Kitāb al-Safīnah al-Nūḥīyah fī al-sakīnah al-rūḥīyah
Chapter Seven: On the Purification of the Soul and the Cleansing of the Spirit
Medieval Aḥmad ibn Khalīl al-Khuwayyī Arabicالباب السابع فى تزكية النفس وتصفية الروح
اعلم ايدك الله ان نفس الأنسان جمع الله فيها ما فرقها في النفوس بأسرها ففيها من نفس الملك وصف ومن نفس البهايم والسباع والحشرات والهوام اوصاف فأن فيها التمكن من طاعة الله والأمكان من عبادة الله كما فى نفس الملائكة . ثم ان الملائكة بعضهم ركوع وبعضهم سجود وجمع منهم قعود وجمع وقوف وطائفة يسبحون وجماعة يهللون ومنهم من وكله الله تعالى بالأرزاق ومنهم من جعله على الأرواح فجمع الله فى الناس هذه الخيرات فمنهم الراكعون الساجدون الحامدون الذاكرون المنفقون المنتقمون لله وفيها ايضاً الممكنة من الأشتغال بالأشغال الدنية والأقبال على الاعمال البدنية كما في نفوس البهايم والسباع والطيور والهوام وفيها حرص الجعل والخنزير وافساد الذئب والنمر وايذاء العقرب والحيــة وشهوة الديك والحمار واشتهاء الابل والبقر في الأكل وينكب على الأمور الخسيسة كالهوام والحشرات ويسعى في طلب ما غاب عنه كالطير الطائر . ثم ان الله تعالى لما خلق البهايم والملائكة جعل الارض للانعام والسماء للملائكة الكرام وكما جمع ما فى الانسان مافي الملائكة والأنعام جمع للأنسان بين الأرض والسماء فجعل الأرض مسكن بدنه والسماء مصعد روحه فكما جمع الأنسان بين الوصفين كذلك جعل بين الموضعين فأن رجح الأنسان ما فيه من صفات الملائكة على ما فيه من صفات البهايم فاز وافلح وانقطع في آخر امره الى المنزل الأعلى وهو فوق السموات السبع وهو الجنة العليا وان رجح مافيه من صفات السباع والبهايم على مافيه من صفات الملك خاب وخسر وانقطع بعد انقضاء عمره الى الدرك الأسفل وهو تحت الارضين وهو النار .
واذا علمت هذا فلا شك في ان العاقل لا يختار حال الكلاب والخنزير على فعال الملائكة المقربين ولا يختار الدرك الأسفل من النار على المنزل الأعلى فى دار القرار .
ثم ان النفس ان غلبت البهيمية عليها كانت شرا من البهايم فان البهيمية اذا سرحتها فى المسرح سرحت نهاراً وعادت الى الأصطبل ليلاً والنفس اذا تركتها تهج هجاً ولا تمج الشر مجا . والعقرب والحية والذئب والنمر لا يؤذي الا عند اللقاء والانسان يؤذي القريب بالضرب والشتيمة والبعيد بالغيبة والنميمة فهو شر من البهايم والسباع .
وهى تارة اخرى تعبد الله مع الجوع والعطش وتشتغل بطاعة الله تعالى مع حاجة الاهل والولد . والملائكة ليسوا كذاك فهو خير من الملائكة تارة وشر من البهايم اخرى .
فأذا اردت ان تزكي نفسك فانظر الى الأمر الغالب فيك فمــا رأيت فيك من البهيمي طهر نفسك عنه وما رأيت فيه من الملكي فثبت نفسك عليه .
واعلم ان الله جمع بين العقل والنفس وهما لا يفارقان احدهما صاحبه الا قليلاً فاذا مال العقل الى شيء خالفته النفس قليلاً ثم تعود اليه .
