al-Saʻādah fī falsafat al-akhlāq
The publisher's introduction
Medieval Miskawayh Arabicبسم الله الرحمن الرحيم
بك أحمدك وأقدر على ثنائك وشكرك وإلا فأني للاشباح الخالية قدرة وإرادة ولسان فيصدر منها مانشاهد ونسمع فما نطقت الجوارح إلا بتوجيه عنايتك وماعرفت إلا بامدادك فأمدني بعلمك وأحيني بحياتك وخلقني بأخلاقك وأسعدني بحقيقة ماتريده لعبادك المخلصين وإن كنت أقول لالك فاجعلني لك أقول فاني بك فلاتجعل مالك لغيرك واجعل ناسوتيتي مستهلكة في لاهوتيتك ويكون الخطأ عني مباعداً والزلل مجانباً وأراك بعين عقلي فلاحياة لهيكل ثبت على المواد المتجمعة من أجزاء الغبراء فتنوعت في الظاهر ولاسعادة لمن أثر مناظر تتلون من وقت إلى آخر فاني أتضرع اليك أن تجعل روحي منتعشة بحياة روحانية أنت تعلم كنه حقيقتها ولاتجعل انتعاشى مؤجلا فأنت تعلم اضطرابها في هيكلها وتشوقها الى سعادتها ومنك أصلي على من جعلته مختاراً وصيرته كاملا من انتهت اليه الانسانية فظهرت بأجلى مظاهرها وتخلق فصار رؤوفاً رحيما سيدنا ومولانا محمد بن عبدالله الذى ظهر جثمانه في مكة واختفى في المدينة وصار اسمه الكريم في العالم موجوداً وعلى آله وصحبه من انتهجوا خطته فسعدوا فى الاولى وفى الأخرى
وبعد فلما كانت السعادة هى الضالة المنشودة للنوع الانساني وهو جدير بأن يتطلبها حتى لاتكون حياته ضائعة مابين هم وغم ووهم وخيالات وأمراض وأوجاع وبسط وقبض وعسر ويسر وفقر وغنى وعز وذل والكل يصبح عند دخوله في رمسه في خبر كان وجب على من به مسكة من العقل والتمييز ان يسعى الى ماخلق لأجله وبأي شيء يصير خليفة في أرض المكون الحكيم وبما صار على صورة الرحمن ولم نر من شرحها ووفاها حقها مثل كتاب السعادة للحكيم الاخلاقي أبي علي بن مسكويه فانه كتب بما ينشرح به الصدر ويوصل إلى الغاية المقصودة إذا جد المرء وسعى
فمن الشقاء العاجل أن يسعى المرء بجد واجتهاد في شهادة توصله إلى وظيفة عاجلة أو مرتبة تعلى قدره بين معاشريه ويواصل الليل مع النهار متفانياً في ذلك ولا يسعى في الشهادة التى يجتاز بها من عقبات الدار الباقية وبمقتضاها يتوصل إلى الدخول فى جنات النعيم دار البقاء
ماهي تلك الشهادة هي شهادة بحسن سيره وسلوكه في دنياه مع نفسه وخالقه ومخلوقاته فما الدنيا إلا نسخة ونبذة من العالم الاخروي
فياحسرة على أمة ظنت أن السعادة هي كنز الأموال وحشد الهياكل بصنوف المآكل والمشارب وتسابقت في اقتناء الخيول المطهمة والقصور الشامخة وافتخرت بخدم وحشم وحسب وتركوا نفوسهم وماتهوى وأهملوا روحهم وشرع ربهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً
وأعظم بأمة عرفت سبيل السعادة فسلكته وانتهجت نحوه وآثرت حياة روحها على إقامة هيكلها فسهل عليها مايصعب على أمة تفانت في خدمة الهيكل والمحافظة على ماتأمر به النفس ورأت ان أحسن موصل الى السعادة التحلي بصفات الربوبية والتخلي عن الصفات الشيطانية وأيقنت ان محو رسوم الهوى عليها واجب واثبات مايقتضيه رسوم العقل والحجى عليها لازم وأعطت رب الجسم حقه ولم تعكس جاعلة الرب مربوباً والسيد عبداً والحاكم محكوماً
