Comma for either/or — dharma, courage. Spelling forgiving — corage finds courage.

    al-Saʻādah fī falsafat al-akhlāq

    The Book of Happiness

    Miskawayh

    citations · figures & ideas

    بسم الله الرحمن الرحيم

    كتاب السعادة

    الحمد لله الذي عم الخلق بنعمه وخص أولياءه بخصائص قسمه أحمده على ما أفاض من حكمته وأسأله انزاع الشكر على مننه والصلاة على نبيه وعترته. وبعد تحقيق على من خصه الله بالهمة العالية ووفر حظه من صحة الروية وجعل لنفسه فى كل فضيلة قدم صدق وضرب لرأيه سهما فى كل حق أن يسمو الى ماسما اليه الاستاذ أعانه الله على درك الحق وسهل اليه سبيل المطالب حتى نرتقى من درج الحكمة الى أعلاها ذروة ونظفر بأحلاها ثمرة ولم أزل منذ رأيت تشوفه الى العلوم الحقيقية وانطباعه بطابع الحكمة أجاريه الشىء بعد الشىء مما يستدعيه منها على قدر الوقت وبحسب الحال الى أن جاراني غرض الحكيم الذي يعضده بسعيه وغاية الفيلسوف التى يلتمسها باجتهاده وسألنى عن أصناف سعادات الناس على مراتبهم وما هي وما قدر تفاوتها ليصير عزمه مسدداً الى أعلاها وسعيه مقصوراً على أقصاها فوعدته اثبات ذلك في تذكرة تكون نصب عينيه ومتناول يده ليلحظ منها عظيم ماراموه بهممهم وعلى ماسموا اليه بنفوسهم وأنا مبتدىء ذلك بعون الله فأذكر السعادة الموضوعة للانسان ماهى وكيف هى وما السعادة التى يشترك فيها الناس من جنسهم ناس وما الذي يصل اليه منها المجتهدون منهم بضروب الاجتهادات وهل هى مختلفة أو متفقة وهل بعضها تحت بعض حتى ترتقى الى واحد هو أسناها مرتبة وان كانت مرتقية الى واحد فما هو وهل وراءها سعادة أخرى غير منتظرة للانسان ولا مطموع له فيها أم تتناهى السعادات كلها اليه حتى تقف عنده وقوف المتناهى الذي لاغاية بعده وهل هذا العظيم الذي رشح له الانسان مع شرفه وعلو قدره موجود بغير سعى واجتهاد أو بغير صناعة واعتياد ومن غير الطريق الذي نهجه الحكماء وطرقوا اليه وحرضوا أبناء الحكمة عليه وهل يمكن اختصار ماأطالوه وأكثروا عدد الكتب فيه وان لم يمكن ذلك فهل مدة العمر للانسان كافية في تحصيله بالصناعة وهل تتفاوت الناس في تحصيل مايحصلونه منه وهل يقرب على بعضهم ويبعد على بعض وان كانوا متفاوتين فيه فما مقدار الزمان الذي يفرض لاذكاهم نفسا اذا بعض شغله غلبه وصرف همه اليه وما صفة هذا الرجل الذكى فى المدة المفروضة وما عدد الكتب التى لا بد منها والصناعة التى لاغنى به عنها وما أقصد الطرق الى غايته التى يبلغ باقصى نظره فيها وقبل ان نشرع في الكلام على هذه السعادة العظيمة نوطىء لها كلاما كالمقدمة وهذان متشبهة بالطبيعة وهذا رأى صحيح بالقياس ويسلم من التصفح وهو بين بتأمل الآلات الصناعية كلها فان كل واحدة منها مأخوذة من نظيرة لها طبيعية وليس يجوز ان توجد آلة صناعية لاغرض ولا ثمرة لها ومع ذلك فليس يجوز أن تقوم آلة مقام آلة حتى تؤدي غرضها وكمالها على التمام وبالحقيقة وذلك أن المنشار وان استعين به في بعض مايعمل بالقدوم فليس يجوز أن يؤدي جميع أفعال القدوم على التمام وعلى هذا جميع الآلات لكل واحدة منها كمالا يخصها وغرضاً يتم بها وانما توصف بالجودة وتمدح على الحقيقة اذا وجدت على كمالها واذا صدر عنها ذلك الغرض الذي هى موجودة له ومعمولة من أجله واذا كانت الصناعة التى هى متقدمة بالطبيعة على هذه الصفة فبالحرى أن تكون الطبيعة التى هى الرئيسة والقدرة أيضا على هذه الصفة وواجب الا نعمل شيئا باطلا والا نكون لها آلة لاغرض لها ولا كمالا يخصها أو يقوم شىء منها مقام آخر ويؤدي فعله على التمام فان الاول حينئذ يصير لغواً وعبثاً وهذه الحكمة من الطبيعة تعتبر بعضها بياناً جلياً لمن تأمل أعضاء البدن وذلك ان جميع أجزاء البدن آلاته الطبيعية يفعل بكل واحد منها فعلا خاصا لايتم بغيره ولا يكل بسواه كالقلب الذي هو مبدأ الحركة يفعل به الحرارة التى هى سبب الحياة ثم ينشأ منها عروقا نابضة يجرى فيها قوة القلب الى سائر الاعضاء فتتم بها حياة جميع البدن وكذلك الدماغ فان الاعصاب الناشئة منه تجرى مجرى الشرايين من القلب فى أنها تثبت في الدماغ الى آخر البدن فيتم بها الحس والحركة الارادية وعلى هذا جميع أجزاء البدن وباقى الاعضاء كالمعدة والطحال والمرارة والامعاء وكذلك سائر الآلات الظاهرة على كثرتها فليس فيها شىء يظن أنه مستغنى عنه أو وجوده لغير تمام يخصه ومن نظر في كتاب منافع الاعضاء اطلع على حكمة عظيمة وتبين شيئا كثيراً مما أومأت اليه في هذا الموضع واذا كانت الطبيعة في هذه الحالة وهى متقدمة فالنفس متشبهة بها فحكم بالحرى أن تكون النفس أولى بهذه المنزلة وأحق بهذه الحكمة وذلك ان الحيوانات المختلفة الانواع تستعملها النفس بمنزلة الآلات وتعد كل واحد منها بشىء خاص به يصدر عنه فعل لايصدر عنه فعل لا يصدر عن غيره فكما لايصدر عن القدوم فعل المنشار على ماضربنا به المثل فيما تقدم واذا قدمنا ما أردنا تقديمه في التوطئة فانا نعود فنقول :