واذا مالت النفس الى امر خالفها العقل قليلاً ثم تعود اليه والظفر مع الصبر فان كان العقل اصبر تبعته النفس ورافقته وان كانت النفس اصبر تبعه العقل ووافقها فاذا اختار الانسان عبادة الله بعقله خالفته نفسه ودعته الى الاكل والشرب واللهو واللعب فان ثبت العقل عليها مدة رافقته النفس · واذا مال الى الاكل والشرب واللهو واللعب خالفه العقل فان استمر عليه رافقه العقل حتى حسن له قضاء الشهوة واعمال الغضب فاذا اراد الانسان قهر نفسه وجعلها تحت تصرف عقله فطريقه التدريج في تقليل مقتضى العادة وتكثير وظايف العبادة فاذا كان يأكل في يوم مداً ينقص منه في اليوم الاول درهمين او ثلاثة ويستمر عليه يومين او ثلاثة ثم ينقص من الباقي درهمين او ثلاثة ويستمر عليه يومين او ثلاثة الى ان يعتاد قلة الاكل · واذا كان عادته لبس الناعم يلبس اياماً ما هو اخشن منه قليلاً ثم ينتقل الى الأدنى ·
واعلم ان منشأ الأوصاف البهيمية الجهل والحاجة ومنشأ الأوصاف الملكية العلم والغنى فلا يوجد قبيح الا من جاهل بقبحه او من محتاج اليه · والبهايم لما شملها الجهل وعمها الفقر رأيتها تأتى بالقبايح كالوقاع من غير ستر واكل مال زيد وعمرو ·
ثم ان الجهل قسمان جهل بما في الحال وجهل بما في المآل · والحاجة كذلك قسمان حاجة ناجزة معلومة وحاجة متوقعة موهومة فالديك والحمار يجهلان ما في فعلهما من القبيح ويحتاجان في الحال الى قضاء شهوة البطن والفرج فيأتيان بفعلهما على ملأ من الناس · والنمل والجمل يتوهمان الحاجة في المستقبل فيدخران وهما يجهلان ولا يميزان بين مال زيد وخالد ولا بين نجس وطاهر ·
ثم ان الحاجة تحمل على الغضب والعناد وعلى الذلة والأنقياد فأن المحتاج اذا رأى ما يحتاج اليه يطلبه غيره يدفعه بالقوة ان قوي وبالسؤال والمذلة ان عجز فالذؤب والنمر يؤذيان لطلب ما يحتاجان اليه في الحال والحية والعقرب يؤذيان لما يحتاجان اليه توهما في المآل لأنهما يتوهمان مؤذيا فيدفعانه · فأذا حصل العلم بما في الحال من قبح التذلل لمن هو مثله او دونه وقبح التكبر على من هو مثله او فوقه وعلم ما في المآل من سوء الحساب والم العذاب وحصل له الغنى عن الحاجة الفضلية بالترك وعن الحاجة الأصلية بالقناعة يستحيل ان يأتي بالقبيح فالعالم الغني لا يكذب وانما يكذب الكاذب اذا لم يعلم ما يخبر عنه او علم تحمله الحاجة على اخفاء الحق · واما الذي يكذب هزلاً فهو يدفع به حاجة فأن الجد قتل النفس منه فأذا دخل في الهزل دفع مكروه الملال ·
اذا علمت هذا فالتزكية بتحصيل العلم بما في الأمور الدنية من القبايح الحالية وفي اللذات البدنية من الفضايح المالية والعلم بما على القبايح من العقاب الأليم وعلى تركها من الثواب العظيم ثم بتحصيل الغنى عن الأمور الفضلية باعتبار تركها وعن الأصلية بالقناعة ·
والذي قاله اهل الخلوة ان الأنسان ينبغى ان يحرك نفسه بالتوجه الى الله ثم يجتهد في ترك طيبات الدنيا بالنظر في عواقبها فيصير زاهدا فيها ثم يكثر من العبادات مع التفكر في عظمة من له العبادة وشرف ما لأجله العبادة فان بقدر عظمة المخدوم تستطاب الخدمة وبقدار الاجرة يطيب العمل فالذي يخدم من لا يقدر على القتل والحبس ان اساء الخادم وانما يقدر على قطع الأجرة ثم تكون الأجرة شيئاً نزرا يجده الخادم اينما يكون لا يبالغ في رضا المخدوم ولا يجتهد في الخدمة · واما اذا كان المخدوم بحيث يقتل المسيء ولا يخشي دركا وان قطع المعلوم لا يجد غيره مخدوما يعطيه معشار ما كان يعطيه ويكون من عادته ان يزيد الاجر الجزيل بقدر زيادة العمل يبالغ في الخدمة ويجتهد في ارضاء المخدوم ويجتنب مساخطه
فاذا علم الانسان ان الله هو القاهر فوق عباده وهو القادر على ان يبعث عليهم عذاباً من فوقهم ومن تحت ارجلهم وانه لا راد لما اراد ولا دافع ولا مخلص مما قضى ولا شافع وانه ان امسك الخير فلا يجد احد أيرسله عليه ويعلم انه خبير بكل ما يفعله سميع لكل ما يقوله ويصير له هذا العلم من قبيل علم اليقين لا يعصى الله فان الملك اذا كان العبد بمحضر منه والعبد جازم بان الملك عظيم الثواب اليم العقاب ويعلم انه ناظر اليه ومطلع عليه يستحي من مخالفته ولا يحتمل ان يعصيه الا اذا كان غافلاً او مضطراً محتاجاً فاذا علم ان حاجاته مندفعة لا يبقى هناك امكان العصيان ·
فأما اهل الخلوات فهم يأمرون المكلف بالجلوس في خلوة والانقطاع مدة وذكر كلمة لا آله الا الله كثيراً مع توجيه الذكر الى نفي الخواطر ·
ومعنى هذا الكلام ان المختلى بنفسه ينظر في هواجس خاطره فان دخل في نفسه امر جمع المال يقول مآل المال الى الزوال ويبقى الأمر مع الملك المتعال فيقول لا آله الا الله اي لا حاصل للمال ولا مرجع الا الله واذا دخل في نفسه امر الجاه يقول آخر الأمر زوال من به الجاه وفناء من به الجاه ولا يبقى الا الله فيقول لا آله الا الله قاصداً انه لا جاه الا بالله · واذا تفكر في امر الولد يتأمل في الموت والفناء ويقول لا آله الا الله فيكون