Comma for either/or — dharma, courage. Spelling forgiving — corage finds courage.

    Kitāb mīzān al-ḥaqq fī al-manṭiq

    First Discourse: The Self-Evident Propositions

    Salīm al-Jazāʼirī

    citations · figures & ideas

    لقد علمت من المقدمة ان العلم اما ( تصور ) او ( حكم ) وان كلا منها اما ( اولى ) او ( مكتسب ) . فمطلوبنا هنا هو المكتسب . الا انه لما كان يتوقف كما اسلفنا علَى الاوليات وجب ان نقدمها

    المقالة الاولى

    الاوليات

    التصورات الاولية : هي كما سبق المفردات التي يعرفها المخاطب حق المعرفة فلا يحتاج الى ايضاح وتفصيل عليها نحو كتاب ، يد ، فم ، شبع ، موت ، حي ، مدور ، احمر ،

    والتصديقات الاولية : هي الاحكام التي يصدق بها كل عاقل عقب تصورها ويحكم بصحتها وتطمئن لها نفسه ويقطع بانه لا يغير اعتقادة فيها شيء ولا يتوقف في تجهيل مناقضها وتكذيبه والحكم بنقصان عقله

    وهي وان كانت كذلك فان الاذهان تختلف في مسرعة تصورها . ومنها ما لا ينتبه له اكثر الناس فيخالفونها بحيث لو نبهوا عادوا اليها اللهم ان كان العقل سالمًا . ولنورد لك امثلة عليها :

    ١ ــ الضدان لا يجتمعان . فلا يمكن ان تكون دعوى في وقت واحد ومن وجه واحد صادقة وكاذبة معًا . ولا يمكن ان يكون شيء موجودًا ومعدومًا في آن واحد

    ٢ ــ يجوز اطلاق الوصف العام علَى كل فرد من افراده علَى الانفراد مثل حكمك علَى سعيد بانه متفكر لعلمك بان الانسان متفكر . الا انه يجب عليك قبل الحكم ان تتحقق بان ذلك الشيء هو من جملة الافراد اذ قد تلتبس الاشياء لدقة الفرق بينها وخفائه . مثل انك تعلم ان الجبن نافع فلو رأيت قطعة جبن لا تحكم عليها حالًا بالنفع مالم تتحقق وجود شرائط الجبن فيها . فان من شرائطه ان يصنع في اناء غير مزنجر والا فيكون سامًا قتالًا وكذلك بعض انواع العسل سامة لوجود مادة في الزهور التي احضر النحل ذلك العسل منها وغير ذلك .

    ولا شك ان الافراد غير الاجزاء فاذا حكم عَلى الفرد بما حكم به عَلى الكلي فلا يحكم دائمًا عَلى جزوء الشيء بما حكم به عليه كله مثل انا نقول ان الانسان ناطق ولكن لانقول بان يده ناطقة او رجله . ونعلم ان ( قلورور الصوديوم ملح الطعام ) صالح للاكل ، ولكن لا نستنتج من ذلك ان ( القلور او الصوديوم ) صالح للاكل . وايضاح ذلك : هو انا قد حكمنا في المثال الاول بالنطق عَلى الانسان . فكل ما ساغ لنا ان نطلق عليه لفظ انسان نحكم عليه بالنطق تبعًا لحكمنا الاول ولما كانت يد الانسان او رجله وحدها لايطلق عليها لفظ انسان لم يجز لنا ان نحكم عليها بما حكمنا به عليه . وكذلك الامر في ( القلور ) . فانه متى انفصل وحده فلا يقال له ملح الطعام ولهذا لايجوز ان يحكم عليه بما حكم به عَلى الملح بالقياس والحمل بل ينبغي فحصه وتجربته واما لو رأينا قطعة صغيرة من ثمرة صالحة للاكل فانا نحكم بانها صالحة للاكل . لانها بصغرها لم تخرج عن كونها من ذلك الثمر ويجوز اطلاق اسم الثمر عليها بدون قيد . كما لو رأينا حزة من برتقالة فانا نقول البرتقال صالح للاكل وهذه برتقال .