    اذا تبين أن لكل موجود كمالا يخصه وغاية وجد لها ومن أجلها فواجب في الانسان الذي هو أشرف الموجودات في هذا العالم الكونى أن يكون أولى بهذه الصنعة وأن يكون له كمال وتمام وغرض وجد له ومن أجله ولما نظر الحكماء في غاية الانسان وكماله الذي وجد من أجله وجدوا له كمالين أحدهما قريب والآخر بعيد ومثاله في الآلات الصناعية المطرقة فان كمالها القريب أن تبسط الاجسام الصلبة وكمالها البعيد أن يتم بها الخاتم فأيضا فان مثاله في الآلات الطبيعية المعدة فان كمالها القريب أن تحوى الطعام وتطبخه وتعده للاغتذاء وكمالها البعيد أن ترد على البدن العوض مما تحلل منه ليتم له البقاء، فكذلك الانسان أما كماله القريب فصدور الافعال عنه عن روية وتمييز وأن يرتبها بحسب مايوجبه العقل وأما كماله البعيد فستظهر فيه مما نستأنف شرحه الا أن الحكماء لما نظروا في الروية والتمييز وجدوهما يصدران عى قوة أعلى منهما ولم يزالوا يتتبعون شيئاً بعد شىء الى أن انتهوا الى غاية ليس بعدها غاية ومعلوم أنه لوكان لكل غاية غاية لذلك الى غير نهاية وما لانهاية له محال وجوده فلما انتهوا الى غاية الغايات وتيقنوا ألا مذهب وراءه وقفوا هناك وأمسكوا عن البحث وعلموا أن الغايات التى دونها انما هى مرتبة دونها كالدرج والمراقى ولما نظروا فى غاية الانسان وكماله الاقرب وجدوا الناس مختلفين ورأوهم مع اختلافهم لايشكون في أن لهم غاية وانما اختلافهم في أي الغايات هى وكل واحد منهم قد نصب غاية لنفسة يقصدها بسعيه ويسميها سعادة له لكن يسعى للذة أو للثروة أو للصحة أو للغلبة أو للعلم وانما أتوا في هذا الاختلاف من قبل أنهم لم يلحظوا الكمال البعيد أعنى السعادة القصوى ولو عرفوها ونصبوها غرضا لسعوا بالباقيات نحوها كما يفعل الصانع فانه اذا عرف كمال المطرقة الاقصى أعنى صناعة التاج أو الخاتم أو السوار قصد بالطريق وبسط الجسم الصلب نحو ذلك ومن هذه الاشياء التى عددناها مايجوز أن يسمى سعادة على المجاز ومثلها ماهو سعادة على الحقيقة ومنها ماهو مظنون سعادة وليس بسعادة البتة وذلك أن ما كان منها عاما للانسان والبهائم فليست سعادة لنا لأنها ليست غايتنا وكمالنا من حيث نحن ناس فأما ما كان منها خاصاً بالانسان من حيث هو انسان فيجوز ان يسمى سعادة الا أن هذا المعنى هو عام لجميع الناس وفي هذه السعادات الخاصة بالانسان ماهو عام للناس كما قلنا فهم مشتركون فيه ومنها ماهو خاص بانسان انسان ومنها ماهو خاص الخاص وهو الذي اليه ترتقى السعادات وعنده تقف جميعها فانها وجدت السعادات كلها من أجلها وبسببها وهى الغرض الاخير والكمال الاقصى وأنا أبين هذه الاقسام بمشيئة الله وعونه. اما الامر العام لجميع الناس ولجميع الحيوان فهو المأكل والمشرب وضروب الراحات أعنى نقص البدن من الفضول وما أشبهها وهذا هو الذي تسميه الناس باللذيذ وأكثرهم يسمى نحو ذلك غايته والى أن نبين بياناً تاماً ان هذا ليس سعادة ولا هو كمال الانسان وغايته الذي خلق له ولاجله ومن أجله فأقول فيه كلاماً مقنعاً ظاهراً وهوان البهائم تنال من هذه الاشياء مثل ماينال الانسان بل شهواتها في المطاعم والمشارب والازدواج أكثر وأدوم من شهوات الانسان فيها وهى أقوى عليها ثم جهال الناس الذين هم أكثر بهيمية أقوى في هذه الاسباب من فضلائهم فظاهر ان هذه ليست غاية الانسان الاقصى ولا كماله من حيث هو انسان . وأما السعادة العامة للانسان من حيث هم ناس فهى ماذكرناه قبل من صدور الافعال بحسب الروية والتمييز وعلى مايقسطه العقل وهذا المعنى سعادة موجودة لكل انسان ويمكن كل أحد أن ينال منها ويحظى بها بقدر رتبته من الانسانية ومقدار شعوره بالحسن والقبيح وتحصيله لمنازل الفضائل والرزائل ومراتب الحمد والذم وهو الذي يقال فيه فلان « أكثر انسانية من فلان » ولكل أمة وجيل قسط منه يشتركون فيه فان تفاضلوا فيما يستعملون منه ومن سقط عن هذه الرتبة دفعة فلم يكن له حظ منها فليس ينبغي ان يسمى انساناً الا كما يسمى المصور انساناً على طريق التشبيه لاجل التخاطيط حسب وهذا المعنى موهوب للناس عامة بالفطرة والجبلة الاولى ويتفاضلون بحسب استعمالهم اياه . وأما السعادة الخاصة بحسب انسان انسان فهي التى يختص بها صاحب علم أو صناعة فاضلة ويتفاوتون فيها على قدر مراتبهم فى العلوم والصناعات وبحسب الاحوال التى يصدرون فيها أفعالهم على ما يوجبه الرأي والتمييز فان سعادة الموسر وسعادة الفقير وان اختلفا بحسب الاحوال فهما متفقان في ترتيب الافعال وذلك أن سعادة الموسر تظهر فى النفقة وتفريق المال في وجهه أعنى أن يستعمل ذلك حيث يجب وكما يجب وعند من يجب وسعادة الفقير تظهر فى الصبر والتحمل على ما ينبغي وعلى الحال التى ينبغي وعند من ينبغى وكذلك سعادات أصحاب العلوم والصناعات فأن سعادة الطبيب الماهر ليست كسعادة الكاتب الحاذق وسعادة العالم بفنون كثيرة ليست كسعادة العالم بفن واحد أعنى انهم وان رتبوا أفعالهم فأنها مختلفة بحسب موضوعاتهم التى ينظرون فيها . ثم ان لكل واحد من هؤلاء أفعالا تخصه من حيث هو صاحب علم ما أو صناعة ما وأفعالا تخصه من حيث هو انسان وليس يحصل له السعادة الخاصة به الا بعد أن تحصل له السعادة العامة له ولغيره ومثال ذلك أن الطبيب ان فعل فعلا جميلا بما هو طبيب واتى غير ذلك بما هو انسان فان ذلك الجزاء الذي حصله بصناعته تبطل لما أتاه من جهة انسانيته وان لم تبطل بالكلية فليس يبقى منها الا جزء يسير بحسب المقايسة وذلك أن تقاس انسانيته الى طبه فيكون سعادته حسب ما تبغيه له هذه التسمية وعلى هذا قياس سائر السعادات بحسب علم علم وصناعة صناعة

