Section: On Caution
Medieval al-Māwardī Arabicصلى الله عليه وسلم إنه قال : « الخير كثير ، وقليل فاعله » . فقال بعض الحكماء خير من الخير فاعله ، وشر من الشر فاعله
فصل
( فى الحذر )
وأما الفصل الرابع : وهو الحذر فان الدهر ثائر بطوارقه ، ومنافر بنوائبه ، يغدر ان وفى ، ويقتل ان هفا . ولذلك قيل فى منثور الحكم : الدنيا مرتجعة الهبة ، والدهر حسود لا يأتى على شىء إلا غيره . وقال عبدالحميد: أصاب الدنيا من حذرها ، وأصابت الدنيا من أمنها . وقال عبدالملك بن مروان : احذروا الجديدين ، فللاقدار أوقات تغضى عنها الابصار ، فاذا صادفت طوارقه غراً مسترسلا ، صار هدفاً لسهامها الصوائب ، وغرضاً لمنافرة الحوادث والنوائب . وقد قال بعض الحكماء : من أعرض عن الحذر والاحتراس، وبنى أمره على غير أساس ، زال عنه العز ، واستولى عليه العجز وان قدم لطوارقه حذر المتيقظ ، وتلقاها بعدة المتحفظ ، رد بادرتها بعزم ذى حزم؛ قد حلب أشطر دهره ، وقام بواضح عنزه . وقد قال بعض الشعراء :
ان للدهر صولة فاحذرنها ٭ لا تبيتن قد أمنت الدهورا
ثم هو بعيد حذره مستسلم لقضاء لا يرد ، وقدر لا يصد . وقد روى أبو الدرداء عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : « احذروا الدنيا فانها أسحر من هاروت وماروت » . وقيل لبعض الحكماء : من السعيد ؟ قال : من اعتبر بأمسه واستظهر لنفسه . وقال بعض الشعراء :
وحذرت من أمر فمر بجانبي ٭ لم يبكنى ولقيت ما لم أحذر
وللحذر حد يقف عنده ، ان زاد عليه صار خوراً ، كما ان للاقدام حداً ، ان زاد عليه صار تهوراً ، والزيادة على الحدود نقص فى المحدود ، ولهما زمان ان خرجا عنه صار الحذر فشلا ؛ والاقدام خرقا ، وعارهما معتبر بحزم العاقل ، ويقظة الفطن . وقد قيل فى منثور الحكم : أيدي العقول تمسك أعنة الأنفس . وقال بعض الحكماء: ليعرفك السلطان عند افتتاح التدبير بالحذر ، وعند وقوع الأمر بالجد . والحذر يلزم من أربعة أوجه : أحدها الحذر من الله تعالى فيما فرض ، والثانى الحذر من السلطان فيما فوض ، والثالث الحذر من الزمان فيما اعترض ، والرابع الحذر من غلبة الأعداء ومكر الدهاة .
