Risālat baqāʼ al-nafs baʻda fanāʼ al-jasad
The treatise on the survival of the soul after the perishing of the body, with its commentary
Medieval Naṣīr al-Dīn al-Ṭūsī Arabicبسم الله الرحمه الرحيم
قال علامة العالم نصير الملة والدين رسم المولى العالم الفاضل مؤيد الدولة والدين قدوة المهندسين ان اكتبه شيئاً افادة الحــكماء المحققون في بقاء النفس الانسانية بعد بوار البدن فلم أجد بداً من امتثال مرسومه وان كنت قليل البضاعة في هذه الصناعة وكان ما يفرض من غيائب العلوم فهو في جنب علومه ( علمه ) الدقيقة قليل القــدر صغير البنيان وبدأت بمقدمات ينبني عليها المطلوب وسالت من الله العصمة في المقال والتوفيق بصوالح الاعمال انه ملهم العقل وولى الخير من المبدء واليه المعاد
اقول الموجودات تنقسم الى ماله وضع والى مالا وضع له البتة ونعني بالوضع الكون في جهة من الجهات او حيز من الاحياز بحيث يمكن ان يشار الى الموصوف به اشارة حسية فجميع المحسوسات كالالوان والاصوات والروائح والطعوم والملموسات وكل ما يتعلق بالمحسوسات من محالها وأمكنتها ومقاديرها والاشياء الحالة فيها وما يجري مجريها جوهراً كان أم عرضاً فهي ذوات أوضاع وما عدا ذلك من الامور الكلية المعقولة محسوسة كانت أشخاصها أو غير محسوسة والجزئيات المفارقة للمواد كالباري تعالى أو العقول أو النفوس وما يعرض لها أو يحل فيهــا فهي مما لا وضــع له وكل مدرك لشيء من الموجودات بتقديريه مثال لذلك الموجود فان أدرك بنفســه رسم ذلك في نفسه واذا أدرك بالآلة ارتسم في تلك الآلة مثال الادرك بالآلة الابصار والاحساس بالسمع وساير الادراكات الحسية ومثال الادراك بغيــر الآلّة ادراك الانسان نفسه وذاته سبب أعني بدنه الذي يدركه بحواسه واذا أحس المحس بشيء ارتسم في الخيال شبج لذلك الشيء أو رسم ما يلاحظه في النوم واليقظة مع غيبة ذلك المحسوس مهما أراد وانما يدرك ذلك الشبج أو الرسم من غير ملاحظة لوضعه انكان من ذوات الاوضاع (١) بخلاف الحس فان الحس يدركه مع وضعه ويتوهم مع ذلك منه معاني غير محســوسة كالملائمة والمنافرة والاستيناس والاستيحاش والصداقة والعــداوه وغير ذلك وهي أمور جزئية تتعلق بالجزئيات محسوسة كانت أو غير محسوسة وهذا التخيل والتوهم أيضا يكون للنفس بآلات دماغية ويسمى بالاحساسات الباطنة
اعلم ان آخر ما وصل اليه العلم في مسئلة النفس وتجردها هو بيان آثارها الظاهره وخواصها اللازمة التي يستدل بها على وجود جوهر غير مادي هو مصــدر هذه القوى الظاهره كما يستدل على وجود المؤثر بأثره نظير استكشاف الجاذبيه وسائر القوى الفيزيكيه عن ظواهر الطبيعة من دون ان تنكشف حقيقة تلك القوى وهذا شأن العقل في حكمه بوجود المؤثر عند درك الاثر حكماً جزمياً وهذا سبيل اتخذته الفلسفة الروحيه في ازاحة النقاب عن وجه هذا السر الغامض منذ العصر القديم ولن تبلغ الى مرتبة فوق هذه المرتبة ولو بذلت كل جهدها ( يسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي وما اوتيتم من العلم الا قليلا ) ولذلك ترى ان غاية ما اتى به الفيلسوف في الرسالة ان ابان آثاراً خاصة للنفس لا يصح