    ٣ — اذا انحصر وصف في جنس او نوع او صنف وجب نفيه عن غيره وذلك مثل انا نعلم ان جنس الفرس صاهل بطبعه وبعد التفتيش والتدقيق وجدنا ان هذه الصفة انحصرت في هذا النوع ولم توجد في غيره فنحكم حينئذ بان الحمار ليس بصاهل بطبعه ولا الجمل ولا الطير . وكذلك كل من يعتقد انه لا يعلم الغيب الا الله يحكم بدون تردد ان الانسان لايعلم الغيب لا العالم ولا الصحابي ولا النبي

    ٤ — ما حكم به عَلى البعض لا يحكم به عَلى الكل ولا عَلى فرد معين ما لم يتحقق انه من ذلك البعض . مثال ذلك لو قيل لنا ان التاريخ يقول ان اكثر حكام مصر كانوا ظالمين فلا يخولنا هذا الحكم ان نقول كان كل حاكم مصري ظالمًا او ان نعين شخصًا ونقول مثلا رعمسيس الحاكم كان ظالمًا . مالم نتحقق اولا : انه كان من حكام مصر وثانيًا انه كان من عداد الظالمين

    ٥ — لايحكم بحكم كلي عام مالم تستقرأ جميع الافراد فانك اذا رأيت خمسين هنديا كلهم علماء لايخولك هذا ان تقول جميع اهل الهند علماء مالم تفحصهم كلهم والا كان استقراؤك ناقصًا وحكمك باطلًا مردودًا ولو رأيت شاميًا سرق لاتحكم بان جميع الشاميين سرقة او تركيا كذب فلا تحكم بان الاتراك كذبة ومثل هذا لو رأيت في كتاب بعض خرافات فلا تقل ان جميع ذلك الكتاب خرافات او لو تحققت ان بعض مؤلفي العرب قد خلطوا في كتبهم فلاتحكم بان جميع كتب العرب خلط وهذر وهذا لايفعله الا ضعفاء العقول .

    ولهذا لا يقبل برهان من يستدل عَلى وجود الباري بدلالة الاثر عَلى المؤثر اذ لو سئل عن كيفية ذلك لاجاب بانه رأى السفينة تدل عَلى النجار والبناء عَلى المعمار ولكن لو قيل له هل استقرأت جميع الموجودات ومن ذلك هذه الكرة الارضية والكواكب قبل حكمك هذا بقولك ( لابد لكل اثر من مؤثر ) ؟ لقال لا ! ومثل ذلك قولهم لابد لكل حادث من محدث وما اشبه ذلك . ولا خفاء أن التمسك بادلة كهذه لاثبات وجود الباري مما يترك مجالاً لاعتراض المعترضين ويورث الشك في قلوب الضعفاء من المعتقدين ولهذا سلك المحققون طرقًا اخرى يعرفها من له اطلاع علَى كتبهم . وبمناسبة هذا الباب اذكر ما يروى من ان امرأةً رأت حجة الاسلام الامام الغزالي رضي الله عنه مارًا وخلفه جمع عظيم من العلماء الاعلام ومريديه الكرام فسألت عنه فقيل لها انه الامام الغزالي الذي اقام الف دليل علَى وجود الباري تعالى جل شأنه . فقالت: والله لولم يكن عنده الف شك لما اقام الف دليل ( كأنها تريد بان الاعتقاد بوجود الباري اصلي اذ هو فطري في الانسان والانكار يطرأ علَى الذهن اخيرًا فهو دعوى وعلَى المدعي البينة )

    ٦ ــ اذا اتفق وجود وصفين او اكثر في شيء او اتفق وجود خاصتين من الخواص او اكثر له فلا ينبغي اجتماعها دائمًا . اي لا يحكم بوجود البواقي بمجرد وجود احداهن مثال ذلك اذا كنا نعلم ان الحديد اسود وصلب فلا ينبغي ان نقيس عليه كل ما وجدناه اسود ونحكم عليه بالصلابة