فاما الحذر من الله تعالى ، فهو عماد الدين الباعث على الطاعة . والحذر منه ؛ هو الوقوف على أوامره ، والانتهاء عن زواجره ، فيعمل بطاعته فيما أمر ، وينتهى عن معصيته فيما حظر ، فلن ترى قليل الحذر إلا متجوزاً فى دينه ، طامحاً فى غلوائه ، لا يرى رشداً فى العاجل ، وهو على وعيد فى الآجل، مع نفور النفس منه ، وسراية الذم فيه . وقد قيل فى بعض الصحف الأولى : العزة والقوة يعظمان القلب ، وأفضل منهما خوف الله تعالى ، لأن من لم تردعه خشية الله ، لم يخف الوضيعة ، ولم يحتج إلى ناصر . وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه : من حاول أمراً بمعصية الله كان أبعد لما رجا ، وأقرب لمجىء ما اتقى . وقال بعض الحكماء: خير الاخلاق أعونها على الورع . وقال بعض السلف : انما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك . وقال البحتري :
ياجامعاً مانعاً والدهر يرمقه ٭ مفكرا أى باب فيه يطرقه جمعت مالا ففكر هل جمعت له ٭ ياجامع المال أياماً تفرقه
وأما الحذر من السلطان ، فهو وثاب بقدرته ، متحكم بسطوته ، يميل به الهوى فيقطع بالظن ، ويؤاخذ بالارتياب ، فالثقة به عجز ، والاسترسال معه خطر . وقد قيل: ثلاثة لا أمان لهم: السلطان والبحر والزمان . وقيل : إذا تغير السلطان تغير الزمان ، والحذر منه فى حالتى السخط والرضا أسلم لأنه يستذنب إذا مل ، حتى يصير المحسن عنده كالمسىء ، فاستخلص رأيه بالنصح واستدفع تنكره بالحذر . وقد قال بعض الحكماء: اصحب السلطان بثلاث الحذر ورفض الدولة ، والاجتهاد فى النصح ، وحذرك منه يكون بثلاثة أمور : أحدها : أن لا تعول على الثقة فى ادلال واسترسال ، فما جرت الثقة إلا ندما كما قال الشاعر :
ما زلت اسمع كم من واثق خجل ٭ حتى ابتليت فصرت الواثق الخجلا
وقد قيل : الخرق الدلالة على السلطان ، والوثبة قبل الامكان . فاقبض نفسك إذا قدمك ، وتواضع له اذا عظمك ، واحتشمه إذا آنسك ، ولن له إذا خاشنك ، واصبر على تجنيه إذا غالظك . فهو على التجنى أقدر ، فكن على احتماله أصبر ، فربما كانت مجاملته لك مكراً ، وتجنيه عليك عذرا ، فقد قيل فى بعض الصحف الاولى : حب الملك وهواه يشبه الطل الذي ينزل على العشب . وقد قالت حكماء الهند : مثل السلطان فى قلة وفائه للاصحاب ، وسخاء نفسه عنهم مثل البغى ، والمكتب ، كلما ذهب واحد جاء آخر . والعرب تقول : السلطان ذو عدوان وبدوان ، فلا تجعل له فى اظهار تنكره عليك عذرا ، فربما اعترف بالحق فوفى ، ورق بالصبر فكف ، ولذلك قيل فى أمثال كليلة ودمنة : صاحب السلطان كراكب الاسد يخافه الناس ؛ وهو لمركوبه أشد خوفا . وقد روى مصعب بن منصور عن عقبة بن عامر عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: « السعيد من وعظ بغيره ». وقال شاعره حسان بن ثابت .
ولا تأمن الدهر الفتون فانى ٭ برأى الذي لا يأمن الدهر مقتدي
والثانى : فى حذرك منه ؛ أن تساعده على مطالبه ، وتوافقه على محابه ومشاربه ؛ ولا تصده عن غرض ، إذا لم يقدح فى دين ولا عرض ، ولا تتوقف عن اجابته ، وان شغلك ما هو أهم ، فما يقيم لك عذرا اذا وجدك فى أغراضه مقصرا ، وان كنت على مصالح ملكه متوفرا ؛ فانه اتخذك لنفسه ثم لملكه ؛ وقد يقدم حظ نفسه على مصلحة ملكه ؛ لغلبة الهوى ؛ ونازع الشهوة ، ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم : « حبك الشىء يعمى ويصم » أي يعمى عن الرشد ، ويصم عن الموعظة . فكن متوفرا على مراده؛ ليسلم اعتقاده لك ، فان قدحت أغراضه فى دين أو عرض ، سللت نفسك من وزرها ، وتحفظت من شينها ، بالتلطف فى عفة عنها بما يعتاضه بدلا منها . ليسهل عليه اقلاعه عنها؛ فان ساعدك عليه ، سلم دينكما ؛ وزال شينكما . وقد روى أبو حازم عن سهل بن سعد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لله خزائن للخير والشر مفاتيحها الرجال ؛ فطوبى لمن جعله مفتاحاً للخير مغلاقا للشر . وويل لمن جعله مفتاحاً للشر مغلاقا للخير ». وقال بعض الشعراء :
ستلقى الذي قدمت للخير محضرا ٭ وأنت بما تأتى من الخير أسعد
وان أصر عليها لنت فى متاركته ، وأحجمت عن مساعدته ، وهو خداع يتدلس بالمغالطة ، ويخفى بالحزم ، فاستنجد فيه عقلك ، واستعمل فيه حزمك ؛ لتسلم من تنكره؛ وتخلص من وزره. فقد روي عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ان من شرار الناس عند الله يوم القيامة عبد أذهب آخرته بدنيا غيره » .