ظهورها الا من جوهر غير مادي تظهر منه هذه الآثار ومهد عدة مقدمات ينبني عليها اثبات المقصــود ويحــكم بصحتها العقل وتقضي على صدقها البديهة من غير تروي وشك مفاد المقدمة الاولى هو ان الموجودات بأسرها تنقسم الى ماله وضع والى مالا وضع له والاول عبارة عن كون الشيء في جهة من الجهات أو في حيز من الاحياز بحيث يقع الموصوف به تحت الاشارة الحسية ويدخل تحت هذا القسم المادة وجميع القوى الفيزيكية حيث يقع جميعها تحت درك الحواس الظاهرية لانها لا تنفصل عن الماده على النظرية الحديثة والماده ذات وضع والحال فيها يكون أيضا ذا وضع على ما يأني في المقدمة الثانيــة فجميــع ما تدركه الحواس الظــاهرية كالالوان والاصوات والروائح والطعوم والملموسات وكل ما يتعلق بها من محالها وأمكنتها ومقاديرها والاشياء الحالة فيها وما يجرى مجريها جوهراً كان أو عرضا فهي ذوات أوضاع وما عدا ذلك من الامور الــكلية المعقولة التي لا تقع بنفسها تحت فعل الحواس الظاهرية وان وقعت اشخاصها تحت الحس ولا يمكن ان يشار اليها بنفسها اشارة حسية كالانسان الكلي الذي لا يمكن ان يشار اليه اشارة حسية وان صحت الاشاره الى أفراده المتشخصين وكذلك الجزئيات المفارقة للمواد كالباري تعالى عز اسمه حيث انه جزى يمتنع صدقه على الكثيرين منزه من ان يكون من سنخ المادة والماديات أو العقول والنفوس وما يعرض لها او يحل فيها فهي مما لا وضع له ولا يقع تحت درك الحواس الظاهرية ويحصل الادراك بنوعين بواسطة الآله وبلا واسطة الاله وعند ادراك المدرك الموجودات بأسرها وبتقديريه يحدث عند المدرك مثال للموجود المدرك فان أدرك بواســطة الآلة ارتسم المثال في الالة وان أدرك بنفسه ارتسم في النفس مثل الفيلسوف للاول الاحساس بالسمع والابصار ناظراً به الى رأي القــدماء أي كون القوة مودعة في نفس الالة ولكن لا يختل بذلك أساس البرهان بعــد ان تفرض الالة نفس الخلية المخيه لا الاذن والعين فان الغاية تقسيم الادراك بنوعين بالآلة سواء أكانت خليه مخيه أم الاذن والعين وبغير الآلة ومثل للثاني أي الادراك بغير الآلة ادراك الانسان نفسه فان هذا القسم من الادراك ليس بواسطة الآلة وان كان احساس البدن سبب حدوث هذا الادراك
المتمه : واذا تقرر ذلك فنقول ارتسام الشىء في غيره أو الحلول فيه قد يكون على سبيل السريان كارتسام الصورة في سطح المرآت والسواد في الجسم وقد لا يكون كذلك كحلول النقطة في الخط والخط في السطح والسطح في الجسم فان النقطة لا تسري في طول الخط ولا الخط في عرض الســطح ولا الســطح في عمق الجسم واذا ارتسم شيء في شيء أو حل شيء في شيء على سبيل السريان بحيث لا يكون بين الحال والمحل امتياز في الحس كانت الاشارة الحسية الى كل واحد منهما هي الاشارة الى الاخر اذ لا يميز بينهما حســاً فــكل ما ارتسم أو حل في ذي وضع أو ارتسم أو حل فيه ذو وضع فهو ذو وضع وأيضا كل ذي وضع ارتسم أو حل في شيء أو حل فيه شيء فذلك الشيء أيضا ذو وضع (١)
