجميع الصفات الالهية من حيث الدلالة عليها فانك اذا قلت هذا الكتاب جامع بجميع صفات زيد لم يتبادر منه الا دلالته عليها ولو لم يكن فى هذه الصورة التبادر فلا يتبادر خلافه أيضا فيمكن حمله على غيره من غير نكير وانكار هذا ومن الاصول المقررة عند أئمة الكشف والتحقيق انه كما كان للصفات أحكام فى الذوات كالعلم فانه يصير به الذات عالما والقدرة يصير بها قادر الى غير ذلك كذلك للذوات أحكام فى الصفات فان العلم بانتسابه الى الذات القديمة يصير قديما وذاتيا وباضافته الى الحادث يصير حادثا ومستفادا من الغير وقس عليه الوجوب المطلق فانه فى ذاته معنى واحد يصير بالنسبة الى الذات الاحدية وجوبا ذاتيا وبالنسبة الى غيرها وجوبا غيريا ولا شك انه اذا قيل ان زيدا متصف بصفات عمرو لم يرد به اتصافه بتلك الصفات مع الاحكام التى تستفيدها تلك الصفات من ذات عمرو كتشخصها بسبب القيام به وغيره من الاحكام التابعة لقيام تلك الحقيقة بعمرو بل المراد به اتصافه بتلك الحقيقة من حيث هى هى وحينئذ يظهر وجه آخر لمن وفق له فان اتصافه صلى الله تعالى عليه وسلم بجميع صفاته لا يستلزم كونه متصفا بها مع أحكامها التى تلزمها من انتسابها الى ذاته تعالى بل المعنى المفهوم منه على مامر تحقيقه هو اتصافه وتحققه بتلك الصفات من حيث هى هى مع قطع النظر عن الاحكام الناشئة من خصوصية ذاته تعالى على قياس مامر من اتصاف زيد بصفات عمرو وما ورد فى الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم «خلق الله آدم على صورته» والمراد من الصورة الصورة التى ترجع الى الصفة كما يقال صورة المسئلة كذا على ما حققه الامام حجة الاسلام وغيره من الائمة الاعلام انما يبتنى على ما أشرنا اليه من تجريد الصفات عن الخصوصيات الناشئة من انتسابها الى الذات المقدسة تعالى كما لا يخفى على من له أدنى فطنة وأنت اذا تأملت وجدت ان حقائق الصفات الالهية اذا جردت عن الخصوصيات الناشئة عن الاضافة الى الذات كالقدم والكمال الناشئتين من انتسابها الى الذات المقدسة تعالى صح اتصاف النبى صلى الله عليه وسلم بها كالعلم اذا جرد عن الذاتية والكمال والشمول اللازمة لذاته تعالى والقدرة اذا جردت عن الذاتية والكمال والشمول اللازمة لذاته تعالى وقس عليهما غيرهما ومالا يمكن الاتصاف به هو الصفات من حيث الاحكام التابعة للذات وما ورد به النهى عن اطلاقه على غيره تعالى فانما يرجع الى اللفظ لايهامه ثبوت الاحكام التابعة للذات وليكن هذا آخر الكلام فى هذا المرام فان المتبصر اليقظان ينتفع بهذا القدر والمعاند لا يزيده هذا النمط من الكلام الا استكبارا وعنادا كما قال الله تعالى «وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى اذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا ان هذا الا أساطير الاولين» ولقد صدق بقراط حيث قال فى الفصول البدن الذى ليس بالنقى كلما غذوته فقد زدته شرا والكلام فى أصل الرسالة مع الفرقة الاولى فكان من الائق أن لا يلتفت الى غيرهم لكن لما كان اسعاف مقترحك دينا فى دين المروة وفرضا فى شرع الفتوة أقدمت على هذه الكلمات والله يجعلها اسيما لانتفاع الطالبين الصادقين ويعصمنا عن رزائل أخلاق الهمج المنافقين ويبلغنا واخواننا الى أن ينكشف الغين عن العين ولا يشوب فى نظرنا الصدق بالمين ويرتفع البين عن البين ويندفع الكيف والاين والصلاة والسلام على من دنى فتدلى الى أن جاوز قاب قوسين وعلى أصحابه المزكين من كل شين الفائزين بسعادة النشأتين وسيادة المنزلين
تمت