    وأما أصناف الشقاء المقابلة لهذه السعادات فقد تركنا ذكرها لأنها تعرف من مقابلاتها كما تبين في المنطق ان المتقابلات علمها معاً في حال واحدة فينبغي أن يساق كل انسان بحسب طبقته ومرتبته الى سعادته التى تخصه على اسمى ما يكون وأفضل مايمكن ويبلغه الوسع وهذا موضع خاص بأصحاب السياسات الالهية والنائبين عنهم وهو موجود في الشرائع وقد أكثر الحكماء فيه الكتب أيضاً فلتؤخذ من هناك لأن فيما أومأنا اليه في هذا المكان كفاية . ولو لا أن السعادات كثيرة وعلى ضروب لكان السعيد في الحقيقة واحداً من الناس وهو من حصل جميع أجزاء الفلسفة وفهم بجميع الصنائع وتوفر حظه من الحكمة كلها ولوكان ذلك كذلك لكان وجود سائر الناس عبثاً لا غاية لهم ولا كمال ولحصلوا أشقياء ولكان حينئذ يزول الحمد والذم ويبطل الدعاء والزجر ويقبح التأديب والسياسة وهذا خلاف ما ذكرته العلماء وقررته وشهدت به العقول وأحكمته فقد تبين أن سعادات الناس كثيرة مختلفة الوجود بالموضوعات الكثيرة لهم فاما السعادة القصوى فسنذكرها بعد أن نبين أن هذه السعادات ليس شىء منها هو الكمال ولا الغاية وذلك أنها نوعان فنوع منها موضوع عرضاً ونوع منها موضوع عمقاً ونضرب لذلك مثالا في الصناعات فانها أظهر وأحلى . أما الموضوع عرضاً فهي التى يظن أنها ليست مرتبة بعضها تحت بعض كالتجارة والنجارة والصباغة والحياكة واشباهها فان هذه كأنها موضوعة فى بسيط والأخذ اليها من مباد مختلفة وتنتهي فيها الى غايات متباينة وأما الموضوعة عمقاً فهي المرتبة بعضها تحت بعض مثل صناعة السروج فانها مرتبة تحت صناعة الفروسة وصناعة الفروسة مرتبة تحت صناعة الحرب وصناعة الحرب مرتبة تحت صناعة الملك وصناعة الملك مرتبة تحت صناعة الشرع أعنى أنه يحفظ على الناس السنن التى ينتعم أمرهم ويسوقهم نحو سعادتهم كما قلناه فيما تقدم فبعض هذه رئيسة وبعضها مرءوسة من بعض. ونعود الى الموضع الذى فارقناه فنقول: ان الحكماء لما رأوا اختلاف الناس في غاياتهم فبعضهم يرى أن غايته اللذة فيسعى نحوها بجميع أفعاله وبعضهم يرى أن غايته اليسار والثروة وآخرون يرونها الصحة والسلامة وآخرون يرونها أشياء أخر شبيهة بهذه نظروا فيها فاذن الموضوع منها عرضاً يختلف أصحابها فيها وذلك ان من قال منهم باللذة او الثروة او الكرامة اذا اكتفى وانتهى من غايته تلك انتقل عن رأيه فانه اذا شبع صاحب اللذة من لذته ثم كلف بعد ذلك الازدياد مما زعمه سعادة صار ذلك شقاء عظيما ووبالا كثيراً عليه وسمى السعادة شقاء ايضاً فان صاحب الترفه اذا مرض رأى أن السعادة هي الصحة وصاحب الصحة اذا اصابه ذل رأى ان السعادة هي الكرامة ومعلوم ان الكرامة هي شىء ثابت لايصير ولاينتقل صاحبها فيكون شقياً الذي به صار سعيداً وهذه الامور أيضاً ربما صارت سبب هلاك أصحابها عاجلا وآجلا كمن يهلك لكثرة ماله وفي طلب الكرامة والسلطان والاستهتار باللذة واما الموضوعة عمقاً فمعلوم أن الاعلى منها افضل من الاسفل خادم لما هو اعلى لانه انما اريد له وسببه كالمال الذي هو آلة لنيل الحاجات انما يراد لصحة البدن وصحة البدن انما تراد لتبلغ بها السعادة الاخيرة أو السعادات التى دونها وقد بطلت الصحة لذاتها فأرسط رتب اجناس السعادات فسعادة في النفس وسعادة في البدن وسعادة في خارج البدن وفيما يطيف بالبدن اما التى في النفس فهي العلوم والمعارف والحكمة وهي افضلها لانها تراد لذاتها لا لشىء آخر وأما التى في البدن فمثل الجمال واعتدال الصحة وصحة المزاج وهذه تراد لنفسها وقد تراد لغيرها أعنى لان تتم بها أفعال النفوس وفضائلها وأما التى من خارج البدن فمثل الاولاد النجباء والاصدقاء واليسار وشرف النفس والكرامات وقد بين فى كتاب الاخلاق والتى في خارج البدن ناقصة وأما التى في النفس فهي كاملة تامة

    وقد يجوز أن يتفق للانسان السعادات اللاتي من خارج البدن وفي البدن بالبحث وليس يجوز أن يتفق له السعادة الاخرى التامة الا بالسعي والاجتهاد وذلك أن ترتب هذه السعادات وتفصيلها على ما ينبغي وتحصيلها بعد ذلك ليس يمكن الا بعد نظر طويل وتمييز كثير واعتياد دائم فأما السعادة القصوى فليس ينالها كل واحد ولا يظفر بها كل من طلبها وذلك أن استعمال هذه السعادات والنظر فيما كان منها خادماً ليتوصل بها الى ما هو رئيس عليها والترقي فيها درجة درجة الى أن يبلغ أعلاها ليس يحصل الا للافراد من الناس الاقلين عدداً واذا اتفق للواحد بعد الواحد مع حرصه واجتهاده وصحة تمييزه وذكائه أن يكون في كفاية من معيشته وأن يكون له فراغ وأسباب كثيرة لا تكاد تجتمع الا في النادر ومن وصل الى هذه المنزلة ممن تقدم فقد دل عليها وأرشد أبناء الحكمة وطلابها اليها ولم يزل من ظفر منها زيادة على ما ذكره من تقدمه دل أيضاً على مقدار ما وجده من الزيادة الى أن اجتمع منه شىء عظيم لخطر كبير وأرسط هو أول من نصب الغاية الاخيرة كالغرض الاقصى ونهج اليها نهجا واضحاً وجعل الوصول اليها صناعة تتعلم وتستفاد أولا أولا