    ٧ ــ ما كل مستحسن ومألوف بحق ولا كل مستقبح ومنفور بباطل فرب افعال تستدعيها طيب المعاشرة او الحياء او رقة الطبع ويستحسن الانسان اتيانها علَى انه يعرف حق المعرفة انها غير حق ولا صواب وعلَى هذا ما ألفه الانسان من العادات والاخلاق والاصطلاحات والمذاهب والنحل فانك ترى كل حزب بما لديهم فرحون يقرّون ما يعتقدون ويستحسنون ما يفعلون ويردون ما ناقضه وعنه ينفرون مع ان الحق في واحد وخلافه باطل وان استحسنه اهله وألفوه

    وكذلك يقال ( ما كل عمل صدر عن نية حسنة حسنًا ) حتى قيل في الامثال عدو عاقل خير من صديق جاهل وقال الشاعر :

    فعل الجميل ولم يكن من قصده ٭ فقبلته وقرنته بذنوبه ولرب فعل جاءني من فاعل ٭ فحمدته وذممت من يأتي به

    وقال آخر :

    ومن العداوة ما ينالك نفعه ٭ ومن الصداقة ما لا يضر ويؤلم

    وقال المعري :

    لا تشكرن الذي يوليك عارفة ٭ حتى يكون لما اولاك معتمدا

    وقال الرسول الصادق صلى الله عليه وآله في حديث شريف ذكره سيدنا الامام علي ابن ابي طالب كرم الله وجهه في خطبة له ( ان الله يحب العبد ويبغض عمله ويحب العمل ويبغض بدنه )

    وكذلك يقال ما كل نافع حقًا ولا كل مضر باطلاً : فقد ينفع الكذب علَى الاطفال في ردعهم عما يضرهم علَى انه باطل وقد يتولد ضرر عن الصدق على انه حق وقد تنفع بعض الاديان الباطلة منتحليها في تهذيب اخلاقهم مع قيام الدليل علَى بطلانها

    وكذا يقال ما كل نافع من وجه نافعًا من جميع الوجوه ولا كل مضر من وجه مضرًا من جميع الوجوه . مثل انا نعلم ان السليماني سم قاتل فلا نقول انه مضر من كل الوجوه اذ انه نافع في مداواة الجروح وغيرها وكما لو وقع كتابيٌ في يد مجوس اسيرًا وادعى انه مجوسي وتخلص بكذبه . فلا نقول ان الكذب نافع وخلاصة القول ان الاستحسان ليس ببرهان

    ٨ ــ انتفاء امر عن شيء لا يوجب انتفاء امر آخر لا ارتباط له بالاول ولا اثباته مثل ما اذا قيل لنا خالد ليس في بيروت . فهذا الحكم لايخولنا ان نحكم بانه ليس ايضًا في حلب ولا ان نحكم بانه في بغداد بل يبقى محل وجوده مجهولًا لدينا والذي نتعلمه من هذا الحكم هو انه في بلدة غير بيروت وكذلك لو قيل لنا لا مال عند ابراهيم فلا ينتج عنه انه لاعقل له ولا انه عاقل ولا نحكم بانه لاعلم له كما لانحكم بانه عالم . وكثيرًا ما تحدث اغلاط في مثل هذا . مثل ان نقول لبعضهم فلان لايعرف الشعر فيقول اذًا لايعرف شيئًا

    ٩ — الالفاظ والاحكام التي لا ارتباط بينها لا تفيد الا معارف منقطعة ولا ينتج عنها شيء مثل : عنب ، فسطان ، جمل . فان هذه الكلمات لا ارتباط بينها ولا تفيدك الا تصورات مفردة ولو جمعتها لن ينتج عنها شيء وكقولك توفى ارسطو في سنة كذا وسعر الخبز عندنا قرشان فان هاتين الجملتين لا تفيدانك سوى علمين ليس للواحد علاقة بالآخر ولا ينتج عن مجموعها ان البطيخ احمر او اصفر ولا ان الروس غلبوا في حربهم مع اليابان