والثالث : فى حذرك منه أن تذب عن نفسه وملكه بما استطعت من مال ونفس ، فانك عن نفسك تذب ولها ترب ، لأنه لا يصلح حالك ؛ مع فساد حاله ، وأنت فرع من أصله ؛ وهو يسترسل لثقته بك ، ويستسلم لتعويله عليك ، فقابل ثقته بأمانتك ، واستسلامه بكفايتك ، ولا تلجئه أن يباشر دفع الخوف والحذر ، فيلجئك إلى ما هو أخوف وأحذر ؛ لأنك تخافه وتخاف ما يخافه ؛ فيتوالى عليك خوفان ويتمالآ عليك خطران . وقال الشاعر :
ان البلاء يطاق غير مضاعف ٭ فاذا تضاعف صار غير مطاق فادفع خوفك منه بدفاعك عنه ، تكن من الخوفين آمنا ؛ ومن الخطرين سالماً . وقد قال عاصم بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما :
كأنك لم تنصب ولم تلق شدة ٭ إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب
واعلم ان لسلطانك عليك حقوقا لك عليه مثلها ؛ فحقوقه عليك ثلاثة : أحدها قيامك بمصالح ملكه . وهى أربع : عمارة بلاده ؛ وتقويم أجناده ؛ وتثمير مواده ؛ وحياطة رعيته . والثانى من حقوقه عليك قيامك بمصالح نفسه ، وهى أربع : ادراك كفايته ؛ وتحمل عوارضه ؛ وتهذيب حاشيته ؛ واستعداد ما يدفع به النوائب . والثالث من حقوقه عليك ، قيامك بمقاومة أعدائه ، وذلك بأربعة أشياء : تحصين الثغور ، واستكمال العدة ، وترتيب العساكر ، وتقدير الحدود ، فأد حقوق سلطانه ، ووف شروط ائتمانه ، واحذر بادرة مؤاخذته ان قصرت ، وسطوة انتقامه ان فرطت ، فقد قيل فى منثور الحكم : من فعل ما شاء ، لقى ما لم يشأ . وقال بعض البلغاء : من أولع بقبح المعاملة أوجع بقبيح المقابلة . واعلم ان بادرة الانتقام ، أسرع من ظهور الانعام ، لان الانتقام يصدر عن طيش الغضب ؛ والانعام يصدر عن إناة الكرم ، فربما هجم الانتقام قبل الحذر ان تم على مداومة الحذر . ولذلك قال أبوزبيد الطائى:
والخير لا يأتيك مجتمعاً ٭ والشر يسبق سيله مطره
وقد قيل فى حكم الفرس : ما أضعف طمع صاحب السلطان فى السلامة. وذلك انه ان عف جنى عليه العفاف عداوة الخاصة ، وان بسط يده جنى عليه البسط ألسنة المتنصحين ، فلزمك بذلك أن يكون حذرك اغاب من رجائك ، وخوفك أكثر من أمنك ، ولأن تكدر بهما العيش فهما إلى السلامة أدعى . وقد قال بعض الحكماء : بالصبر على ما تكره تنال ما تحب ؛ وبالصبر على ما تحب تنجو ما تكره .