    وسنذكر هذه الصناعة وكيف يربيها وأنه لاسبيل إلى تحصيل السعادة القصوى من وجه أخصر اذا تممنا هذا الفصل ان شاء الله . ولما كانت السعادات الانسانية انما تكمل بحسب التمييز وكانت الاشياء التى تميز بالذهن مختلفة كما بينا فيما سلف وجب أن يكون أسعد الناس من وصل الى أعلاها أو لحظ غايتها التى لاغاية وراءها يقصدها بكل جهة وليس يمكن الوصول الى غاية الغايات قبل المرور بالمراتب التى دونها كما ضربنا المثل فيما تقدم ولذلك ان أفضل الروية ما أدى الى أفضل مروى فيه وأفضل مروى فيه مالايحتاج بعد الى روية أخرى في مروى آخر ولايجعل فى وقت من الاوقات طريقاً الى غيره بل يراد لذاته لا لغيره أبداً وبانتهاء الروية ووقوفها التمييز يحصل السعادة القصوى ومن علامة من وصل الى هذه المنزلة أن يوجد أبداً نشيطاً فسيحا الأمل قوي الرجاء ثابت الجأش غير مضطرب ولا مكترث بأمور الدنيا ألا بمقدار يسير جداً اذا اضفته الى أحوال سائر الناس وهو يناسبهم ويعاديهم فى الظاهر فأما باطنه فباين لهم ثم هو جذل مسرور بنفسه لا بغيرها وهذه الحال لازمة له لاتتغير لأن سرور الناس يوجد لهم على الاكثر انما هو بالعرض ومن خارج ومتى زال المسرور به أو تغير صار ذلك كآبة وحزناً كمن سر بالمال أو بالمعشوق أو الوصول الى اللذة من لذات العيش أو المغتبط بالولد أو السلطان وما أشبه ذلك وان هذه كلها من خارج البدن معرضة للآفات منتقلة بانتقال الاحوال التى هي لامحالة متغيرة اذ هي من عالم الكون والفساد جارية عليها أحكامه من الاستحالة، والسعيد الذي وصفناه وذكرنا حاله مغتبط بذاته لانه يشاهد أموراً لاتتغير ولاتستحيل أبداً ولا يجوز عليها أيضاً ذلك ويرى جميع مايراه بعين لايغلط ولايخطىء ولايقبل الفساد وتيقن انه صائر من واحد وجوده الى الدخول الآخر الاكمل فهو كمن سلك طريقاً الى وطن يعرفه ويألفه بروحه وكلما قطع اليه منزلا أو دخل فى درجة تقرب منه ازداد نشاطاً وطمأنينة وجذلا وهذه الحال من الثقة واليقين لاتحصل بالخبر دون المعاينة ولاتتم بالحكاية دون المشاهدة ولاتسكن النفس اليها الا بعد النظر على الحقيقة والواصلون اليها على طبقات وأمثال ذلك الناظر بعين الرأس فان هذه العين يتفاوت الناس في النظر بها فمنهم من يرى الاشياء البعيدة رؤية بينة ومنهم من لايراها من القرب أيضاً الا كما يرى الشىء من وراء ستر الا ان الفرق بين تلك الحال وهذه الحال ان العين الحسية كلما أمعنت في النظر وأدامت التحديق الى محسوساتها كلت وضعفت وتلك العين الاخرى هي بالضد لانها تقوى بالامعان في النظر وتزداد بالادمان جلاء وسرعة ادراك ولاتزال تزداد بصيرة ونفاذاً حتى يدرك ما كانت تظنه غير مدرك ولامعقول . ونعود الى سنن الكلام الاول فنقول ان السعادات الانسانية العامة التى ذكرناها فيما تقدم هي موهوبة لنا ونحن مفطورون عليها وهي القوة التى بها نميز الافعال الجميلة من القبيحة وبها يتمكن كل واحد من تحصيل خلق لنفسه جميل اذا لم يكن موجوداً له فاذا كانت على خلق قبيح أمكنه بها أن ينتقل عنه بارادته الى ضده ثم يلزمه الاعتياد وتكرير الافعال الملائمة له حتى يصير ذلك سجية وهذه أول درجة ينبغي أن تلحظ ويسعى لها ويجتهد في تحصيلها كما بيناه فيما تقدم من ان الانسان يصير بهذه أكثر انسانية واذا تصفحنا أكثر الناس وجدناها على ضربين فضرب لايلحقهم عليها حمد ولاذم وضرب يلحقهم عليها ذم وحمد ونحن لانسعى فيما لايلحق عليه حمد ولاذم ولا نسميه سعادة فلنضرب عن هذا الضرب فأما مايلحق عليه حمد وذم فنحن نجتهد فى تحصيل المحمود ونسميه سعادة . وهذه الاحوال تنقسم الى ثلاثة أقسام وهي الافعال والعوارض والتمييز بالذهن أعنى بالعوارض عوارض النفس كالشهوة والغضب واللذة والفرح والرحمة وأشباه هذه فأما الافعال فانما يحمد الانسان بها اذا كانت جميلة ويذم عليها اذا كانت قبيحة واما العوارض فانها تحمد اذا عرضت على ماينبغي وتذم اذا عرضت على مالاينبغي وأما التمييز بالذهن فانه يحمد متى كان جيداً ويذم متى كان رديا ورداءة التمييز تكون بأحد شيئين اما أن يضعف عن تمييز مايرد عليه واما أن يعتقد في الاشياء اعتقاداً باطلا . وجودة التمييز أيضاً تكون باحد شيئين اما أن يقوى على تمييز مايرد عليها ويحصل حقائق الامور ويعتقد فيها اعتقاداً صحيحاً فيجب على حسب هذه القبيحة اذا حرصنا على السعادة والترقي فيها الى غايتها أن نتدبر في هذه الدرجة الاولى وأن تكون أفعالنا جميلة وعوارضنا على ماينبغي وتمييزنا جيداً صحيحاً

