Kitāb mīzān al-ḥaqq fī al-manṭiq
Conception and Judgment
20th Century Salīm al-Jazāʼirī Arabicالتصور والحكم
كل من امعن النظر واعمل الفكر قليلاً علم ان للانسان احساسين احدهما ( ظاهري ) وهو الذي يحصل لنا بسبب تأثير الاشياء الخارجية في اعضاء الحواس والآخر ( باطني ) وهو تفكرنا الخاص في المحسوسات التي تأتي لنا بواسطة الاحساس الاول فهو احساس الاحساس .
وآلات الاحساس الظاهري هي الاعضاء الظاهرة الخاصة بالبصر والسمع والذوق والشم واللمس وكيفية ذلك هو ان بين هذه الاعضاء والدماغ اعصابًا دقيقة شعرية تصل كلاً منها بالدماغ فاذا تأثر طرف هذه الاعصاب الخارجي بالاشياء المحسوسة وصل هذا التأثير الى الطرف الباطني وبه يتأثر الجزوء المخصوص لتلك الحاسة من الدماغ . وهذا التأثر يكون علَى حسب استعداد ذلك الجزوء وكيفيته اذ انه يختلف باختلاف الاشخاص وعنه نشأ كون بعضهم ذكيًا والآخر غبيًا او سريع الحفظ او بطيئه وغير ذلك .
وحين وصول التاثر الى الدماغ نشعر بالاشياء وندركها وهذا هو الذي سميناه احساسًا ظاهريًا . وينطبع هذا الاثر ويبقى مدة قليلة او كثيرة علَى حسب قابلية الجزوء المختص به من الدماغ وهذا ما يسمى حافظة .
وآلات الاحساس الباطني هي هذه الحافظة اذ هي التي تمثل في الذهن صورة الشيء الذي كنا ادركناه اولاً ثم نسيناه وتوقظ فينا عين التأثر الذي كان قد حصل لنا منه من انبساط او انقباض سواء كان منظورًا او مسموعًا او غير ذلك . وهذا التصور هو ما سميناه تصورًا باطنيًا او تصورًا بالواسطة . وقد يسمى ايضا ( تخيلاً ) او ( وهمًا ) بحسب قوة التصور او ضعفه وسلامته او اختلاطه بغيره . وعلَى كل حال فان جميع ما نتصوره راجع الى التصورات الظاهرية وهي راجعة الى ذات الشيء المحسوس الموجود .
ولا يخفى ان في امكاننا ان نستخرج من تصورات عديدة تصورًا واحدًا مثل ان نتصور جناحي نسر ثم نتصور جسم فرس ثم قوائم غزال ثم رأس انسان ثم نجمع بينها جميعها فنتصور فرسًا لها اجنحة نسر وقوائم غزال ووجه انسان وقد نضع له اسمًا قياسًا علَى المحسوسات الخارجية فندعوه مثلا بحصان الجو او غير ذلك . ( وقد نتصور الشيء مبالغًا فيه عن اصله مثل ان نتصور غادةً طولها خمسون الف ذراع وعرضها مناسب لطولها وكالمردة التي يتصورها العامة او علَى العكس في القصر والصغر كتصوراتهم في الجن او يأجوج ومأجوج وغير ذلك )
ولنا طريق آخر في التصور وهو ما يسمي بالتجريد او ( قطع النظر ) وذلك ان نفتكر في الصورة المكتسبة او في بعضها من غير تفكر في موصوفها مثل ان نعد خمس تفاحات ثم نفتكر في العدد فقط بقطع النظر عن معدوده . وانا نلاحظ النسب بين الاعداد ونتناقش في خواص الكسور وغيرها في علم الحساب علَى هذا الطريق اي بقطع النظر عن معدود خاص بعينه . ومثل ذلك اذا لاحظنا بلدتين ولاحظنا الطريق بينها فقد نقطَع النظر عن عرض الطريق وسائر احواله ولا نلاحظ الا طوله وامتداده فقط ثم نقطع النظر عن البلدة وعرضها وطولها ولا نلاحظها الا من حيث كونها مبدأ لذلك الطول وعلَى هذا قال ارباب الهندسة ان الخط مجرد عن العرض والنقطة مجردة عن الابعاد الثلاثة وعلَى هذا الطريق ايضًا جروا في تصوراتهم في السطوح والاجسام عند النظر في خواصها ونسبها . وكما انا بطريق قطع النظر ( التجريد ) نخترع اشياء من التصورات المكتسبة فانا قد نخترع لها اسمًا نسميها بها قياسًا علَى الاشياء الحقيقية مثل الاوصاف كالحسن والقبح والالوان كالابيض والاحمر وبعض الحالات المشتركة العمومية كالموت فانها كلها من مدارك العقل واعتباراته وبطريق ( التجريد ) قطع النظر يتكلم عليها كالاشياء الحسية المحققة ويمكن استعمالها في مدلولات خاصة بالاضافة اليها وذلك علَى سبيل القياس والحمل مثل صلاح احمد وشقاء اسعد وحسن سلمى وبياض هند . وبعض هذه التصورات يسمى ( وهميًا ) كالالوان من حيث هي وكتصور الوجود والعدم والصدق والكذب . وقد نتصور شيئًا فيذكرنا بتصورات اخرى وهذه الاخيرة تسمى ( تصورات تبعية )
ثم انا نحصر انتباهنا في اوصاف الشيء الخاصة به المميزة له عن غيره ونهمل ما عداها مما لا نهتم به بالنظر الى الوجهة التي نقصدها فينتقش مجموع هذه الاوصاف في حافظتنا ويتألف منها تصور يكون مثالاً لذلك المتصور ومقياسًا لنوعه وامثاله في تلك الوجهة المقصودة وهذا ما يسمى ( بالتصور المثالي ) مثل انا نأخذ من الفرس اوصافها التي تميزها عن النبات والجماد ككونها تحس وتتحرك بارادتها ونترك غيرهما مما لها من الاوصاف فيحصل لها عندنا تصور ونسميه بهذا النظر حيوانًا فيكون هذا التصور الذي حفظناه بحق الفرس بهذه الوجهة ، مثالاً عامًا كلما وجدناه انطبق علَى موجودٍ ما سميناه حيوانًا فمثلاً لو رأينا شخصًا وقسناه بهذا المقياس المثالي وجدناه ينطبق عليه تمامًا فنقول عنه بدون تردد انه حيوان
ولنزدك ايضاحًا : خذ الدينار مثلاً فانا نلاحظ شكله من حيث استدارته فقط ونحفظ عنه مقياسًا للاستدارة اي تصور الاستدارة فقط كما سبق في التجريد ونحفظ هذا الشكل المجرد ونطابقه علَى كل ما رأيناه فما وجدناه طابقه حكمنا باستدارته
ثم نزيد علَى وصف الاستدارة كونه معدنيًا منقوشًا بطابع المملكة ونحفظ عنه مقياسًا ونسميه بهذه الوجهة ( سكة ) وكل ما وجدناه طابق مقياسنا هذا قلنا عنه انه سكة
ثم نزيد وصفًا آخر عليها فنلاحظ كونه اصفر ذهبيًا ونحفظ عنه مقياسًا نسميه ( دينارًا ) ونحكم علَى كل ما وجدناه مطابقًا له بانه دينار . وهلم جرًا
ولينتبه الى انا كلما اقتصرنا علَى اوصاف قليلة واتخذنا المقياس صغيرًا عم افرادًا كثيرةً وكلما زدنا في الاوصاف كبر المقياس وضاق علينا مجال انطباقه وقلت الافراد وانحصر ذلك الاسم باعداد قليلة بالنسبة لما قبله حتى انه قد ينتهي بنا الى عدد واحد فقط
وقد اصطلح علَى ان يسمى المقياس الكبير اي الاسم الذي يشمل افرادًا كثيرةً ( بالجنس ) والوصف الذي زيد عليه لاتخاذ المقياس الذي بعده واصغر منه يسمى ( نوعًا ) ثم ( فصلاً ) ثم ( عرضًا عامًا ) ثم ( خاصةً ) وهذه الاسماء الخمسة دعيت بالكليات الخمس وان زاد عددها علَى ذلك قيل ( الجنس البعيد ) لما هي غاية في البعد ثم ( الجنس القريب ) ثم ( النوع ) ثم ( الفصل البعيد ) ثم ( الفصل القريب ) ثم ( العرض العام ) ثم ( الخاصة )
ويحد الجنس عند المناطقة بانه كلي مقول علَى كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ( ما هو ؟ ) ومنه قريب ومنه بعيد كما سبق واعمها يسمى جنس الاجناس . والجنس عند العامة يقال علَى المعنى الذي يشترك فيه كثيرون كالابوة والبلدية والاب والبلد .