فاما ما يقابلها من حقوقك على سلطانه فثلاثة . أحدها : معونتك على نظرك ؛ وذلك بأربعة أشياء : تقوية يدك ؛ وتنفيذ أمرك ، واطلاق كفايتك، وان لا يجعل لغيرك عليك أمراً . وقد قال سابور بن ازدشير فى عهده الى ابنه هرمز : ينبغى للوزير أن يكون قوي الأمر ؛ مقبول القول ؛ يمنعه مكانه منك من الضراعة لغيرك ، وتبعثه الثقة بك على بذل النصيحة لك ، ويشجعه ما يعرف من رأيك على مقاومة أعدائك ، وأحذرك أن تنزل بهذه المنزلة من سواه من خدمك . والثانى من حقوقك عليه : أن تثق منه بأربعة أشياء . أن لا يؤاخذك بغير ذنب ؛ ولا يطمع فى مالك من غير خيانة ؛ وأن لا يقدم عليك من دونك ، ولا يمكن منك عدواً . عهد ملك إلى ابنه فقال : انك لن تصل إلى إحكام ما تريده من تدبير ملكك إلا بمعونة وزرائك وأعوانك ؛ فأعنهم على طاعتك بمباشرتك ؛ وعلى معونتك بمساعدتك . والثالث من حقوقك عليه : أن يحفظك فى منزلتك فى أربعة أشياء : أن لا يرتاب بباطنك وظاهرك سليم؛ فيؤاخذك بالظن ويعجز عن دفعه باليقين ، فليس يؤاخذ بضمائر القلوب إلا علام الغيوب . قيل لكسرى بن قباذ : إن قوماً من خواصك قد فسدت سرائرهم . فوقع: أنا أملك الاجساد دون النيات، وأحكم بالعدل لا بالرضى ، وأفحص عن الاعمال لا عن السرائر . والثانى أن لا يستبدل بك ونظرك مستقيم ، فتقل ثقتك ويضعف نشاطك ، ولا تجد من نفسك نهوضا بما كلفك ؛ فان دواعى الطبع أبلغ من مصنوع التكلف ؛ وقد اتخذك لاستقامة وجدها بك ، فاذا أضاع حقك بالاستبدال ظلم نفسه وكان من غيرك على خطر . وقد قال كسرى : الوزارة أبعد الأمور من أن تحتمل غير أهلها ، لأن الوزير من الملك بمنزلة سمعه وبصره ولسانه وقلبه، لأنه مغلق الابواب مستور عن الأبصار . ليحفظه فى أمواله ، ويستر خلله فى أفعاله ، وحقيق بمن كان بهذه المنزلة أن يكون محفوظاً وملحوظا . والثالث أن لا يؤاخذك بدرك ما جره القضاء وساقه القدر؛ فيجعلك غرضاً فى معارضة خالقه ، وهل أنت فيه إلا كمثله فكيف تكون أفعال الله ذنوبا لعباده . وقد قال بعض الحكماء : الأمور تطلب بالعناء وتدرك بالقضاء . ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا أراد الله تعالى انفاذ قضائه وقدره سلب ذوى العقول عقولهم حتى ينفذ فيهم قضاؤه وقدره » . والرابعَ : ان لا يحملك ما ليس فى قدرتك ؛ ولا يكلفك ما ليس فى طاقتك ؛ فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، وما ذلك إلا من دواعى التجنى ومبادى التنكر . قال حكيم الروم : أول ما يبتديء تغير الملوك فى العين ، فاذا ازداد خرج إلى اللسان ، فاذا ازداد خرج إلى اليد . فقد وضح بهذه الجملة مقابلة حقوقك عليه بحقوقه عليك . وقد قال المعتصم : من طلب الحق بما عليه أدركه ، غير أن حقوقك عليه موضوعة على المؤاخذة بأقلها ، لاستطالته عليك بالقدرة وقصورك عنه بالنيابة ؛ فكن على ما اقتضاه مناب الوزارة ، واعطه ما استحقه بساطان الملك ، فينجح سعيك له إكداء سعيه عليك . وقد وصف موبذان موبذ فى كتاب الملوك فقال : هم ، أعينهم المصونة عندهم؛ وآذانهم الواعية ؛ وألسنتهم الشاهدة ، لأنه ليس أحد أسعد من وزراء الملوك إذا سعدت الملوك ، ولا أقرب إلى الهلكة من وزراء الملوك إذا هلكت الملوك، فترفع التهمة عن الوزراء اذا صارت نصائحهم للملوك نصائحهم لأنفسهم ؛ ويعطهم اليقين بهم حين صار اجتهادهم للملوك اجتهادهم لانفسهم ، فلا تتهم روح على جسد ولا يتهم جسد على روح ، لأن زوال إلفهما زوال نعمتهما، والتئام إلفهما صلاح صاحبهما.