    وكذلك في كل الامور والاعمال فانك لو رأيت ساعة وعلى جانبها هرة فلا شك بانك لاتحكم عَلى ان الهرة صنعتها . او لو رأيت جملًا في خان فلا ريب انك لا تحكم بانه هو الذي هندسه وبناه . وقد يغرب ادراك هذا الارتباط عن الذهن فتحصل اغلاط كثيرة عجيبة خصوصًا اذا كان بين الامرين مناسبة جزئية غير كافية كمن يرى منطادًا ( بالون ) وطيرًا ويحكم بانه يجره لمجرد كونهما طائرين . او من يرى قتيلًا مذبوحًا وحمّارًا بيده قضيب فيحكم عليه بذبحه لمجرد كون القضيب قد يكون آلة للقتل . واغرب من هذا من يجعل ما ليس بسبب سببًا مثل من يسمع نعيق غراب ويرى ان جماعة من الذين مر عليهم افترقوا فيحكم بان الغراب مفرق الاحباب . فان هذا لو اعمل فكرته وتروى قليلًا لادرك ان الغراب لا يدير دفة الاعمار ولا يتلو كتاب الآجال لعلم خطأه في حكمه ورجم عنه اذ لا رابط بين نعيق الغراب وافتراق الاحباب ولا يمكن ان يكون هو السبب في ذلك وما احلى اقال الشاعر العربي ابو الشيص :

    ما فرق الاحباب بعـ ٭ ـد الله الا الابل والناس يلحون غرا ٭ ب البين لما جهلوا وما عَلى ظهر غرا ٭ ب البين تطوى الرحل ولا اذا صاح غرا ٭ ب في الديار ارتحلوا وما غراب البين ا ٭ لّا ناقة او جُمل

    وكل تطاير وتفائل . وقولهم اليوم الفلاني نحس والساعة الفلانية سعد كله من هذا القبيل ولله در القائل :

    لا يعلم المرء ليلًا ما يصبحه ٭ الا كواذب مما يخبر الفال والفال والزجر والكهان كلهم ٭ مضللون ودون الغيب اقفال

    وقال المعري في مثل هذا المعنى :

    لقد بكرت في خفها وازارها ٭ لتسأل بالامس الضرير المنجما وما عنده علم فيخبرها به ٭ ولا هو من اهل الحجا فيرجما يقول غدًا او بعده وقع ديمة ٭ يكون غياثًا ان تجورد وتسجما ويوهم جهال المحلة انه ٭ يظل لاسرار الغيوب مترجما ولو سألوه بالذي فوق صدره ٭ لجاء بمين او ارم وجمجما كأن سحابًا عمهم بضلالة ٭ فليس الى يوم القيمة منجما

    وما اكثر ذلك عند جهال العوام والنساء وما اكثر ما سمعناه من ان فلاناً قطع الشجرة الفلانية فاحترقت داره . وتصبح تلك الشجرة ولية من الاولياء مع اعتقادهم بان الله لم يتخذ ولياً من الحطب . وما وقعوا في مثل هذه الخزعبلات الا لضعف في عقولهم يمنعهم عن ادراك الاوليات البسيطة ولما رسخ في اذهانهم مما تعلموه في الصغر من العجائز او الخدم او مما قرأوه من القصص والحكايات . ولقد تسمع بعضهم يقول ان فلاناً كان ماراً بقرب الحائط الفلاني وهو سكران فتمثل له شخص اراد ان يخنقه فتاب فلا بد من ان يكون ضريح ولي او نبي في ذلك الحائط . ولو قلت له سمعت بانه وهو علَى تلك الحالة ذهب الى القاضي وشهد علَى فلان بكذا وكذا لاجابك بانها لا تقبل شهادته وهو لا يعقل علَى انه قد قبل هو منه شهادته علَى وجود النبي في الحائط

