Bayān zaghl al-ʻilm wa-al-ṭalab
The Science of Hadith
Medieval al-Dhahabī Arabic( علم الحديث )
وأما المحدثون : فغالبهم لا يفهمون ولا همة لهم في معرفة الحديث ولا في التدين به بل الصحيح والموضوع عندهم بنسبة وانما همتهم في السماع على جهلة الشيوخ وتكثير العدد من الاجزاء والرواية لا يتأدبون بآداب الحديث ولا يستفيقون من سكرة السماع ، الآن يسمع الجزء ونفسه تحدثه متى يرويه أبعد خمسين سنة ! ويحك ما اطول أملك وما أسوأ عملك ، معذور سفيان الثوري يقول فيما رواه احمد بن يوسف التغلبي حدثنا خالد بن خداش حدثنا حماد بن زيد قال سفيان الثوري : لو كان الحديث خيراً لذهب كما ذهب الخير . صدق والله وأي خير في حديث مخلوط صحيحه بواهيه وأنت لا تقفله ولا تبحث عن ناقليه (١) ولا تدين الله تعالى به . أما اليوم في زماننا فما يفيد المحدث الطلب والسماع مقصودَ الحديث من التدين به بل فائدة السماع ليروي فهذا والله لغير الله تعالى . خطابي معك يا محدث لا مع من يسمع ولا يعقل ولا يحافظ على الصلوات ولا يجتنب الفواحش ولا قرش الحشائش ولا يحسن ان يتصدق فيا هذا لا تكن مجرماً فاتناً أنحس المناحيس .
فطالب الحديث اليوم ينبغي له ان ينسخ اولاً ( الجمع بين الصحيحين ) و ( أحكام عبد الحق ) و ( الضياء ) (١) ويدمن النظر فيهم ويكثر من تحصيل تاليف البيهقي فانها نافعة ولا أقل من مختصر كالالمام ودرسه (١) فأي شيء ينفع السماع على جهلة المشيخة الذين ينامون والصبيان والشبيبة يتحدثون ويمزحون وكثير منهم ينعسون ويكابرون والقارىء يصحف واتقانه في تكثير « او كما قال » والرضع يتصاعقون (٢) بالله خلونا فقد بقينا ضحكة لأولي العقول ينظرون الينا ويقولون هؤلاء هم اهل الحديث نعم ماذا يضر ! ولو لم يبق الا تكرار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لكان خيراً من تلك الأقاويل التي تضاد الدين وتطرد الايمان واليقين وتردي في أسفل السافلين لكنك معذور فما شممت للاسلام رائحة ولا رأيت اهل الحديث فأوائلهم كان لهم شيخ عالي الاسناد بينه وبين الله تعالى واحد معصوم عن معصوم سيد البشر عن جبريل عن الله عز وجل فطلابه مثل ابي بكر وعمر وابن مسعود وأبي هريرة الحافظ وابن عباس وسادة الناس الذين طالت اعمارهم وعلا سندهم وانتصبوا للرواية الرفيعة فحمل عنهم مثل مسروق وابن المسيب والحسن البصري والشعبي وعروة وأشباههم من اصحاب الحديث وأرباب الرواية والدراية والصدق والعبادة والاتقان والزهادة الذين من طابتهم مثل الزهري وقتادة والاعمش وابن جحادة وأيوب وابن عون وأولئك السادة الذين أخذ عنهم الاوزاعي والثوري ومعمر والحمادان وزيادة ومالك والليث وخلق سواهم من اشياخ ابن المبارك ويحيى بن القطان وابن مهدي ويحيى بن آدم والشافعي والقعنبي وعدة من اعلام الحديث الذين خلفهم مثل احمد بن حنبل واسحق وابن المديني ويحيى بن معين وأبي خيثمة وابن نمير وأبي كريب وبندار ومن يليهم من مشيخة البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وأبي زرعة وأبي حاتم ومحمد بن نصر وصالح جزرة وابن خزيمة وخلائق في الزمن الواحد منهم الألوف من الحفاظ ونقلة العلم الشريف ، ثم تناقص هذا الشأن في المائة الرابعة بالنسبة الى المائة