وأما حذرك من الزمان : فانه يتقلب بألوانه ، ويخشن بعد ليانه ، فيسلب ما أعطى ، ويفرق ما جمع . وقد روى أبو حازم عن أبى بكر رضى الله تعالى عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال : « انظروا دور من تسكنون ، وأرض من تزرعون ، وفى طرق من تمشون » . وقال بعض الحكماء : الدنيا ان بقيت لك لم تبق لها . وقيل فى منثور الحكم : من عتب على الزمان طالت معتبته ، ومن لم يتعرض للنوائب تعرضت له . وقال بعض البلغاء : ان الدنيا تقبل اقبال الطالب ؛ وتدبر ادبار الهارب ؛ لا تبقى على حالة ولا تخلو من استحالة ؛ تصلح جانبا بافساد جانب ؛ وتسر صاحبا بمساءة صاحب ؛ فالكون فيها خطر ، والثقة بها غرر . وقد قال قيس بن الخطيم :
ومن عادة الايام أن صروفها ٭ إذا سر منها جانب ساء جانب
وحذرك من زمانك يكون من أربعة أوجه :
أحدها : أن لا تثق بمساعدته ، ولا تركن إلى مياسرته ، فتغفل عن الحذر والاستعداد ، فربما انعكس فافترس ، وخافض فاختلس . وقد قيل : للدهر صروف ، لست عنها بمصروف . قال أبو العتاهية :
ان الزمان وان ألان لأهله ٭ لمخاشن فخطوبه المتحركات ٭ كأنهنّ سواكن
والوجه الثانى : أن تنتهز فرصة مكنتك ، بفعل الجميل وغرس الصنائع ، واسداء العوارف . ليكونوا لك ذخراً فى النوائب ، وخلفاً فى العواقب ، ولا يلهيك استكفاؤك عن الاستظهار ، ولا يمنعك استغناؤك عن الاستكثار. فقد قيل : المرء ابن يومه ، فليتنبه من نومه . وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال : « اغتنم خمساً قبل خمس . شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل عدمك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك » . وقال سعيد بن سلم :
إنما الدنيا هباة ٭ وعوار مسترده شدة بعد رخاء ٭ ورخاء بعد شده
والوجه الثالث : أن تكف نفسك عن القبيح؛ وتقبض يدك عن الاساءة ؛ لتكفى رصد الترات ، وغوائل الهفوات ، فتأمن من وجلك؛ وتسلم من زللك . ولا تتطاول بالقدرة ، فتغفل وأنت مطلوب ، وتأمن وأنت مسلوب . روى عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال : « اتبع السيئة الحسنة تمحها » . وقيل فى بعض الصحف الاولى : ويل للأثمة لأن الشقاء لازم لهم إلى يوم وفاتهم ، والأب الأثيم يلعنه بنوه إذا كانوا صالحين ، لأنهم يعيرون به . وقال بعض الحكماء : باعتزالك الشر يعتزلك ، وبالنصفة يكثر الواصلون . وقال مضرس بن ربعى : وهو من الأمثال السائرة :
الخير أبقى وان طال الزمان به ٭ والشر أخبث ما أوعيت من زاد