    وقد علمنا أن هذه الاحوال الثلاث قد تتفق للانسان بالبحث من غير سعى واجتهاد وقد يحصل عليها بغير اختيار منه ولكنها لانسميها سعادة تامة ولا تحصل السعادة الا بان يختارها الانسان ويحصلها بسعيه وأيضاً قد يختارها لكن في بعض الاشياء وفي بعض الزمان ولا تسمى أيضاً هذه سعادة ولا تحصل السعادة الا بأن يختارها لذاتها لا لشىء آخر واعنى بذلك أن يؤثر الافعال الجميلة لأنها جميلة لا أن يذكر بها وان ينتفع ولا لغير ذلك وكذلك يؤثر في العوارض أن يعرض له كما ينبغي وفي التمييز أن يكون جيداً في طول عمره وانما يمكن الانسان بهذه الاحوال بهذه الشرائط اذا كان بحال ثابتة إما لايمكن زوالها أو يعسر جداً . وهذه الحال أما في التمييز فيسمى قوة الذهن واما في العوارض فيسمى خلقا وأما الافعال فصدورها عن هاتين وقد بين ذلك وطرق اليه ارسط . اما جودة الذهن وقوة التمييز فيكسبه في المنطق التى هى صناعة اذا قدرت بها الانسان عرف مراتب الاقناعات وتصحيح الآراء في كل موجود على ماينبغي ولا يمكن غيره وسنصفها من بعد . واما عوارض النفس فيكسبه في الاخلاق التى نبين فيها كيف يكسب الانسان الخلاق الجميل في كل مايعرض له حتى لايعرض الا الحسن الجميل المحمود ويصير ذلك هيئه وسجية في جميع الامور وتبين هناك ان هذا أمر ممكن وليس هو ممتنعاً كما ظن قوم ولولا امكانه لما أدبنا الصبيان والاحداث وتحصيل هذين أعنى قوة الذهن ليصحح بها التمييز والهيئة الفاضلة أعنى السجية التى تصدر عنها الافعال كما ينبغي هما جزآ الحكمة ولذلك قسم الحكيم الفلسفة الى قسمين نظرى وعملى وليس يغنى أحدهما عن الآخر في تحصيل السعاءة فمن قوي فيهما جميعاً فهذا السعيد الكامل والحكيم الفاضل ومن قوى في أحدهما وضعف عن الآخر فيكون ذلك اما بأن يقوى جزء نظره ويضعف عمله وأما بان يقوى جزء عمله ويضعف جزء نظره وسبب ضعف عمله بعد قوة نظره ضعف العزيمة أعنى انه اذا كان له بالفطرة والتمييز بالذهن في اثبات لذة ما أنه يتبعه أذى من مرض أو مذمة من الناس أو عاقبة سيئة لم يرتدع عنها وسبب ضعف العزيمة قلة التدرب بالاخلاق التى ذكرنا ان الكتب المصنفة فيها تفيد الانسان ملكة وهيئة فاضلة بتكرير الافعال المحمودة واعتيادها حتى تصير سجية فاما الوجه الآخر الذي يقوى فيه جزء العمل ويضعف فيه جزء النظر وأنه ليس يعرض الا الى من يصغى الى الحكماء ويصدق أقوالهم ويقتدى بأفعالهم الجميلة تحسين الظن وان لم يتيسر له صحة ذلك بالنظر وحينئذ يسعى وله مرتبة الصديق المؤمن ومثل هذا الانسان يسعد أكثر مما يسعد الاول ومثله مثل من يقبل من الطبيب مايأمره به وينهاه عنه فانه يبرأ من المرض ويصح جسمه ومثل الاول مثل الطبيب العالم الذي لا يستعمل ماعلمه فيحصل له المرض ولا ينفعه العلم ومن كان بهذه المنزلة سمى عبداً بالطبع لان من لم يقدر على قمع شهواته مما يوجبه التمييز فهو عبد بالطبع وان كان حراً بالشرع ومن كان قوياً على قمعها فهو حر بالطبع وان كان عبداً بالشرع فاما من كان تابعاً للذته غيرعارف بمايتبعها من الاذى فانه لاينتظر منه فعل جميل ولا يهون عليه ترك قبيح وينبغي ان يوضع له عقوبات البتة كما هو موجود في الشرائع ومن ضعف في هذين الوجهين جميعاً فهو الانسان البهيمى الذي حظه من الانسانية بحسب مرتبته في الضعف فيهما فقد تبين أن الحكيم السعيد الكامل السعادة فهو من قوى ذهنه وصح تمييزه فحصلت له حقائق الامور في الموجودات كلها وقويت عزيمته في انفاذ ماعلمه عملا ثم دامت طريقته في هذين اعنى العلم والعمل وتبين أيضا مما تقدم أن جزء النظر مقدم على جزء العمل اذ كان بجودة التمييز وقوة التمييز يدرك الصواب في كل مايقصد معرفته ولما كانت المعارف صنفين احدهما يعلم ولايعمل والاخر يعلم ثم يعمل صارت الصنائع أيضا صنفين بحسبهما وأعنى بما يعلم ولايعمل مثل العلم بان الله عزوجل واحد وانه ازلى مبدع للعالم واما مايعلم ولا يعمل فمثل السيرة الجميلة في المعاملات والبراعة في الصناعات وبالجملة الافعال التى تكون عن روية واعتياد وقد صنف لكل واحده من الصناعتين كتباً تقيدها وتسهل اكتسابها ولما كان من هذين الجزئين ماهو مقصود لذاته ومطلوب لنفسه ومنه ماهو نافع فيما يطلب لذاته انقسمت الصناعة أيضا قسمين آخرين والصناعة التى غايتها العلم فقط فقصدها ادراك الحق والاعتقاد الصادق واليقين لامحالة فهذا مؤثر لذاته لالغيره وكذلك الصناعة التى غايتها العمل الجميل والخلق الفاضل وهما جميعاً كما قلنا جزء الحكمة وسمى كل واحد منها حكمة بالصحة وعلى الحقيقة فأما الصناعات الاخر النافعة في هذين فقد يسمى حكمة وذلك على المجاز لا على الحقيقة وهى مايحتاج فيه الى روية واعتياد لتظهر فيها البراعة والحكماء يسمون هذا كيساً ولايطلقون عليها اسم الحكمة وذلك كالصناعات التى تؤدي الى يسار ولذة أو رياسة فمن أراد أن تكمل انسانيته ويبلغ الى الامر الذى اياه قصد بخلق الانسان ليتم ذاته ويشارك الحكماء فيما آثروه وقصدوه فليحصل هاتين الصناعتين أعنى جزئي الحكمة النظري والعملى ليحصل له حقائق الامور بالجزء النظري ومحاسن الافعال بالجزء العملي فأما ترتيب هاتين الصناعتين وكيف السلوك بها الى الغايتين المذكورتين فعلى ما عمله الحكيم ارسط فأنه هو الذي رتب الحكمة وصنفها وجعل لها نهجا يسلك من مبدأ والى نهاية كما ذكره بولس فيما كتبه الى انوشروان فانه قال:

    كانت الحكمة قبل هذا الحكيم متفرقة كتفرق سائر المنافع التى أبدعها الله تعالى وجعل الانتفاع بها موكولا الى جبلة الناس وما أعطاهم من القوة على ذلك مثل الادوية التى توجد متفرقة فى البلاد والجبال فاذا جمعت والفت حصل منها دواء نافع وكذلك جمع أرسط ما تفرق من الحكمة والف كل شىء الى شكله ووضعه موضعه حتى استخرج منه شفاء تاما تداوي النفوس من أسقام الجهالة وكان من ترتيبه ذلك أن نظر في جزءى الحكمة أعنى النظري والعملي فوجد النظرى فيها اما أن يكون فى الاشياء التى في مواد واما فى الاشياء التى ليست في مواد وكل واحد من هذين القسمين ينقسم أيضا قسمين لان الاشياء التى في مواد منها ماهو تحت الكون والفساد ومنها ماليس تحت الكون والفساد والاشياء التى ليست في مواد منها ماهو منتزع فى المواد ووجوده في الوهم ولا وجود له من خارج ومنها ماليس بمنتزع من المواد بل له وجود في ذاته خارجا عن الوهم فهذه الاربعة هي الاقسام الاول التى ينقسم اليها الجزء النظرى ثم ان الامور التى في المواد منها ما هو مشترك لها كلها ومنها ما هو خاص ببعضها منها ما يخص الاشياء السرمدية ومنها ما يخص الاشياء الكونية، وما يخص الكونية منها ما هو مشترك لها كلها ومنها مايخص بعضها، وما يخص بعضها منها ما يخص الاشياء التى فوق الارض ومنها ما يخص الاشياء التى فى الارض، وما يخص التى فى الارض منها ما يخص الاشياء التى لا نفوس بها ومنها ما يخص الاشياء التى لها نفوس، ومايخص الاشياء التى لها نفوس منها مايخص ذوات الحس ومنها لاحس له فصنف ارسط في كل قسم من هذه الاقسام هذه الاشياء كتابا فاشتملت كتبه على جميع ما سطر فيه حساً وعقلا ولم يفته شىء ولما كانت عنايته مصروفة الى تصحيح الارادة في هذه الامور كلها واعطاء اليقين والاقناعات الكافية فيها وان يسلم من الخطأ والغلط في المعقولات اضطر الى ان يبحث عن مراتب الاقناعات وينظر في الاشياء التى لايمكن ان يغلط فيها ولا يأمن ان يقع في باطل فيظنه حقاً ويعتقد في حق أنه باطل ماهي مراتب هذه أيضا وجعل لها صناعة وقوانين يوقف بها على مراتب هذه الامور ومنازلها من اليقين وغيره ليسدد الانسان طريق الصواب في كل مطلوب لئلا يجرى في الحكمة جرى أصحاب المذاهب في التخيل والاهواء فان هؤلاء غلطوا وهم لا يشعرون وربما شعروا وانتقلوا عن رأي الى رأي ولا يأمنون ان يسنح لهم في الرأي الثاني ما كان سنح في الاول فهم أبداً اما على غلط واما في شك وحيرة فاذا عرف الانسان الاشياء التى من شأنها ان يغلط فيها تحرز منها وتيقن فيما أنه قد صادف فيه الحق ولم يغلط فان تخيل له في شيء انه يسهو فيه رجع الى قوانين الصناعة فعلم للوقت بموضع غلط ان كان فتلافاه بسهولة

    ويمكنه مع ذلك ان يصحح ذلك الرأى لنفسه ولغيره فان بدله وتبينه له وهذه صناعة المنطق وأقرب مثال أجده لها في الصناعات العروض والنحو فان كل واحد منهما يناسب المنطق بوجه وذلك ان هاهنا أوزاناً من الشعر غير صحيحة وربما غلط فيها ولم يكن صاحب صناعة فظنها مكسورة وربما ظن بالمكسور منها انها صحيحة واذا رجع الى القانون الصناعي عرف موضع الشك وقدر على ما يجب وتيقن موضع الغلط إن كان وأصلح ماسها فيه

    ويناسبه أيضاً صناعة النحو بوجه آخر وذلك ان نسبة صناعة النحو الى الالفاظ كنسبة صناعة المنطق الى المعانى وكما ان النحو يسدد اللسان نحو صواب القول ويعطى القوانين التى يعرف بها الاعراب فكذلك المنطق يسدد الذهن نحو صواب المعاني ويعطى القوانين التى تعرف بها الحقائق، وكما أن النحوي وان كان غرضه اصلاح الالفاظ فانه ينظر أيضاً فى المعاني ليصححها المعاني والنحوى ينظر فى الالفاظ بالذات وبالقصد الاول وينظر فى المعانى بالعرض وبالقصد الثاني والمنطقى ينظر فى المعانى بالذات وبالقصد الاول وينظر فى الالفاظ بالعرض وبالقصد الثانى، فقد تبين غرض الحكيم فى صناعة المنطق وان من جهل هذه الصناعة عرض له بالضرورة أنه لا يقف على صواب من أصاب كيف أصاب ومن أى جهة أصاب ولا على سهو من سها أو غلط كيف وفي أين سها أو غلط وتحير في الآراء فمنها ما يصححه من غير ثقة ومنها ما يزيفه بغير بصيرة ومنها ما يتوقف فيه لا يدري بماذا يحكم له ثم لا يأمن فيما صححه اليوم ان يرد عليه في غد ما ينقضه عليه وتشكك فيه وفيما زيفه أن يصح عنده في وقت آخر فينظر فيما هو عنده صحيح انه يجوز أن يفسد وفيما هو فاسد انه يجوز أن يصح وعسى أن يرجع الى ضد ما هو عليه في الامرين جميعاً اما لخاطر يرد عليه من نفسه عن اعتقاده الاول واما برأى غيره فاذا غرض من يدعى الكمال في العلم والثقافة بالجدل ويصيره ببراعته لم يكن عنده ما يمتحنه به واما أن يحسن الظن به فيقبله واما أن يتهمه فيرده

    وليس يخلو في حاليه من أشياء ترد على عقله فيوهمه في شىء انه حق وفي آخر انه باطل والمنطق يدله على هذه المواضع ويصحح له الصحيح ويعلمه لم صار صحيحاً ويزيف الباطل ويريه لم صار باطلا فنحن مضطرون الى تصحيح المعانى في أنفسنا بقوانين صناعية تنفى بما يحوطنا من الغلط والى تصحيح الالفاظ التى تدل بالمواطأة على تلك المعانى لئلا يعترض لغيرنا ما يغلطه فيها فكلا هذين يسمى صناعة المنطق الا أن أحدها ينظر فيه بالذات والآخر بالعرض كما بينا

    ولما تأمل أرسط مراتب اقناعات النفس واراد ان يرتبها ويجعل لها قانوناً صناعياً ليتوصل بها الى حقائق الاشياء قسم ذلك كما قسم العلوم التى تقدم شرحنا لها ونظر فاذا أنواع القياسات والاقاويل يلتمس بها تصحيح رأى ويتوصل بها الى حقيقة مطلوب اما عند أنفسنا واما عند غيرنا تنقسم الى ثلاثة أقسام اما ان تكون صدقا كلها ويقينا لا شبهة فيها واما ان تكون كذبا كلها وشكوكا واما أن تكون صادقة في البعض وكاذبة في البعض الآخر وهذا النوع الاخير ينقسم ثلاثة أقسام اما ان يكون صدقه أكثر من كذبه واما ان يكون كذبه أكثر من صدقه واما ان يتساوى فيه الامران، فصار جميع أنواع القياسات خمسة يقينية وظنونية ومغلطة ومقنعة ومخيلة فصنف لكل واحد من هذه الاقسام كتابا وعلم تناول هذه الطريقة بقوانين لا يمكن أحد أن يؤدي الاخلاف جوهر الشىء المطلوب ولا يمكن أحد ان يرجع عنه ولا يقع فيه تهمة ولا شك وسماه كتاب البرهان. واما القياس الذي هو كذب كله فهو ما يخيل في الشىء أنه على صورة وليس هو عليها بالحقيقة ومثاله ما يعرض للعين عند النظر فان النفس يعرض لها عند النظر في المعقول ما يعرض للعين عند النظر الى المحسوس وربما تخيل الانسان في الشىء خيالا فاسداً ثم يبادر الى العمل بما يقتضيه ذلك الخيال فتجىء الافعال رديئة قبيحة فصنف فيه كتابا دل على وجوه هذه التخيلات من اين يقع وكيف يقع وسماه كتاب الشعراء والصناعة الشعرية