والنوع يحد بانه كلي مقول علَى كثيرين مختلفين بالعدد دون الحقيقة في جواب ( ما هو ؟ ) واما النوع الاضافي فهو كل جنس بالنسبة الى الجنس الذي فوقه . والنوع عند العامة صورة كل شيء وخلقته
والفصل هو ما يميز الشيء عما يشاركه في جنسه اي هو صفة النوع المنحصرة في افراده وفصل النوع الاضافي بالنسبة الى النوع الحقيقي يسمى فصلاً بعيدًا
والعرض العام هو كل صفة من اوصاف المطلوب التي تطلق عليه وعلَى ما هو من حقيقة غير حقيقته كالتحرك بالارادة بالنسبة الى الانسان فانه يقال عليه وعلَى غيره من الحيوانات
نكتة ــ بما ان المناطقة قيدوا وصف ( متحرك ) بشرط ( بالارادة ) سقط الذين حركاتهم وجميع اعمالهم تابعة لارادة الغير
والخاصة هي كل صفة تنحصر في المطلوب ولا توجد الا في افراده ان كان له افراد كالضاحك بالطبع بالنسبة الى الانسان فانها منحصرة في افراده هذه هي اصطلاحات اهل المنطق وامثلتهم عليها : الحيوان جنس والانسان نوع والناطق فصل والبادي البشرة عرض عام والضاحك بالطبع خاصة
تبين لك من كل ما سبق ان كل تأثر لانفسنا له مدخل في ادراكنا وتخيلنا يسمى تصورًا وان التصور ان كان ظاهريًا فهو انتقاش صورة المادة المحسوسة او اثرها في الحافظة وان كان باطنيًا فهو استحضار تلك الصورة في الذهن وان كان بطريق التجريد فهو تصور تلك الصورة مع قطع النظر عن مادتها ... وغير ذلك
وترى انها كلها ليس فيها حكم بشيء علَى تلك الصورة بل ارتسامها او استحضارها وتخيلها فقط . كقولنا : كتاب ، طير ، سعيد ، علم ، موت ، دائرة ، مخروط ، موجود ، جسم ، حي ، حساس ، سهل ، جميل
واما لو قلنا ( ان عمر زنجي ) فان قولنا هذا يشتمل علَى تصورين مفردين احدهما عمر والآخر زنجي اذ انا تصورنا عمر ثم تصورنا ما نعني بزنجي وادركنا ان بينهما ارتباطًا واتحادًا فضممناهما وجعلناهما كشيء واحد . وكذلك لو قلنا هذا الموضوع جميل فانا نكون قد تصورنا هذا الموضوع وتصورنا ما نعني ونقصد هنا بالجمال فوجدنا ان بينهما ارتباطًا واتحادًا فضممنا هذين التصورين وجعلناهما كشيء واحد اشرنا عليه بقولنا هذا الموضوع جميل
وهذه الحركة العقلية تسمى ( حكمًا وتصديقًا ) . وعلَى هذا فالحكم حركة العقل وادراكه كون الشيء موجودًا علَى حالةٍ من الحالات او مجردًا عنها . ولا بد من ان يسبق ذلك تصور . اي ان الحكم فرع عن التصور
ولا بد لكل حكم من تصورين الاول تصور المحكوم عليه ويسمى موضوع الحكم والثاني تصور المحكوم به ويسمى محمولاً ومقولاً وهناك شيء آخر وهو حركة العقل لجمعهما . وتسمى النسبة الحكمية والعبارة التي يؤدي بها الحكم تسمى ( قضية ) وموضوع الحكم موضوعها ومحموله محمولها وبينها رابطة الاعراب او الضمير العائد من المحمول الى الموضوع وتلك الرابطة هي النسبة
والحكم قسمان ايجابي وهو اثباتك ادراك حقيقة كقولك العلم نافع وسلبي وهو نفيك نقيض ما ادركته كقولك العلم ليس بضار
وللايجاب والسلب ادوات والفاظ خاصة وقد يستغني بها عن ذكر الحكم باسره كقولك نعم اولا في جواب سؤال . وقد يستغنى عن هذه ايضًا ويكتفى بالاشارة باليد او بشيء . وقد يكتفى بمشاهدة حالات طبيعية مخصوصة في الحكم علَى امرٍ ما كالحمرة علَى الخجل والصفرة علَى الوجل .