الشرح : مفاد هذا الــكلام ان ارتسام الشيء في غيره او الحلول فيه قد يكون على سبيل السريان كارتسام الصورة في ســطح (١) المرآة والسواد في الجسد فان ارتسامها على سبيل (٢) السريان وقد لا يكون على سبيل السريان كحلول النقطة في الخط والخط في السطح والسطح في الجسم فان النقطة لا سريان لها في طول الخط ولا للخط في السطح ولا للسطح في عمق الجسم ثم انه اذا ارتسم شيء في شيء أو حل شيء في شيء على سبيل السريان بحيث ارتفع الميز بين الحال والمحل كانت الاشارة (٣) الى كل واحد منهما هي الاشارة الى الآخر فان التغاير انما يحصل في الاشــياء بسبب الامتياز الخاص بينها والامتياز اذا ارتفع ينتفي التغاير واذا تمهد هذا نقول اذا كان الحال في الشيء أو المحل الذي حل فيه الشيء ذا وضع يكون الحال أو المحل أيضاً ذا وضــع فانه لا يعقل ان يحل الشيء الذي لا يمكن ان يشــار اليه بوجه من الوجوه اشارة حسية ان يكون حالاً في شيء أو محلا لشيء فاذا تحقق صفة الوضع في جانب الحال فلا بد من تحققه في جانب المحل وكذلك اذا تحققت في جانب المحل فلا بد من تحققه في جانب الحال اذا لا صلة بين ما لا يمكن وقوعه تحت درك الحواس والاشارة الحسية بوجه من الوجوه وبين ما يمكن وقوعه تحت درك الحواس والاشارة وبعبارة اخرى ان غيــر ذي الوضع من سنخ المجرد وذو الوضع من سنخ المادي وكدلك اذا ارتسم ما لا وضع له في شيء فيستكشف ان المرتسم فيه ايضاً غير ذي وضع لان ارتسام غير ذي الوضع في ذي الوضع غير معقول (١) فبذلك يظهر ان القوى الفيزيكية الحالة في ذرات المــاده ذوات اوضاع لا مكان الاشاره الحسية اليها لكون محلها ماده ذات وضع لا سيما على النظرية الحديثة التي تجعل الماده صوره من صور القوه الــكامنة في الذرات اكثر استقراراً فبناء عليها لا امتياز بين القوه والماده ولا اثنينية فبذلك يظهر انه لا يمكن ان تكون النفس من قسم القوى الفيزيكية وتلاعب تلك القوى ميكانيكا كما ينزع اليه المادي لان بعض الاثار تدل على انها ليســت من قبيل ذوات الاوضاع
المتمه : لا يقال الصور الخيالية وما يجري مجراها ليست بذوات اوضاع وهي ترتسم في متخيلات الحيوانات التي هي ذوات اوضاع لانا نقول هي من حيث ارتسامها في ذوات الاوضاع لان الاشاره الى محالها اشاره اليها وانما الخيال اذا ادركها انتزعها من اوضــاعها التى كانت قبيل الانتزاع معها وجدت لها وضع آخر هو وضع الجزء من الدماغ الذي هو محل الخيال من حيث كونه في ذلك الجزء ولفقدان اوضاعها المنتزعة منها يظن ان لا وضع لها ولا منافات بين كون الشيء ذا وضع وبين ادراك ذي وضــع لامن حيث هوذ وضع بل من حيث هو منتزع من وضعه الاول فاذن ثبت ان الصور الخيالية ذوات أوضاع من حيث ارتسامها في الخيال وان كان الخيال لا يدركها مع الاوضاع السابقة المفارقة لها
الشرح : وشرح هذا الــكلام بأسلوب أســهل هو انه ربما لا يستقيم استحالة ارتسام مالا وضع له في ما له وضع اذا تصورنا ارتسام الصور الخيالية التي لا وضع لهــا حيث لا تقع تحت الاشارة الحســية بالحواس الظاهرية في متخيلات الحيوانات التي هي من ذوات الاوضاع ولكن الحقيقة ترشدنا الى ان الصور الخياليــة من ذوات الاوضــاع لان تلك الصور متحدة في الخارج مع ذي الصور غاية الامر ان القوه المتخيلة تتنزعها من أوضــاعها ولا شك ان الاشاره الى محالها اشاره الى تلك الصور الحالة في محالها فيكون على ذلك من ذوات الاوضاع واذا انتزعها الخيال فهي تنتقل في محل القوه المتخيلة وهو جزء من الدماغ على رأي القدماء والحويصلات الخاصة بالحس على الراي الحديث ( فح ) . وجد لها وضع آخر أي الدماغ فلفقدان أوضاعها المنتزعة منها يظن بأن لا وضع لها غاية الامر ان الاوضاع الاولية فقدت ووجدت لها أوضاع اخرى ففي الحالة الثانية هي أيضاً ذوات أوضاع