الثالثة ولم يزل ينقص الى اليوم فأفضل من في وقتنا اليوم من المحدثين على قلتهم نظير صغار من كان في ذلك الزمان على كثرتهم ، و كم من رجل مشهور بالفقه وبالرأي في الزمن القديم أفضل في الحديث من المتأخرين و كم من رجل من متكلمي القدماء أعرف بالاثر من مشيخة زماننا فما أدركنا من اصحاب الحديث الا طائفة كقاضي ديار مصر وعالمها تقي الدين بن دقيق العيد والحافظ الحجة شرف الدين الدمياطي والحافظ جمال الدين بن الظاهري والشيخ شهاب الدين احمد بن فرح (الاشبيلي ) ونحوهم ، وأدركنا من عكر الطلبة شهاب الدين بن الدقوقي ونجم الدين بن الجباز والشيخ عبد الحافظ ، ونحمد الله تعالى في الوقت أناس يفهمون هذا الشأن ويعتنون بالاثر كالمزي وابن تيمية والبرزالي وابن سيد الناس وقطب الدين الحلبي وتقي الدين السبكي والقاضي شمس الدين الحنبلي وابن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة وصلاح الدين بن العلائي وفخر الدين بن الفخر وأمين الدين بن الواني وابن امام ( ام الملك ) الصالح ومحب الدين المقدسي وسيدي عبد الله بن خليل وجماعة
— الحواشي —
[6] (١) مجرد الرواية قليل الجدوى في الاعصار المتأخرة . بل قالوا : الحديث شطران احدهما معرفة احوال رواته على الوجه والآخر معرفة معانيه على ما هي عليه عند أهل الفقه بالدين فمن كان مقصراً في احدهما فقد قصر في الحديث بقدر ذلك ولو أدى ما سمعه كما سمعه . وقل من يفي الشرط في جميع الطبقات ، والجمع بين الشطرين صعب المنال الا لأفذاذ من الرجال ، وقد نقل ابن طولون في كتابه «الفلك المشحون» عن الامام الشافعي رضي الله عنه انه قال لبعض اصحابه : أتريد ان تجمع بين الفقه والحديث هيهات» بل كثيراً ما تراه نفسه يروي في «الأم» حديثا ثم يقول : وبه آخذ اذا صح او ان ثبت ونحو ذلك ولا يجزم بشيء من طرفي النفي والاثبات ، وهذا غاية التأني والورع في دين الله فلا تغترن بمن أسبق فتواهم الاستفتاء وأن لم يقاربوا نعال اولئك الأئمة الفقهاء .
[7] (١) اما ( الجمع بين الصحيحين ) فهو للحميدي الاندلسي ( المتوفى سنة ٤٨٨ ) جمع فيه احاديث الصحيحين وأجاد ، رتبها على مسانيد الصحابة على خمس طبقات فابتدأ بمسند ابي بكر الى تمام العشرة المبشرة ، ثم المقدمين بعد العشرة ثم المكثرين ، ثم المقلين ، ثم النساء ، حذف الاسانيد الا التابع عن الصاحب وعين مواطن اتفاق الشيخين ومواقع انفرادها في المتون دون الرواة وأضاف الى ذلك نبذاً مما تنبه عليه من كتب الدارقطني لا سيما (الاستدراكات والتتبع) و ( مستخرج الاسماعيلي على البخاري ) ، و ( مستخرج ابي بكر الخوارزمي البرقاني على الصحيحين ) ، و ( اطراف الصحيحين لابي مسعود الدمشقي ) وكتب غيرهم من الحفاظ الذين عنوا بما يتعلق بالكتابين من تنبيه على غرض او تتميم لمحذوف او زيادة في شرح او بيان لاسم او نسب او كلام على اسناد او تتبع لوهم بعض اصحاب التعاليق في الحكاية عنهما ونحو ذلك ، وميز عن الاصل ما زاده من الكتب المذكورة . والحميدي هذا ممن سمع على ابن عبد البر ولزم ابن حزم ، ولما امتحن مع شيخه في المذهب الظاهري هرب الى
