An intimation on man and prophecy
19th Century Muḥammad ʻAbduh Arabicولا تركيب وهو الذي يسمونه بالهيولي ، ثم بواسطة هذه الحركة اللازمة بالترتيب حصل في ذلك البسيط جزر ومد وفتق بعد رتق ، فمنه اللطيف والكثيف ، والمتفاوت في المرتبتين ، ووقعت كل كرة حيث أدت بها الحركة كيف كانت ، ولم يزل هذا العالم متحركا بهذه الحركة ، لكنا لاندرك الا حركة الجزئيات الحاضرة بين أيدينا لانا لسنا كل العالم حتى ندرك حركته الكلية ، فالحركة واحدة ، ونراها متكثرة بتكثر أجزاء المتحرك . ومن ثم لاتجد إلا متحركا ولا حادثا الا عن حركة ، وذلك لعدم توقف الفيض في لحظة من اللحظات لعموم الجود . وكان العالم في الترقي على حسب تقادمه في الوجود ، وهذا من مقتضيات الترتيب ، وقد علمت مايحتاج اليه العالم في نظامه العام من النفوس الكلية ، أما النظام الخصوصي لكل ذرة أي المبدأ القريب لهذا ، إنما هو بالنفوس الجزئية المنبعثة عن النفوس الكلية ، فلا تزال الكلية في تربية الكل . والجزئية في ترتيب الجزء حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا
ولعلك على ماتحققت من لزوم الترتيب في عالم التركيب تقول ، أن أول ماظهر في هذه الكرة النباتات على تفاوتها في الدرجات من متناقص الخلقة جداً ، ثم يتكامل شيئاً فشيئاً حتى انتهت الى غايتها ، ثم الحيوانات كذلك ، ثم نتيجة الكل وغاية منتهى السير هو الانسان ، ثم كذلك تتفاوت مراتبه في الوجود من غاية التوحش الى أدنى منها ، ثم . وثم : ولا يزال هكذا وقد نطق بهذا كتابنا وأشار اليه في قوله « والله أنبتكم من الأرض نباتا » فهذا قليل تستغني به عن كثير واجمال يغنيك عن لبس التفاصيل
واردة
قد تبين أن الحق فياض مطلق ينزل كل شيء منزلته التي يجب أن يكون عليها في ذاته ، ولما أوجد هذا النوع الانساني جعل فيه إدراكات وأخلاقا على حسب لوازم فيه وآلات تقتضي ذلك بحسب النوع . ثم إن الآلات الجزئية تقتضي الاختلاف في الاقتضاء على حسب اختلافها في الاشخاص بالعوارض الطارئة على الحقائق الناشئة عن الاسباب الجزئية في هذا العالم فكان اللازم على اختلاف الاخلاق وتباين الآراء على حسب ما تقتضيه تلك المراتب الشخصية أن يأخذ كل طرفا غير الذي يأخذه الآخر ، و « كل يعمل على شاكلته » ومن مقتضيات هذا التنافر أن يترتب عليه النزاع اذ ينازع البعض البعض الآخر في قصده ، ويذوده عماهو بصدده ، فيلزم تغلب البعض وقهره البعض الآخر ، وهو منشأ الفساد والفتن لوقوع العداوة بينهم بذلك فينشأ عنها المحاربات والمقاتلات التي ينشأ عنها افساد هذا النوع . ثم الاستغراق في عالم الحس الذي هو مقتضى رتبة هذا العالم يستلزم الغفلة عما يؤل اليه أمره بعد مفارقة هذا العالم فيبوء بظلمة الجهل وضيق كدرة الاخلاق ورذائل الاعمال ، كل ذلك على حسب ماتقتضيه مراتب الوجود في هذا العالم الطبيعى
٭٭٭
ولما أمدهم الحق بما فيه اصلاح أبدانهم من جميع لوازم تعيشاتهم وبما فيه بقاء هذا النوع من الاستيلاء ، ولزم ان عدهم من جوده وفيضه بما يكون سبباً في تربية عقولهم وتزكية نفوسهم ، وطبيباً لبواطن أمراضهم ، بأن يبعث فيهم منهم ذا نفس قدسية مطهرة عن جميع شوائب الغفلة ، منكشفة لها الاسرار والحقائق على وفق الحكمة بأصل الفطرة ، لايحتاج فيما يقصده الى الفكر والنظر ، وحيه من نفسه ، زكي الاخلاق ، رفيع الهمة ، قد بث فيه شوق خلقي ونور جبلي الى تربية من أرسل اليهم ، يفدي بروحه لذلك ، ولا يبالي في هداية شخص باقتحام المهالك ، قد جلس على منصة البلاغة، حتى يحكم بالبيان ابلاغه ، فتكون اخلاقه ميزاناً لاخلاقهم ، واعماله ميزاناً لاعمالهم ، وذلك انما يكون على حسب احتياج النوع لذلك بقدر الاستعداد ، واستحكام مواد الفساد ، فهذا الشخص المتصف بهذه الصفات هو النبي
ولما بلغ العالم الى درجة (١) في اكتساب المعلومات، ووجوه المعارضات، وجالوا في ترتيب الافكار ، وكانوا في استعداد للتنبه والاستبصار، بعث فيهم نبياً كاملا عمومي الفكر صادق اللهجة ، في أعلى طبقات الكمال، وختم به الأمر وتمم لعدم احتياجهم الى غيره ، اذ كلما تقادمت الازمان ، قويت دواعي العرفان ، وقد تبين (٢) لهم اجمالا ينبيء عن تفاصيلهم ، قد احاط بجميع مهماتهم على اختلاف أحوالهم في اعصارهم صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه
ولا يخفي على العاقل ان مثل هذا الرجل الكامل لا بد منه في عالم الوجود لهذه التربية على ماهو مقتضى العالم وترتيبه على الاسباب والمراتب .
ومن لطائف الوقائع ماوقع للفاضل الاستاذ (٣) في الاستانبول مع جماعة من الطبيعيين وقد كانوا يسخرون بالانبياء ، وذلك انه قال لهم يجب على من أنكر الالوهية فضلا عمن أثبتها الاعتقاد بالنبوة وذلك لان الطبيعة قد اقتضت للشخص كبدا وقلبا وروحاً لاجل بقاء وجوده ، واقتضت أمورا مثل تقعير الكف وتقويس الحاجب لكماله في وجوده ، واقتضت للنوع آلة تكون سببا في بقائه، والاسباب كثيرة ، فاذا لم يكن هذا الرجل الكامل لهذا العالم بمنزلة الروح للشخص فهلا كان مثل تقعير الكف وتقويس الحاجب وهدب الاشفار ونحو ذلك ! فسكتوا وقبلوه
هذا لسان الحكيم في هذا الباب ، وبلسان آخر نقول : لما حصل للوجود في مراتب تجلياته بعد عن نفسه في مراتب تجرده تجلى من نفسه
— الحواشي —
[18] (١) لعل الاصل درجة ما أو درجة الرشد
[18] (٢) لعلها بين
[18] (٣) يعني السيد جمال الدين .