المتمه : اذا تقرر ذلك فنقول ان النفس الانسانية العاقلة يرتسم فيها معقولات لا وضع لها فهي لا تكون ذات وضع
الشرح : لان غير ذى الوضع كالمعقولات التى هي غير منتزعة عن الصور الخارجية بل هي أمر أدركه العقل كتعقل احتياج الخلق المعلول الى العلة الاولى الخالقة لا يمكن أن يرتسم في ماله وضع واقع تحت درك حاسة واحدة أو أكثر
وبعبارة أخرى لا يتصور أن يتعقل الجسم بصفته الجسمية أو ما يدركه الحواس من ذوات الاوضاع معنى افتقار المعلول الى العلة ( فلا يكون جسما ) لان من خواص الجسم أن يدركه الحواس وثبت أن ما يدركه الحواس لا يمكن أن يرتسم فيه المعقول لانه يكون ذا وضع ( ولا يكون حالة في ذي وضع ) لان ما ارتسم أو حل في ذي الوضع فهو أيضاً ذو وضع ( ولا يكون صورة جسمانية ) فهذا متفرع على السابق لانه اذا لم يكن جسما فيلزم أن لا يكون صورة جسمانية ( ولا عرضاً من شــأنه أن يحل في جسم ) لانها اذا كانت مستعدة للحلول على ذوات الاوضاع فتكون من ذوات الاوضاع بناء على المقدمة السالفة والفرض أنه ثبت أنها ليست من ذوات الاوضاع ( ولا قوة بدنية ) لان القوى البدنية لا تصدر منها أفاعيل النفس المختصة بها المستحيلة صدورها عن الجسم
المتمه : ( بل انما تكون جوهراً قائمــاً بذاته مفارقاً للجسم والمادة متعلقاً بالبدن تعلق تدبير لها ولتصرف منها ليستعمله استعمال صانع لآلاته وتفيد البدن صورة بها تجعله شخصا من الاشخاص الانسانية ) ولما مهد الفيلسوف هذه المقدمات شرع بذكر البراهين التي هي مبلغ علم الفلاســفة والعلماء في مسألة تجرد النفس وماهي كما أسلفناه الا كشف الحقيقة عن ظهور آثارها الخاصة فذكر عدة براهين منها
المتمه : ( كيف لا وجميع القوى الجسمانية كالحواس الظاهرة والباطنة وغيرها تضعف بعد سن الوقوف وهي تقوي اذ يصير تعقلها أدق وأتم وأكمل )
الشرح : ذكرنا في الابحاث السالفة ان النظرية الحديثة تقول ان القوة غير منفصلة عن المادة وهي كامنة في ذرات المادة تتبع في نشاطها وضعفها على انحلال المادة وانتشار ذراتها فــكلما افقدت المادة من ذراتها تفقد بمقدارها من قوتها الــكامنة فلو كانت حقيقة النفس من تلاعب تلك القوى الموجودة في الذرات كما يقول به المادي لــكانت تابعة في الضعف والنشاط للذرات التي تكوّن منها البدن وحلّت فيها القوة والامر على ضد ذلك فانا نرى النفس الناطقة الانسانية تترقى في درجات الــكمال كلما يهبط البدن وقواه البدنية كالخواص الظاهرة والباطنة من مبلغ كمالها كما في دور الشيخوخة والهرم ففي هذا الدور من العمر مثلا يقوى تعقل الانسان ويتكمل ادراكه فبذلك يظهر ان النفس الناطقة ليست هي تلاعب القوى الــكامنة في ذرات البدن .