[8] الشرق وأصبح لا يتظاهر بمذهبه حتى مات ببغداد ، ولو كان رتب كتابه على الابواب لكان اكثر نفعا وأسهل تناولا للمشتغلين بأحاديث الاحكام . وأما كتاب (الاحكام) فهو للحافظ عبد الحق الاشبيلي (المتوفى سنة ٥٨١) فالاحكام الكبرى له كتاب لطيف الوضع كثير النفع مرتب على الابواب انتقى احاديثه من الموطأ والكتب الخمسة وابن ابي شيبة وغير ذلك ، غالبها احاديث الاحكام وفيها الترغيب والترهيب والادعية والاذكار وجمل في الفتن ونبذ من التفسير ، يتكلم على الاحاديث مرة وعلى الرواة اخرى من كامل ابن عدي وعلل الدارقطني وسننه وعلل ابن ابي حاتم ، ومع ذلك لم يخل عن اوهام انتقدها ابو الحسن بن القطان الفاسي ( المتوفى سنة ٦٢٨ ) في كتابه ( الوهم والايهام في كتاب الاحكام ) اجاد فيه على تعنت معروف منه في نقد الرجال . وأما كتاب الضياء فهو كتاب ( الاحاديث المختارة ) للضياء المقدسي ( المتوفى سنة ٦٤٣ ) استخرجها مما ليس في الصحيحين موصولا وربما يذكر احاديث بأسانيد جياد لها علة تذكر يفند علتها . وتصحيح الضياء يعد قريباً من تصحيح الترمذي ، ويحسن ان يخص ذلك بأحاديث الفقه من حلال وحرام فانه لتشبعه بآراء اصحابه قد يتساهل في تصحيح مثل حديث حماد بن سلمة ( . . اخرج خنصره على ابهامه فساخ الجبل ) ، رتب كتابه على مسانيد الصحابة وأطال الاسانيد اليهم وابتدأ بأحاديث العشرة المبشرة ثم ذكر بقية الصحابة على حروف الهجاء باعتبار أسمائهم ولم يراع طبقات الحميدي وان كان ألف كتابه مسترشداً بقوله : «ولو تفرغ بعضهم لتتبع الصحيح من غير الصحيحين لكان حسناً» . وكتابه كتكملة لكتاب الحميدي ولو جمعه على الابواب لكان اقرب نفعا .
[9] (١) كتب البيهقي ممتعة في الرواية لا سيما (معرفة السنن والآثار) ، لم يجمع للشافعية مثلها في الانتصار للمذهب الا انها لا تخلو عن أوهام وعدول عن الجادة في التحزب فيحتاج معها الى ( الجوهر النقي ) ونحوه تقويماً لاودها وقلما يجمع الله تعالى لرجل الا كثار وحسن النقد في الآثار . وأما « الالمام في احاديث الاحكام » لابن دقيق العيد فمختصر نافع لولا ما وقع فيه من عزو الحديث الى غير من خرجه ونحو ذلك ، ولقد أحسن القطب عبد الكريم الحلبي تلخيصه واصلاحه في كتابه ( الاهتمام بتلخيص الالمام ) فالناسخ لتلك الكتب يحتاج الى درسها عند شيخ متقن جامع بين الرواية والدراية لئلا يأخذ بما أخذ عليهم فيغالط .
[9] (٢) وتلك الحشود في مجالس التسميع في عصر المصنف وقبله وبعده لم تكن الا لتسجيل اسمائهم في طباق السماع — رضعاً وصبيانا شباباً وكهولا رجالا ونساءً — بأنهم حضروا أو سمعوا الكتاب الفلاني فيروي من عاش من هؤلاء ذلك الكتاب بعد مضي دهر عن هذا الشيخ المسمع استناداً على تسجيل اسمه في تلك الطباق غير ضابط للفظ الشيخ ولا ذاكر لقراءة القارىء — ولا تسل عن التساهل في الاجازات — وهكذا . ويكون الرجال في الاسانيد العالية هرمين مخلطين عند التسميع ورضعاً أو صبياناً حين التحمل والسماع في الغالب وبهذه الطريقة تعلو اسانيدهم . قال المصنف في الميزان : ولو فتحت على نفسي تليين هذا الباب (يعني من كان بعد سنة ثلثمائة) لما سلم معي الا القليل اذ الاكثرون
[10] لا يدرون ما يروون ولا يعرفون هذا الشأن انما سمعوا في الصغر واحتيج الى علو سندهم في الكبر ه . وفي كتابنا (عتب المغترين بدجاجلة المعمرين) ترى عجائب وغرائب .