والوجه الرابع : ان تستعد لآخرتك ، وتستظهر لمعادك ، ولا تغتر بالأمل فيجئك الفوت، ولا تلهك الدنيا فتصدك عن الآخرة ، فقل من لابسها فسلم من تبعاتها لهفوات غرورها، وعواقب شرورها . روى عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال : « ياعجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور ». وقيل فى منشور الحكم : طلاق الدنيا مهر الجنة ، فكفر معاصيها بالتوبة ، واجبر مساويها بالطاعة ، ولا تضيع حظك فيها ، ولا تنس نصيبك منها ، واحسن كما احسن الله اليك . روى عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال : « الناس غاديان ، فغاد نفسه فمعتقها ، وموثق نفسه فموبقها » . روى أبو موسى عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال : « على كل مسلم صدقة . قالوا : فان لم يجد . قال : يعين ذا الحاجة الملهوف . قالوا : فان لم يفعل . قال : يأمر بالمعروف وينه عن المنكر . قالوا : فان لم يفعل . قال . يمسك عن الشر فانها صدقة »
واما الحذر من أهل الزمان : فلأن الأنسان محسود بالنعمة ، مغبوط بالسلامة ، والناس على اربعة اطوار متباينة
احدها : خير عاقل يسالم بخيره ويساعد بعقله ، فالظفر به سعادة والاستعانة به توفيق؛ فاجتهد ان لا يفوتك ـ وإن كان قليل الوجود ـ لتحظى بخيره وتسعد بعقله . وقد روي عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال : « استرشدوا العاقل ترشدوا، ولا تعصوه فتندموا » . وقال بعض الحكماء : من خير الاختيار صحبة الاخيار، ومن شر الاختيار صحبة الاشرار، وقل ان يكون العاقل الخير إلا متحليا بالعلم متزينا بالأدب . وقد قال بعض الحكماء : لا أدب الا بعقل ، ولا عقل إلا بأدب ، ومثلهما كمثل الروح والجسد فالجسد بغير روح صورة ، والروح بغير جسد ريح ، فاذا اجتمعا قويا فنهضا وانهضا ، فاذا أظفرك الزمان بمن تكاملت فضائله ، وتهذبت خصائله ، فاتخذه ذخيرة نوائبك ، وعدة شدائدك ، تجده كفيل صلاحها وزعيم نجاحها . قال الحواريون لعيسى بن مريم عليه السلام : من نجالس ؟ قال: من يزيد فى علمكم منطقه ، ويذكركم الله رؤيته ، ويرغبكم فى الآخرة عمله.
والطور الثانى . شرير جاهل يضر بشره ويضل بجهله ، فاحذر مخالطته فهى اعم من السم، وانفذ من السهم . فشره بجهله منتشر يضعف ان توركُ ، ويقوى ان شوركُ ؛ فاكفف شره بالابعاد ، ولا تقره بالتقريب ، فيلحقك بضرري شره وجهله . وقد قيل فى منثور الحكم : من الجهل صحبة ذوى الجهل . وقيل فى بعض اسفار بنى اسرائيل : ابعد عن الجاهل لتجد الراحة ، فان حمل الرمل والملح والحديد اسهل من المثوى مع الرجل الجاهل ؛ وضرر الجهل اعم من ضرر الشر ؛ لأن قانون الشر معلوم ؛ وقانون الجهل غير معلوم . وقد قيل : الجاهل مفرط أو مفرط
والطور الثالث : خير جاهل يسالم بخيره ويضل بجهله ، فقاربه ان شئت لخيره ولا تستعمله لجهله . لتكون بخيره موسوما ، ومن جهله سليما . فقد قال عبد الحميد : لكل شىء لباب ولباب النفوس الألباب
والطور الرابع . شرير عاقل وهو الداهية المكر ، يستعمل فى الخطوب اذا حزبت على حذر من مكره ، ويتارك فى الدعة على استدفاع شره . وقد