ولا يخفى ان كل حكم سلبي يتضمن ايجابًا . اذ سلب كيفيته عن شيء يدل علَى تحقيق عدمها فقولك زيد ليس بسارق يدل علَى تحقيق انتفاء وقوع السرقة منه . والحكم بالنظر الى وقوعها سلبي وبالنظر الى تحقق انتفائها عنه ايجابي
والحكم اما ان يكون ( اوليًا ) اي ظاهرًا واضحًا تطمئن له النفس وتصدقه ويحكم به العقل عقب تصوره كما في قولنا : الكل اعظم من جزئه وكقولك طرفا النقيض دائمًا يكون احدهما صدقًا والآخر كذبًا . او لا يمكن ادراكه ما لم يدرك قبله اشياء اخر ويسمى مطلوبًا و ( مكتسبًا ) كما لو اردنا ان نعلم ان العدل اساس العمران . فنحتاج اولاً ان يحصل لنا التصديق بان العدل يبعث الناس علَى الاطمئنان علَى انفسهم واموالهم وان هذا الحال هو اساس البواعث الى الرفاه وان حب الرفاة يدعو الى جلب المال بالصناعات والزراعة والتجارة والى ترقية هذه الامور وتوسيعها وهو العمران وحينئذ نعلم ان العدل اساس العمران
ولا محالة ينتهي هذا التصديق الى تصديق اولى غير محتاج الى تصديق سابق . فالتصديق المطلوب لا يحصل الا بتصديقات هو مرتبط بها فتسرد قبله . وكلما كانت هذه واضحة مقررة كان المطلوب اوضح واقرب الى قلب السامع واطمئنت له نفسه بسرعة . ومهارة الخطباء والمدعين هنا في ادراك هذه التمهيدات وانتقاء اقواها وترتيبها علَى صورة توجب قناعة السامع بلزوم المطلوب وتوجد في نفسه لزومه وتصديقه ضرورةً
ومثل ذلك التصور الذي هو اساس التصديقات والاحكام فانه اما ان يكون ( اوليًا ) لا يطلب بالبحث ولا يحتاج في تصوره الى تصور قبله كالمفردات المدركة بالحس مثل : كتاب ، جبل ، فرس ، وكبعض المعاني المركوزة في الذهن بتأثير الممارسة والالفة مثل : موجود وممكن وحي وميت . واما ان يدل اسمه علَى امرٍ مجمل غير مفصل فيطلب تفصيله او علَى شيء مجهول لدى السامع فيطلب ايضاحه بالتعريف والحد الصحيح وهذا ايضًا يسمى مطلوبًا و ( مكتسبًا ) مثل تعريف الفيل لمن لا يعرفه ولم يره وغير ذلك من المفردات . فانا نعرفها له بكلمات مدلولاتها اولية عنده وهو يضم ما تصوره عنها الى بعضه علَى الترتيب الذي سردناه له . وكلما زدناه شيئًا زاد في الضم والطي الى ان يتم تصوير ما اردناه في ذهنه وكلما كانت المميزات له عن غيره واضحة تامة كان تصوره تامًا واقرب الى الحقيقة . والمهارة هنا في ايضاح المميزات وترتيبها وهذا يختلف باختلاف نباهة المعرف . علَى ان الانسان منطقي بالفطرة بما امتاز به من قوة العقل فبه يحد الشيء ويقسمه ويستدل عليه ويقايسه وينظمه الا ان اكثر الناس لا يعقلون ينظرون ولا يبصرون ويسمعون ولا يعون بل منهم من لا يفقهون قيلا