    واما الذي صدقه أكثر من كذبه فهو ما توجد قياساته من أشياء مشهورة ليست ذاتية ولا جوهرية للمطلوب ولا بها قوامه فيلتمس الانسان ابداع ظن قوي اما عند نفسه واما عند غيره حتى يقع له وان لم يكن يقينا فصنف فيه كتابا ودل على وجوه هذه الظنون وانها تصدق ومن أين وكيف وانها تكذب ومن أين وكيف وسماه الجدل والصناعة الجدلية. وأما الذي كذبه أكثر من صدقه فهو الذي يغلط فيتوهم فيما ليس بحق انه حق وفيمن ليس بعالم انه عالم وهذا الغلط يكون على وجوه وعلى ضروب فصنف كتابا دل فيه على وجوه التلبيسات والتمويهات والاغاليط كيف تقع ومن أين وسماه صناعة السوفسطائية وهى الحكمة في اللغة اليونانية مشتقة من سوف وهو الحكمة ومن اسطيس وهو التلبيس والتمويه فكان معناه الحكمة المموهة، وكل من كان قادراً على التلبيس والتمويه اما في نفسه بان يوهم انه حكيم وليس بحكيم فهو سوفسطائى وليس كما يظنه مسلمو الاسلام انه كان في الزمن القديم رجل يقال له سوفسطا وكان يدفع حقائق الموجودات وانه له شيعة ينصرون مذهبه ويسمونه به فان هذا ظن لا أصل له ولم يكن قط رجل فيما سلف يقال له سوفسطا ولا سمى به أحد ولا نصر هذا الرأي قوم بأعيانهم وانما ينسب الى صناعة الجدل فيقال جدلي ليس ان هناك رجلا يقال له جدل

    وأما الذي كذبه مساو لصدقه فهو الذي يلتمس به اقناع ما فى أي رأي كان وأن يسكن السامع الى ما يقال له ويصدق به تصديقاً ما وهو دون الظن القوي فصنف فيه كتاباً دل فيه على وجوه هذه الاقناعات ومن أين وكيف تقع وسماه كتاب الخطابة وهذه هي الكتب الخمسة المنطقية

    لكن ارسط لما نظر في القياس وجد منه ما هو مشترك بهذه الفنون ومنها ما هو خاص كل واحد منها فعمل للقياس الاول العام المشترك لجميع الصناعات الخمس كتاباً سماه كتاب القياس وهذا الكتاب يوجد في النقل القديم أحدهما كتاب القياس والآخر كتاب البرهان وهو باليونانية أنولوطيقا الاولى وأنولوطيقا الثانية

    ثم نظر في القياس فاذا هو مركب من ألفاظ ومعان، وأقل الأقاويل القياسية ما كان مركباً من لفظتين لفظتين وأقل المعانى القياسية ما كان من معقولين معقولين وأكثرها غير محدود .

    وهذه الاقاويل المركبة من لفظتين أجزاؤها ألفاظ مفردة لا محالة فبالضرورة انقسمت له الصناعة الى ثمانية أقسام ذلك على طريق التحليل فلما سلكه على طريق التركيب بدأ بالألفاظ المفردة الدالة على أجناس المعاني المفردة فعمل فيها كتاباً وحصر هذه الالفاظ في عشرة أجناس من المعاني ثم قسم كل واحد فيها الى أنواعها وسماه كتاب المقولات وهو المعروف بكتاب فاطيقورياس ثم ثنى بكتاب ذكر فيه الاقاويل المركبة وسماه كتاب باريزمينياس أى العبارة وثلث بكتاب القياس الذى ذكرناه فعلم فيه قوانين الاقاويل التى يبين بها القياسات المشتركة للصنائع الخمس وسماه أنولوطيقا الاولى ، وربع بالكتاب الذى سماه البرهان وهو أنولوطيقا الثانية فعلم فيه قوانين القياسات التى لاتغاط ولايمكن فيها ذلك وهي اليقينية، وخمس بكتاب ذكر فيه قوانين القياسات المأخوذة من الأمور المشهورة وكيف يكون السؤال أو الجواب على هذه الطريقة وعلم فيه القوانين التى تتم هذه الصناعة على أفضل وأكمل مايمكن وسماه طوبقا وهو كتاب الجدل ، وسدس بالكتاب الذى ذكر فيه قوانين هذه الاشياء التى يغاط عن الحق وتحيره وأحضر الامور التى يقصدها المموه وبين الاشياء التى تظهر فسادها وكيف يتحرز منها وسماه سوفسطيقا أى الحكمة المموهة وسبع بكتاب ذكر فيه قوانين الاشياء المقنعة بالخطاب وحضر جميع مايتم به هذه الصناعة ليكون الانسان فيها أكمل وأنفذ وسماه ديطوريقا ، وثمن بكتاب ذكر فيه قوانين الالفاظ المخيلة وأحصى جميع ما يتم به هذه الصناعة وقسمها الى أنواعها وأصنافها وسماه فوريطيقا أى الشعر لتتم هذه الصناعة على هذه الاقسام وكان غرضه الاول فيها القياس البرهانى ولكن أوجبت القسمة والترتيب ما ذكرناه وأيضاً فان الأشياء التى تعرف بطريق البرهان يسيرة بالاضافة الى ما يعرف بالقياسات الاخر فواجب أن يرتبها ويعلم طرقها وأيضاً فان بعضها طرق البرهان وبعضها تحميه وتذب عنه

    أما الثلاثة التى في أوائل الصناعة فهي التى تؤدي اليه الاربعة الأخيرة هي التى يحامى عليه لئلا يشتبه به ما ليس منه وأشرف هذه الكتب كتاب البرهان لانه المقصود الاول وقع فى القسم الرابع بالضرورة كما ذكرنا فيما سلف وباقى الكتب انما عملت اما مداخل اليه وتوطئات له واما حامية عنه أما الثلاثة التى تقدمه فهى المداخل وأما الاربعة التى بعده فهي التى تحرزه وتميزه وتحميه من الطرق التى يوهم انها تؤدي الى ما يؤدى اليه هو ومع ذلك اذا قصد الانسان أن يكون مجادلا قويا أو خطيباً مصقعاً أو شاعراً مفلقاً نحا نحو ما يلتمسه واقتنى من الكتب الذي صنف فيه قوانين الصناعة ليصير بها في أعلى درجة منه وأرفع رتبة فيه وان اقتصر انسان على الكتب الاربعة كفاه ذلك في تعلم الحكمة وقراءة الكتب بعدها وهي الكتب التى عددناها وشرحنا قسمة الحكيم لها فبدأ منها بالكتب التى من ذوات المواد وهي من الامور الطبيعية