أتجعل العقل أمير الهوى ٭ وانما العقل عليه أمير
فانتعشت بروحها ونظرت اليها فرأتها متلألئة مبتهجة بماترى من أسرار الملكوت غارقة في بحار الجلال والجبروت غنية بثروة صفاتها على جماد هذا العالم السفلى مدركة للذات لا يدركها الامن جلى غشاوته التى على عين قلبه المانعة من نظرها الاشعة الحق والحقائق
رب قائل يتشكك ويحمله الاعتراض علي كيف تقرظ آراءك وتحمل الامة على أفكارك ويشتم من رائحة كلامك كراهة حسن الهيئة والمحافظة على النظافة والتمتع بلذات الحياة الاولى وقد أبيح لنا ذلك فقال جل من قائل ( قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) وقوله ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) وقول النبى صلى الله عليه وسلم حاثا على النظافة ( النظافة من الايمان ) وقوله عليه السلام أيضاً ( ان الله يحب ان يرى أثر نعمته على عبده) وقوله أيضاً ( اكرم شعرك ) واكرامه عبارة عن تعهده بالغسيل والتسريح والتطييب وقوله أيضاً (حبب الى من دنياكم ثلاث النساء والطيب وجعلت قرة عينى في الصلاة ) وقوله عليه السلام أيضاً ( ان الله يحب الناسك النظيف وان الله يبغض الوسخ والشعث ) وان كان هذا ضعيفاً ولكنه يعمل به في مالا يحل حراما ولا يحرم حلالا والى غير ذلك من الاحاديث الدالة على التمتع بمظاهر هذه النشأة الاولية مع الوقوف عند حدود الشريعة وعدم التعدى على الحمى الالهى كلا بل دقق النظر وراجع نفسك واحملها على التدبر والتفكر فكثيراً مااودى التسرع بقوم حتى حملهم على الطعن والازدراء بالقائل ظلماً وعدواناً ووقف تيار الافكار ورضى كل بما عنده وقبرت الحقيقة واعجب بما يرى وبما فهم ساخراً بما عندك لغباوته بل الواجب على من لم يعرف ولم يذق ان يسلم
واذا كنت في المدارك غرا ٭ ثم ابصرت حاذقاً لاتمارى واذا لم تر الهلال فسلم ٭ لاناس راوه بالابصار
نعم أيها القارىء الكريم متعك الله بروحك وجعلها على بدنك سلطانا مستطيرا
نرمى الى ان لايجعل همه في بطنه وملبسه ويترك الروح وخدمتها ومن ثم قال الشافعي لرجل انتقد عليه في عدم اعتنائه بالملابس كما يرى نفسه مع اهماله نفسه
لئن كان ثوبى فوق قيمته الفلس ٭ فلي فيه نفس دون قيمتها الانس فثوبك شمس تحت أنواره الدجى ٭ وثوبى ليل تحت ظلمته الشمس
وما مثلك في خدمتك لجثمانك وظاهره مع تركك للباطن الا كبيضة حسن ظاهرها وقبيح باطنها
لايغرنك ثياب نقيت ٭ فهى بالصابون والماء نظيفة تشبه البيضة لما فسدت ٭ قشرها أبيض والباطن جيفة
وقول الآخر
لايعجبن مضيما حسن بزته ٭ وهل يروق دفينا جودة الكفن
وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ابغض العباد الى الله من كان ثوبه خيرا من عمله ان تكون ثيابه ثياب الانبياء وعمله عمل الجبارين
هذا وقد رأى المبرد صاحب الكامل رجلا معجباً بنفسه وبلباسه فقال
يامن تلبس أثواباً يتيه بها ٭ تيه الملوك على بعض المساكين ماغير الجل أخلاق الحمير ولا ٭ نقش البراذع أخلاق البراذين
فالتمتع كما قلت مطلوب للنوع الانساني وإلا كان خلق هذه الاشياء عبثاً وهذا لايليق بالحكيم فخيركم من أخذ من هذه وهذه فجمع بين الامرين وتغلبت خدمته للروح فأصبح حياً في حياته ورمسه ونشره وحشره فاندرج في سلك الروحانيين واندمج في هيئة المقربين عند مليك جميل قدير