الا ترى ان الخطباء والمدعين يختلفون كل الاختلاف في حسن الاداء ووضوح البيان . والسامعون يتفاوتون في قوة الانتباه ودقة الخاطر . وكثيرًا ما تحصل اغلاط في التصوير والتصور وطلب التصديق وحصوله فلا يفرق بين التصور التام والناقص عنه والتصديق اليقيني والقريب منه والشك وغالب الظن ولا يميز بين ما يعتقد من حق او باطل وبين ما يفعل من خير او شر وبين ما يقال من صدق او كذب وقد قال بعضهم لكل انسان لسان ولكل لسان بيان وليس لكل لسان سنان ولا لكل بيان برهان وما كل ذي قلب بلبيب وكل انسان ذو نطق وما كل ذي نطق بأريب وكل انسان ذو عقل وما كل ذي عقل بعاقل
وقل ابو سليمان المنطقي في هذا المعنى : معارف الناس بالقول المجمل عَلى التقريب تنقسم اصولها الى الظن والوهم والحدس والعقل واليقين والشك والغالب السابق والالهام والايجاس والخاطر والسانح واللائح ثم ان هذه كلها تتجاور مرة وتتلابس مرة وتتراءى مرة وتتوارى اخرى . ولن يخلص مطلب من المطالب ولا مذهب من المذاهب من شوب مثلها عَلى قدر القلة والكثرة والضعف والقوة واللين والشدة عَلى حسب المزاج والهيئة والخلط والطبيعة والمنشأ والعادة وعَلى ما يعجب الانسان من استبداده او تقليده . ولو خلص مظنونه من موهومه وتميز محسوسه من معقوله وانفصل معلومه من مجهوله وبان ملتمسه من هواه لكان لايدخل الظن في العلم ولايدب الحس في العقل ولايتفشى العقل في الحس ولايكدر الحق بالباطل ولايصفو الباطل بالحق ولتوضحت الاشياء باعيانها ونقيت من ادرانها وزال شك الناظر في اثنائها ووقع عَلى حقائقها وانبائها وعاد ثلج الصدر باليقين معمور النفس بالسكون غنيًا عن تأليف القياس والبرهان وتصنيف فنون القول والبيان ولكن الانسان مضروب بالظن والحدس ومصنوع بالعقل والحس ومردود بين النقص والزيادة ومعرض في كل وقت للشقاوة والسعادة لا فكاك له من جميع ذلك مادام في مسكه الطبيعي وعقله الجزئي وجهله الكلي اللهم الا ان يلبسه الله لباس الرحمة ويغشيه غشاء العصمة اه
ولهذا كان لا بد للانسان من الارتياض علَى تمييز الحق من الباطل . فابتدر علماء المنطق الى جمع ما وجدوه مناسبًا لارشاد العقل وتدربه من القواعد وبيان ترتيبها وكيفية العمل بمقتضاها لينجو بمراعاتها من لا يأمن علَى نفسه من الخطأ في محاجاته واقيسته واستنتاجاته وبراهينه . اذ انه محتاج الى ذلك كل يوم في اموره الكلية والجزئية وعلَى كل حال فان ممارستها تكسب الانسان في قواه العقلية انتباهًا ونشاطًا يفيده في الذب عن الحق ودرأ الشكوك . وتزيده تمرنًا ومقدرة علَى تمزيق ستائر الاوهام وتبديد غيوم التمويهات . فيزهق الباطل « ان الباطل كان زهوقًا » وهذه القواعد هي الغرض في ( علم المنطق ) . وقد سماه الامام الغزالي معيار العلم وقال ( من لا معرفة له به لا ثقة بعلمه ) . وهو موضوعنا في هذه الرسالة