    وآخر الكتب التى فى الامور المجردة فى المواد ان الطبيعيات محسوسة لنا وهي الينا أقرب ونحن لها آلف وبها أعرف ومنها يمكننا الترقى الى ما بعدها فصنف فيه كتابا ذكر فيه الامور المشتركة لجميع الاشياء الطبيعية ما كان منها تحت الكون وماليس تحت الكون وسماه السماع الطبيعي، وصنف كتابا فيما يخص الاشياء التى ليست تحت الكون وسماه كتاب السماء ثم قسم الاشياء التى تحت الكون فعمل كتابا فيما هو مشترك للاشياء ذوات الكون كلها وسماه كتاب الكون والفساد، وعمل كتابا فيما يختص في الارض مماله نفس ولاحواس له وسماه كتاب النبات وكتابا فيما يختص بذوات النفوس ولها حواس وسماه كتاب الحيوان . ولما أراد أن يرتقي فى الطبيعيات وهي الامور ذوات المواد الى الامور التى لامواد لها وجد بين هاتين المنزلتين أموراً لها شركة في الطبيعة وشركة فيما بعد الطبيعة فعمل فيها كتابه فى النفس وكتابه في الحس والمحسوس ثم عمل فيما بعد الطبيعة كتبه التى رسم عليها الحروف وهي المعروفة بالالف باء وما بعدها فمنها ما نقل الى العربية ومنها ما لم ينقل الا أن فيما نقل غنى كثيراً وكفاية تامة . ولما عمل فى الجزء النظرى هذه الاعمال العظام ونظمها هذا النظام كمل أيضاً فى الجزء العملى هذا العمل بعينه وذاك أنه قسم الى ماهو خاص بالانسان في نفسه والى ما هو خاص بما كان خارجا عنه وهذا الثاني ينقسم الى قسمين أحدهما تدبير المنزل والآخر تدبير المدن فعمل في كل واحد كتاباً أما في ما يخص الانسان بذاته فكتابه فى الاخلاق وهو كتاب عظيم جداً كثير المنافع يعلم كيف يكتسب الانسان هبة فاضلة وسجية محمودة يصدر عنها الافعال الجميلة والاعمال المرضية

    وأما كتبه فى تدبير المنزل والمدن فلم ينقل الى العربية الا ما وجد من كتابه فى تدبير المدن وهو مقالنا وقد ذكرت في فهرست كتبه . وله بعد هذه الكتب رسائل وكتب سماها التذاكير وهي كثيرة على ما يذكر ويحكي فى فهرست مصنفاته وله كتب في التعاليم ولم ينقل منها شيء الا أن فى النظام الذى خرج الى العربية والترتيب الذى رتبه غنى عظيم وراحة تامة لمن أحب أن يكمل ذاته ويتوجه الى مقصده ليصل اليه بسرعة فاما مقدار الزمان الذى يفرض لمن أراد تعلم الحكمة على ما رتبه هذا الحكيم المحسن الينا المنعم علينا فعلى مقدار عنايته واهتمامه ومعونات الاتفاق اياه أعنى بها أن يكون ذكيا حفوظاً واجداً للكتب والاستاذ الفاتح والكفاية فى المعيشة لئلا يشتغل بها عما يقصد

    فزوال العائقات التى لا ⟨...⟩ بها الانسان في عوارض الدنيا وهمومها وأمراض النفس والبدن واجتماعهما وحذر العوام مرة والسلطان أخرى ومراقبة أهل البلد فان الناس كما يقول القائل أعداء ماجهلوا ومن شأنهم الوقيعة في أهل الفضل ومعاداة كل من خالفهم في مذاهبهم واغراضهم وقصد بكل مكروه وأذى فاذا سلم من هذه العوارض وكانت القريحة والاسباب التى ذكرناها مجتمعة له فما أقرب وصوله الى بغيته وراحته من تعب أبناء جنسه وظفره بالكنوز التى ذخرت ومدة ذلك على التقريب مابين عشر سنين الى عشرين سنة وهذا اذا شغلته الدنيا بعض الشغل فانه لايجوز أن يظن بانسان انه ينفرد وينكمش على العلم ولايجعل لبدنه راحة ولنفسه حظا من اللذات فيما يحسن ويجمل ولو تعاطى ذلك لخسره أو انقطع دون غايته

    وقد رأى بعض أصحاب أرسط ومدرسى كتبه أن يبتدىء المعلم لها بكتب الاخلاق لتتهذب نفسه وتصفو من كدر الشهوات ويخف عنها انفعال عوارضها فتتمكن من قبول الحكمة ويعترف بعض الاعتراف بترك الانهماك في الشهوات وهجران الملاذ الجسمية ويعلم أن أكثرها خساسات ورزائل فتنزه عنها ثم ينظر في شىء من التعاليم ليعرف طريق البرهان ويتدرب بها ويأنس بطرقها ويترك الايغال فيها الى وقت آخر فان بين يديه غرضاً بعيداً وشوطاً بطيئا ثم ينظر في المنطق الذي هو آلة في جميع مايقصد ثم ينظر في الطبيعيات وما بعدها على الترتيب الذي تقدم فاذا وصل الانسان الى المرتبة الاخيرة اطلع على حقائق الموجودات ونزلها منازلها وتصورت نفسه بها فاذا تصورت النفس بحقائق الامور عقلها عقلا تاما فاذا عقلها تصور بالصور العقلية وزالت عنه رسوم الاعراض التى في الامور الطبيعية أعنى الاشياء الدائرة وحصلت صور الاشياء العقلية السرمدية واتحد بها العقل فصارت هى شيئاً واحدا ومن شأن العقل أن يصير جزؤه كلا كما يتبين ذلك له اذا وصل اليه فاذا فارقت نفسه بدنه انتقل الى الوجود الثانى الذي هو غايته الاخيرة وكماله الاقصى وهذه الحالة عسرة التصور جداً بعيدة فيما نشاهده ونعتاده ولا يمكن النطق بها ولا يسعها الا بالطريق الذي يصل اليه من سلكه على الجادة التى بيناها، واذا مثلت بالامثال المحاكية لها مما اعتدناه والفناه عرضت في الامثلة مناقضات ومحالات لاجل أن المثال ليس من الممثل في شىء فلذلك عدل عن ذكره وقد عملت فيه على كل حال كلاما اجتهدت فيه ان يلوح منه أجلى ما يمكن وأفردته في جزء اذا حصل هذا الجزء بحضرته وكرر فيه طرفه واستدعى ما يليه وعلمت أن له موقعا حملته أولا بمشيئة الله وعونه ولا قوة الا به وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلوات على نبيه محمد وآله أجمعين

    تم الكتاب بعونه تعالى