المتمه : ( وتلك لا تدرك أنفسها وهي تدرك نفسها وتلك لا تدرك ما يتعلق بها )
الشرح : وهذا برهان ثان لتجرد النفس ومفاده انه تبين ان العلم والتعقل وأمثالهما من الاوصاف والعوارض الغنية عن المحل لا تقوم بالمحل اذ ثبت ان ما لا يحل في ما له وضع فهو مما لا وضع له ولا يحتاج الى محل يقوم به فمعروض التعقل أعني النفس ايضاً لا يحتاج الى المحل حيث ان عارضها بصفة كونه عارضا لا يحتاج الى المحل فالمعروض أولى بعدم الاحتياج أما بيان استغناء التعقل عن المحل فان النفس تدرك ذاتها بذاتها وتدرك آلتها وتدرك ادراكها بذاتها وآلاتها كل ذلك بلا توسط الآلة يظهر انها غنية عن المحل وبعبارة أخرى نقول ثبت ان الادراك قوة أعلى من حركة الاعصاب وحركة الخلية وانتباهها وثبت ان القوة المدركة تدرك نفسها ومتعلقاتها من دون حركة في العصب والخلية فلا يتصور ان يكون الشيء حالا ومحلاً بوحدته
المتمه : وأيضاً النفس ترتسم بالمعقولات الوحدانية التي لا يقبل الانقسام بوجه كالوحدة فــكل مرتسم مثل ذلك فهو غير قابل للقسمة الوضعية والا لانقسم المعقول الذي ارتسم فيه بانقسامه فان كل مرتسم في منقسم على سبيل الحلول السرياني فهو منقسم بانقسامه وكل جسم فهو قابل للقسمة الوضعية فالنفس ليست بجسم ولا بقوة حالة في الجسم بالحلول السرياني
الشرح : وهذا برهان ثالث وهو ان عوارض النفس كالعلم بالعلة الموجدة للعالم وتعقل الحقائق البسيطة لا يقبل الانقسام بوجه كالوحدة الآبية عن الانقسام بوضعها وعدم قابلية العلم ونظائره من المعقولات الوحدانية للانقسام يدركه الوجدان بلا معونة البرهان فاذا عرض مثل هذا العارض على شيء أو ارتسم فيه فيستكشف ان المعروض أيضاً غير قابل للقسمة الوضعية حايث ان قابلية المعروض للقسمة يستلزم قابلية عارضه لها اذ كل مرتسم في منقسم على سبيل الحلول السرياني فهو منقسم بانقسامه فاذا لم يكن قابلاً للقسمة فهو فاقد لاخص خواص الجسم وهو الانقسام والتجزي فيظهر من فقد هذه الخاصة انها ليست بجسم ولا بقوة حاله في الجسم بالحلول السرياني لان نفس الحلول السرياني يستلزم القسمة فاذا ساعدنا الدليل ان عارض النفس كالعلم وتعقل الحقائق البسيطة غير قابل للانقســام يمكننا ان نجيب عما يعترض به بعض منكري تجرد النفس ان الشعور خصيص المادة والمادة تتكمل شيئاً فشيئاً بتكامل بطيء بأن نقول ان المادة قابلة التقسيم الى الهبا آت بل هي مؤلفه من هبا آت صغيرة اذا نعزي لكل منها علماً او شعوراً فيكون للخلية من الاحساسات بقدر ما فيها من الهبا آت
وبتعبير احزان النفس الانسانية ترتسم فيها معلومات وتشعر بهــا وهي غير قابلة للانقسام بالضرورة فلا يستقيم قول المادي من كون الشعور خصيصاً للمادة اذ المعلوم لا يقبل القسمة فيظهر انها شيء وراء المادة لــكون المادة مؤلفة عن الهبا آت ومقسومة بها فكيف يمكن انقسام نفسها وعدم انقسام خاصتها الحالة فيها ولا يحصل من اجتماع شعورات متعددة شعور كبير واحد ولا شعور بعضها بعضاً وكذا لا يتصور ان يكون شعور واحد مركزاً جاذباً لشعورات متعددة
