An intimation on the Necessary Being: is it self-evident or demonstrative?
19th Century Muḥammad ʻAbduh Arabicواردة
تسمعهم مرة يقولون: ثبوت الواجب بديهي لايحتاج إلى البرهان ، ثم يعارضون مع منكريه ، ويزعمون أنهم ينبهون عليه ، ومرة يقولون : بأنه نظري يحتاج الى الدليل ، ويستدلون عليه ببراهين مبنية على مقدمات مسلمة فيما بينهم يمجها الذوق السليم ، وينبو عنها الفكر المستقيم ، فاسمع ما ينفعك في ذلك
من المعلوم أن الممكن يحتاج الى مرجح في الوجود لما أنه ليس له من ذاته وجود كما سمعت في الفصل السابق، ووجوب افتقاره الى الموجد مستلزم لاستحالة وجوده من العدم الصرف
﴿بيان الملازمة﴾ أن صدور المعلول عن العلة يستدعي نسبة خاصة بين المعلول والعلة حتى يصح صدور المعلول عن العلة ، إذ لو لم يكن بينهما تعلق وارتباط - وجميع الأشياء بالنسبة الى العلة على السواء — لكان صدور هذا المعلول دون بقية الأشياء عنها ترجحاً بلا مرجح وهو محال . وأيضاً لو لم يكن بينهما نسبة لكانا متباينين تباينا تاما ، فلو وجد المعلول لوجد بدون ربط بينه وبين آخر ، فقد وجد بدون موجد ، هذا خلف ، فلا بد بين المعلول والعلة من النسبة والعلاقة الخاصة ، واذا قلنا بوجوب النسبة والتعلق، فلأن التعلق والنسبة لايتحقق إلا بين طرفين ، لابد من وجود الطرفين حتى يتحقق منشأ النسبة ، فلا بد من وجود المعلول مع العلة لتتحقق النسبة الموقوفة عليها العلية ، فقد وجد الممكن قبل تحقق العلية بالمرتبة ، فوجد قبل وجوده ، هذا خلف . وبالجملة فالبداهة قاضية بأنه لانسبة بين الوجود والعدم الصرف — وأيضاً قولك : بأن الشيء موجود من العدم ، إذا كان حقيقياً فلا بد أن يكون العدم أيناً له أو متى أو جوهراً موضوعا أو مادة الى آخر الوجوديات الممكنة ، فيلزم وجود العدم والمعدوم ، هذا خلف
فاذاً حدوث شيء من العدم الصرف محال ، وهذا حكم بهديهي قد نبهناك عليه . فاذاً جميع ما صدق عليه مفهوم الممكن ، محتاج الى علة ليست تلك العلة مباينة له بالمرة ، وتلك العلة تنتهي الى مرجح خارج عن ماهية الامكان ، وهو الواجب الحقيقي الذي هو وجوده لذاته ، وكل مقيد فهو محتاج اليه، وهو منتهى التقييدات ومرجعها ( إليه يرجع الأمر كله ) ومع كون المعلول ليس مباينا كذلك ليس عين العلة ، ولكن طور من أطوارها وشأن من شؤونها لاوجود له الا وجودها . فتبين أن كل ممكن فهو اعتبار من اعتبارات علته ، ليس له وجود الا وجودها . فاذاً ليس في الوجود الحقيقي الذاتي الا ذات مطلقة واحدة لا تعدد فيها الا بتعدد اعتباراتها لاتقيد فيها بوجه من الوجوه ، وهو واجب الوجود ، فافهم . ليس في الامكان أوسع من هذا البيان ، وتوضيح الواضح مشكل . فالحق بين يديك ظاهر ، فلا تشغل فكرك بابطال التسلسل ، فهو يحتاج الى أوهام ملء الأكوان
﴿تقريب﴾ لاتستبعد أن المعلول شأن من شؤون علته . فانك لست تغفل عن كون البيت شأناً لأجزائه واعتباراً من اعتباراتها، والشجرة طوراً للحبة وشأن من شؤونها، والأمواج طور للبحر وشأن من شؤونه ، وهكذا جميع الامور — والعجب للمتكلمين والحكماء المقلدين لما عجزوا عن الارتقاء الى درجة الكمال كيف اتخذوا الاعدام سلما لتطلع الحقيقة ، ويزعمون أن هذا تنزيه لحضرته . ولكن نحن نقول : ليس وجود الا وجوده ، ولا وصف الا وصفه . فهو الموجود وغيره المعدوم — قال الأمراء الأولون رضي الله عنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي : ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله أو بعده أو فيه أو معه — كل واحد ينسب الى واحد منهم — ولا يقعن في وهمك أن هذا قول بالحلول ، فان الحلول إنما يكون بين وجودين أحدهما حال في الآخر ، ونحن نقول : لا وجود الا وجوده
﴿تنبيه﴾ أظنك في هذه الكلمات تحققت بأن هذا الواجب واحد ، إذ لو كان واجبان لكان كل منهما ممتازاً عن الآخر وإلا كان عينه . وامتيازه انما يكون بقيد ليس في الآخر ، فيكون مقيداً ، فيكون ممكناً ، هذا خلف . وقد يستدل على استحالة تعدد الوجود مطلقاً ، وأنه ليس إلا وجود واحد ، بأنه لو