    وقال لي مرة شخص اني سألت والدي وهو في النزع ما تقول في ما قال فلان في كتابه فقال كل ما فيه صدق ولذلك انا اعتقد بصدقه فقلت له ارأيت لو اوصى ابوك وهو علَى تلك الحالة بماله لاحد هل كنت تعترف بذلك قال لا لانه لا يعقل فقلت اذاً كيف قبلت شهادته علَى صدق فلان وكتابه فبهت . ومثل ذلك في الغرابة قول من يقول الانسان يسير والطير يطير فالله علَى كل شيء قدير ولعمري انه لصديق للدين جاهل .

    وقال الامام الغزالي في مثل هذا المعنى : لو قال قائل اربعة اكثر من عشرة وانا ابرهن علَى ذلك باحالة هذه العصاة حيةً ثم فعل لكنت دهشت من حيلة العامل ولكن كنت ابقى علَى يقيني بان اربعة اقل من عشرة . اذ لا تعلق بين قلب العصاة حية و بين كون الاربعة اقل من العشرة فلا ينتج هذا من ذاك

    ١٠ — سقوط الدليل وفساده لا يوجب فساد المدلول عليه ولا يثبت ضده مثل انه . لو قال احد ( القسطنطينية هي عاصمة تركيا ) والدليل علَى ذلك كونها علَى شاطئ البحر . ففساد دليله وهو ( كل بلدة واقعة علَى شاطئ البحر هي عاصمة ) لا يوجب فساد دعواه وهي كون القسطنطينية عاصمة تركيا . ولا يثبت ان ماردين او كيلان هي العاصمة

    فلينتبه الى ذلك لان ضعف الدليل يوقظ الشك و يوقع الشبهة في قلب السامع على صحة الدعوى المبرهن عليها

    مع هذا لا تنسى ايضا ان جهل السبب او الفاعل او المصدر او المرجع او الجهل بالشيء نفسه لا يؤيد صحة الدعوى : اذ لا يرى اسخف ممن يقول انا عالم بالطب ودليلي علَى ذلك جهلك به . او من يرى حائطاً هدم و يقول لك انا دعوت عليه فهدم ودليلي علَى ذلك انك لا تعرف لانهدامه سبباً آخر . او من يشير علَى شيء بعيد و يقول هذا مصنوع من حديد وان لم تصدق فقل لي مما ذا هو مصنوع . او من يأتي بعمل غريب و يقول هذه من كراماتي وان لم تصدق فأت بمثلها . فجهلك بصنعته ومهارته لا يؤيد دعواه

    وعلى هذا النمط كل من يدعي علم الغيب كالمشعوذين والعرافين والمنجمين وقارئي الافكار وغيرهم . فانهم اناس مهروا في خداع الحواس واتخذوها حرفة لهم ولهم فيها علائم وامور وحيل وخفة ومهارة يتسلطون بها علَى افكار الناس وليسوا سوى اصحاب صنعة كالحدادين والنجارين وغيرهم وجهلنا بصنعتهم لا يؤيد دعواهم كما يزعمون من انهم متفقون مع علام الغيوب وانه هو الذي يلهمهم هذا العلم بواسطة الملائكة او الشياطين حسب المقاولة التي بينهم وبينه . فان صحة هذه الدعوى تتوقف علَى قيام الدليل علَى عدة امور ولا يتخدع بكراماتهم هذه الا البسطاء والمجاذيب ومن الناس من يحاول تعليل تلك الخزعبلات بطرق فنية طويلة عريضة كثيراً ما يكون جلها تلفيقاً واستنباطاً لا اصل له مع ان السبب يحتمل ان يكون بسيطاً جداً الا انه لا يعلمه الا اهل تلك الصنعة او من اطلع علَى سرهم وعلى كل جهلنا به لا يؤيد دعواهم . وليس من المعقول ايضاً اسناد خاصة ما الى موجود ؛ تثبت له تلك الخاصة بالبراهين القطعية المقنعة لتعليل امر صدر عنه ولم يدرك سببه .