المتمه : لا يقال الجسم يوصف بانه واحد فهو مع قبوله القسمة محل للوحدة فلمَ لا يجوز ان يكون النفس مع كونها مرتسمة بمعقولات وحدانية قابلة للقسمة ؟ لانا نقول الجسم لا يرتسم فيه الوحدة انما يصفه العقل بالوحدة كما يصفه بالوجود أو الجنسية وذلك لان الوحدة أمر معقول ليس مما يحل في محل حلول الاعراض الموجود خارج العقل وللعقل ان يصف كل ما يدركه اما بهــا أو بما يقابلها وهو الكثرة والتعدد
الشرح : غرض الفيلسوف من بيان هذا التوهم السفسطي ليسد سبيل الاعتراض من كل جهة ولا يدع لاحد شكاً في بيان الحقيقة ولا ريبا والعقل والحقيقة توضحان فساده ولذلك ضربنا صفحاً عن شرحه
المتمه : ثم نقول لا يجوز ان يكون البدن ولا غيره من الاجسام ولا القوى الحالة في الاجسام علة توجد النفس وذلك لان كل ذي وضع لا يجوز ان يؤثر الا فيما يكون منه على وضع كالمفارق ( المقارن ) والمجاور والمحاذى أو بينه وبين ( وبينه ذلك ) علاقة لا علاقة بين البدن والنفس قبل وجود النفس ولا بين ذي وضع آخر وبين ما لا وضع له كالنفس وما يجرى مجريها فان ذلك مما هو واضح لبديهة العقل فاذن علة وجود النفس موجود مفارق غير ذي وضــع دائم الوجود وانما يكون وجود المزاج البدني شرطاً في فيضان النفس عن مبدعها لتدير البدن على مذهب « ارسطو » ولتعلقها به ان كان قبل البدن موجودة وذلك على مذهب « افلاطون » غرض الفيلسوف بهذا الــكلام هو بيان ان مفيض النفس وعلتها الموجدة هو الله سبحانه عز وجل
وتقرير الدليل أن علة النفس لو كانت غير سبحانه تعالى اما يكون هي من ذوات الاوضاع أو من غير ذوات الاوضاع فعلى الاول البديهة تقضي أن ذا الوضع لا يؤثر أي تأثير الا اذا كان المتأثر على وضع منه كالمقارن والمحاذي والمجاور ولولا صلة خاصة بين المتأثر والمؤثر من ذوات الاوضــاع سواء كانت من الاجسام أو من القوى الحالة فيها لم يحصل العلية والتأثير ولا علاقة بين البدن الذي له وضع خاص وبين النفس التي لا وضع لها على ما تقرر في المقدمات السالفة والمستكشفة من آثارها الخاصة وعلى الثاني أيضاً لا صلة بينها وبين ماهو من غير ذوات الاوضاع كـالنفس وما يجري مجريها اذ البديهة تشهد بأن النفوس ممتازة بعضها عن بعض ولا صلة بينها ثم أنه سبق في الابحاث الماضية أن « أفلاطون » يرى النفوس موجودة قبل وجود البدن و « أرسطو » يرى الابدان شرطاً لفيضانها عن المبدع تعالى وعلى الرأي الاول وجود المزاج البدني شرط لتعلق النفس به وعلى الرأي الثاني هو شرط لفيضان النفس عن المبدع تعالى اليه
المتن : (وأيضا لا يجوز أن يكون البدن ولا مزاجه شرطاً في بقاء النفس لان النفس هي الحافظة والمبقية للبدن ومزاجه بتدبيرها وايراد الغذاء عليه بدلا عما يتحلل منه فان كان البدن أو امزاح شرطاً في بقاء النفس لزم الدور) أي يتوقف بقاء النفس على وجود البدن اذ هو شرط في بقائها على الفرض ويتوقف بقاء البدن على وجود النفس لانها هي الحافظة والمبقية له بتدبير الغذاء عليه بدلا عما يتحلل
( ولما فاضت النفس عن مبدعها على البدن أو تعلقت به على أي المذهبين كان لم يبق للبدن ولا لشيء مما يتعلق به تأثير عليته ولا تأثير شرطيته في وجود النفس ولا في بقائها فلا تضر النفس فقدان البدن أو قطع العلاقة بينه وبينها بوجه وتبقى النفس موجودة دائمة بدوام مبدعها ومفيضها لوجوب وجود المعلول مع وجود علته واستحالة انفكاكه عنه وهو المطلوب )