فحذار أيها الانسان أن تكون أجمة في هيكلك فيها حية تلسع وعقرب تلدغ ونمر يمزق وجمل يحقد وكلب يراوغ وأرنب عند الحق يجبن وشوك وسعدان يؤذى وأسد يفترس وقرد لاحظ له إلا المحاكاة بل عليك أن تكون جنة فيها ماء غير آسن يزيل الظمأ وورد يسر الناظر ورياحين تنعش الشم وكروان على لسانك يلذ السمع ولاغرابة فأنت زبدة العالم وفيك انطوى ومن ثم نأسف على الانسانية فلقد تعذبت بهيكلها وأنت من لوكها بالفم ووخزها بسن القلم ومن العجب لجهلنا بقيمة الانسانية نظرنا الى الانسان بمجرد شكله وحسن تخاطيطه وحسن هيئته وكثرة عرضه وعذوبة لسانه بالنفاق والخداع وأكف لينة عند الملمس ولكن في الصدر نيران من الحقد والحسد والبغضاء
لانت على المس بالأيدي جسومهم ٭ وفي الصدور لعمري ينبت الحسك وهذا ناشىء منا لاننا لم نسع فى تصفيتها من كدورات الاخلاق الفاسدة ولم يخطر لنا على بال فساءت أحوالنا واضطربت أقوالنا وكلت هممنا وصرنا بالاجتماع متألمين وفى القرب موحشين يفر المرء من أخيه وخليله لان الارواح كسفت بمن حجبها عن صفائها وشعاعها وتشكى كل منا الحياة وبؤسها ومايعانيه ولوكنا ممن خدم الروح خدمة حقة لكانت الحياة لنا جنة معجلة ونعيما كاملا مع ماينتابنا من الامراض والبلايا لانها كلها تتلاشى باحساس الروح ان ثم روحاً تشفق عليها وفؤاداً مخلصاً لها فتتوزع تلك المؤلمات على الافراد فتهون وهذا ماعناه بنا مرشد الامة الى مافيه صلاحها مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسم اذا اشتكى منه عضو تداعى اليه سائر الجسد بالحمى والسهر
ومع ماظهر لنا من اختبار الامة وأخلاقها لالوم على من قال
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ٭ وصوت إنسان فكدت أطير
وقول الآخر
لم يبق من جل هذا الناس باقيه ٭ ينالها الوهم إلا هذه الصور
وقول دعبل الخزاعى
ما أكثر الناس بل ما أقلهم ٭ الله يعلم أنى لم أقل فندا اني لافتح عيني حين أفتحها ٭ على كثير ولكن لاأرى احدا
وقول الآخر
قد ضيع الله ماجمعت من أدب ٭ بين الحمير وبين الشاء والبقر تقول ان سكتوا النسر وان نطقوا ٭ قلت الضفادع بين الماء والشجر
وقول الآخر
فان حدثت عن علم وفقه ٭ فانت لديهم فدم ثقيل وان حدثت عن سمك وبقل ٭ فانت لديهم رجل نبيل
لعلك عند قراءتك لهذه الكلمات تجد من نفسك اشتياقا الى رؤية الانسان وتحب التمتع بمجالسته وتصبو الى مصادقته ولكن أين الانسان وقد ارتحل وفي جوار ربه قد حل
اذا أحببت رؤيته واشتقت النظر اليه فطالع السيرة المحمدية واستحضر تلك الصفات فى شخص سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم تجد أنه الانسان الكامل بما كان عنده من الاخلاق العالية والروح الكبيرة السامية
ولا غرابة فالله جل ذكره أحب ان يرى صورة جماله في العالم لان رؤية الشىء نفسه بنفسه ليس كرؤيته فى صورة تغايره فخلق محمداً صلى الله عليه وسلم وكونه وصفاه من الكدورات البشرية فتخلق بأخلاقة ولذا قال صلى الله عليه وسلم (تخلقوا باخلاق الله ) وقوله أيضاً ان الله خلق آدم على صورة الرحمن