    ١١ — ليس كل ممكن بواقع ؛ فانا نتصور غراباً ذا اربع ارجل ، ولا يستحيل علينا ذلك ، ولا نرى له مانعاً ، ولكنا لا نحكم بوجوده ، لانا لم نتحقق ذلك . ونرى شخصاً يشبه فلاناً العالم ، فنقول عنه ، يمكن ان يكون هذا عالماً ، ولكنا لا نحكم بعلمه ما لم نتحققه . وعلَى مثل هذا بنى ارباب الفراسة علمهم ، ولذلك لا ينبغي الاخذ به الا من قبيل الممكن ؛ اي ظناً وتخميناً ، لا جزماً ويقيناً . ومن هذا القبيل ، اذا قيل ان الله قادر على ان يخلق جملاً يتكلم بالعربية وينشد الاشعار ، فلا يخولنا هذا ان نحكم بوقوع ذلك ما لم نتأكده

    ومن الاوليات الطبيعية ، المحسوسات الظاهرة ، اذ لا يمكن ان نشك في وجود الاشياء المختلفة الواقعة تحت حواسنا مع صحة الحواس ؛ الا انه قد يتطرق عليها الغلط بعوارض واسباب كثيرة . ومنها ايضاً المشاهدات الباطنة . كعلم الانسان بجوع نفسه ، وخوفه ، وفرحه ، وسروره ، وجميع احواله الباطنة .

    ومما يتبع هذا النوع ايضاً ( المجربات ) و يعبر عنها باطراد العادات اي تلازم الاسباب والمسببات الا ان العقل يحتاج في تصديق ذلك الى تكرار المشاهدة والخبر المتواتر وهو خبر عن امر محسوس نقل عن قوم بالغوا في الكثرة الى حد لا يجوز العقل توافقهم علَى الكذب . والمخبرون ان اخبروا عن عيان بان كانوا طبقة واحدة فقط فالامر ظاهر وان تعددت الطبقات اشترط مثل هذا الجمع في كل طبقة . وان اختل شرط من شروط التواتر كان يكون الخبر من غير محسوس او يكون عن محسوس لكن المخبرون لم يبلغوا عدد التواتر في الطبقة الاولى او بلغوها لكن انقطع في احد الطبقات التي بعدها لم يسم الخبر متواتراً

    ولا سبيل الى حصر حصول اليقين في عدد معين فان قول الواحد يحرك الظن والثاني والثالث يؤكده ولا يزال تأكيده يتزايد بتزايد المخبرين الى ان يصير ضرورياً لا يمكن ان تشكك انفسنا فيه وقوة الاعتقاد تتزايد تزايداً خفياً ان تنقلب الى اليقين من حيث لا تشعر النفس

    واخبار التواريخ وعلم الجغرافيا كلها من هذا القبيل

    والاوليات كثيرة لا حصر لها ، اخذ كل علم منها نصيبه ، فيدرس قبل الخوض في ذلك العلم ؛ وتسمى متعارفات ، اوليات ، او بديهيات ذلك العلم . وعليها يستند واليها يرجع في جميع براهينه ودلائله ؛ كما رأيت في أول كتب الهندسة وغيرها . وقد ذكرت لك هنا الاهم مما يقع في اكثر المحاورات . والمجادلات اليومية لينتبه اليها فان الاغاليط كلها انما ثارت من اهمال الجليات والتسامح فيها او الذهول عنها .

    وللوهم في تغليطنا اعمال قوية ؛ وكذلك المصطلحات وما تلقيناه بالارشاد والتهذيب من الصبى . وما اعتدناه بالمعاشرة والمخالطة ؛ فينبغي لمن اراد ان يميز الحق عن الباطل ان يجرد نفسه عن كل ذلك قبل النظر في الامر