الشرح : كانت مباحث الرسالة ثلاثة أركان أولها اثبات تجرد النفس الناطقة والثاني اثبات ان مبدع النفس هو الله تعالى الثالث اثبات بقائها بعد بوار الجسد وهذا الكلام عنوان الامر الثالث بدليل بسيط وبيانه انه ثبت ان مفيض النفس للبدن هو الله تعالى عز شأنه فعلى المذهبين أي مذهب « افلاطون » ومذهب « ارسطو » لم يبق للبدن ولا لشيء مما يتعلق به تأثير عليته وتأثير شرطيته لان مفيضها هو الله تعالى وكذلك لا يبقى له تأثير في بقاء النفس أيضا لانه لم يكن علة في وجود النفس فليس علة في بقائها فلا يضر النفس فقدان البدن وقطع العلاقة بينه وبينها ولما كانت علتها علة سرمدية فالمعلول أيضا يبقى ببقاء علتها على الدوام لان وجود العلة يستلزم وجود معلوله ويستحيل انفكاكه عنها
المتن ( وبوجه آخر نقول كل أمر يكون في شيء من الاشياء بالقوة ثم خرج الى الفعل وجب ان يكون ذلك الشيء الذي كان فيه ذلك الامر باقيا عند خروج ذلك الامر الى الفعل حتى يصح الخروج من القوة الى الفعل وان انعدم ذلك الشيء عند خروج ذلك الامر من القوة الى الفعل لما كان الامر الذي كان فيه بالقوة خارجاً منه الى الفعل ( ماغير (١) نطفة ) ( كما في نطفة ) الانسان فان الانسانية في مادتها بالقوة ولا بد من وجود تلك المادة عند صيرورتها انساناً بالفعل والا لما كان ذلك الانسان من تلك النطفة وصورة النطفة لما كانت عند خروج الصورة الانسانية الى الفعل غير باقية لم تكن الصوره الانسانية في تلك الصوره بالقوه بل امتنع جمعها في تلك الماده ولذلك لما خرجت هذه الى الفعل في مادتها فنيت تلك فيها واذا تقررت هذه المقدمة فنقول لو جاز الفناء لكان الفناء فيها حال الوجود بالقوه واذا خرج الفعل وجب ان تكون النفس مع فنائها موجوده فهذا خلف . اذاً ثبت انه لا يجوز عليها الفناء)
تقرير الدليل انه اذا كان في ذات شيء استعداد خروج أمر من القوة الى الفعل كاستعداد نشو الانسان من النطفة ونمو الثمره من الشجره أو استعداد ظهور آثار الحواس الظاهرية والباطنية من الدماغ فلا بد من بقاء هذا الامر أي المحل حال خروج ذلك الامر من القوه الى الفعل ومن الاستعداد الصرف الى الوجود وهذا مما لا ريب فيه ببديهة من العقل اذ لو لم يكن ماده النطفة أو الشجره أو الدماغ باقية حين خروج ذلك الامر من القوة والاستعداد الى الفعل . لم يظهر الانسان والثمره وآثار الحواس في عالم الوجود وما كان من أجزاء المحل أو عوارضه تنعدم وتفنى عند خروج الامر الى الفعل يستكشف منه ان الشيء الخارج الى الفعل لم يكن في ذلك الجزء والعارض كفناء صوره النطفة ومادة الثمرة الاصلية في نشوء الانسان ونمو الثمرة بل أمتنع جمع الصورتين في مأدة واحدة فعليه لو كانت النفس الناطقة قابلة للفناء ليلزم بقائها حين خروج الفناء الى الفعل والفناء والبقاء ضدان لا يجتمعان في محل واحد وفي آن واحد ولما مهد المقدمة ورتب عليها الدليل أخذ في دفع الاعتراضين الذين ربما يتوجهان اليه فبين أولهما بقوله ( « فان قيل فعلى هذا لتقدير لا يكون الفناء جائزاً على موجود أصلا » ) بتقريب ان الحس والاختبار يثبتان فناء كثير من الموجودات مع ان هذا الدليل شامل لها أيضاً اذ استعداد الفناء في الموجودات الفانية اذا خرج الى الفعل يلزم بقاء ذي الاستعداد بهذا الدليل في حين سير الامر من القوة الى العفل والفناء والبقاء ضدان لا يجتمعان ! فدفعه بقوله : ( قلنا الفناء جائز على كل موجود ممكن يكون حالا في محل ويكون في محله قوة انعدام ذلك الموجود عنه فاذا خرج انعدامه الى الفعل كان المحل باقياً مع ذلك الانعدام كصوره النطفة التي تنعدم عن مادتها وتكون تلك الماده مع انعدامها موجوده وبهذا الدليل لا ينعدم شيء من الموجودات سوى ما يحل في محل كالصوره والاعراض وما يركب منهما ومن غيرهما كالجسم الذي ينعدم باحد جزئيه وهو الصوره ) . خصص الفيلسوف بهذا الكلام الفناء على موجود ممكن حال في محل كالصور والاعراض ويكون المحل مستعداً أللبقاء مع فناء ذلك الحال وزواله عنه كصوره النطفة الفانية مع بقاء ماده النطفة والفناء على رأيه يختص في الموجودات بما يحل في محل الصور والاعراض وما يركب منهما كالجسم بوصف الجسمية الفاني بفناء صورته التي هي أحد جزئيه وبين ثاني الاعتراضين بقوله : ( فان قيل لو كانت النفس مركبة من حال ومحل كالجسم لجاز عليها العدم ) ودفعه بقوله : ( قلنا لا يجوز العدم على الجزء الذي هو المحل ونحن نعني بالنفس ذلك الجزء دون ما يحل فيه فان النفس كما تقرر شيء يرتسم فيها كثير من الصور بحيث يحدث فيها ويزول عنها وهي لا تنعدم بانعدامها واذا ثبت أن النفس ليست بصورة للبدن ولا بعرض حال فيه ولا مركبة من حال ومحل ثبت أن الفناء لا يجوز عليها )
مفاد هذا الكلام على اختصار تام أن النفس لو كانت مركبة من حال ومحل كالجسم المركب من الصورة الحالة والمادة التي حلت الصورة فيها وقوام الجسم بهذين الجزئين لتوجه الاعتراض ولكن النفس ليست مركبة منهما بحيث يكون قوامها بهما كالجسم وذلك انا نرى ان كثيراً من الصور يحدث فيها ويزول عنها فهي مع ذلك الحدوث والزوال باقية ثابتة فالنفس هي المحل الذي يحدث فيها الصور ويزول عنها واذا ثبت أن النفس ليست بصورة للبدن ولا بعرض حال فيه ولا بمركبة من حال ومحل فالفناء لا يجوز عليها ( هذا ما حضرني في الوقت مع اشتغال القلب مما أستند به من كلام العلماء في هذا الباب والله أعلم بحقيقة الحال
— الحواشي —
[32] (١) هذه الخاصة اي ادراك الخيال الا مور من غير احتياج الى الوضع هي التي تميز الحواس الباطنية عن الظاهرية
[34] ( والنسخة الاصلية كذلك والعبــارة أي قوله فــكل ذو وضــع الخ
[34] (١) العبارة لعلها زائدة
[35] (١) قد يدعى ان الصورة في المرآة نور محدود فيقبل الاشارة الحاصرة بخلاف ما في خارج المرآة فانه نور غير محدود ويأبى الاشارة الحاصرة ه . ن
[35] (٢) وقد يدعى مثل ذلك في الحياة بل وفي الروح ويدعى انها تأبى الاشارة الحاصرة ه . ن
[35] (٣) الاشارة الحاصرة من لوازم ذوات الاوضاع وأما الاشارة غير الحاصرة كالاشارة الى الهواء المثبوت في الفضاء فلا يحصر المشار اليه في جهة تخصه ولا تدل على ان المشار اليه ذو وضع ه . ن
[36] * (١) فيه تأملٌ على ان النور المنتشر وساير القوى المبثوثة تابى الاشارة الحاصرة التي من لوازم ذوات الاوضاع ه ن
[44] (١) كانت عبارة الاصل حسبما أثبتناه .