Kitāb mīzān al-ḥaqq fī al-manṭiq
Second Discourse: The Acquired Propositions
20th Century Salīm al-Jazāʼirī Arabicالمقالة الثانية
المكتسبات
الفصل الاول في التصورات
التصورات المكتسبة ، هي كما تقدم المفردات التي يحتاج في تصورها الى ايضاح وتعريف يذكر فيه احوال المعرف واوصافه الجوهرية . وهذه الاوصاف والاحوال يعبر عنها بالفاظ او اشارات تدل عليها . الا ان الالفاظ تختلف في الوضوح فان منها ما يفيد معنى مبهماً او مشتركاً او متشابهاً فيؤدي استعمالها في التعاريف والحدود الى تردد والتباس . ولهذا يجب حسن انتقائها . وكذلك من الواجب حسن الترتيب واجادة التصوير ؛ والا ؛ فالتشويش يؤدي الى تشويش وابهام . فسنذكر لك كيفية الدلالة علَى المعنى المقصود وانواعها لتحسن الاداء وتجيد الانتقاء ثم نذكر لك الترتيب الاحسن في اجادة التصوير وتسهيل التصور .
المبحث الاول في الدلالة علَى المعنى
كل لفظ او اشارة صدرت عمداً ، لا بد من انه قد قصد بها معنى ؛ وما اتى بها الا للدلالة عليه . وهي اما ان تدل علَى عين المطلوب تماماً وتنطبق عليه من كل الوجوه بدون زيادة ولا نقصان وهذه تسمى ( دلالة المطابقة ) كالمفردات نحو حجر ، وشجره ، وعلي ؛ وفرس ؛ ودفتر و كقولك جاء احمد وقتل الحسين
واماان تدل الكلمة علَى جزوء من المطلوب فقط وهي ( دلالة التضمن ) . نحو دار في قولك هدمت دار فلان ، وانت تريد حائطاً من حيطانها ، او سقفها او محلاً من محلاتها . ونحو بساط في قولنا احترق البساط ، مع انه لم يحترق سوى قسم منه . ونحو كرسي في قولنا انكسر الكرسي ، ولم ينكسر منه سوى خشبة من اخشابه ونحو جرحت اصبعي ، او كسر قلمي . وتلوث الثوب او الكتاب
واما ان يؤتي بالكلمة لتدل علَى ما هو من لوازم معناها الحقيقي وتوابعه او خواصه وهذه ( دلالة الالتزام ) نحو قولك : كلامه در ، وعلمه بحر وجوده سحاب ووجهه القمر ، عال النجاد ، و كثير الرماد ، وسرقت داره . وكل ما هو من هذا القبيل من الاستعارات والكنايات
وهذه تكثر في الكلام الشعري والخطابي للترغيب او الترهيب . نحو قولك في مدح العقل : العقل ام الفضائل ، وينبوع الآداب . و كقولك في الشمس : بدا حاجب الشمس ، وانتعل كل شيء ظله ، ونفضت تبراً علَى الاصيل ، وشد رحلها للرحيل ، وقولك في مدح رجل ، غصن دوحة النسب وفرع شجرة الحسب ، وقرة ناظر الشرف ، وفرحة خاطر السالف و كقول الشاعر :
هو البحر من اي النواحي اتيته ٭ فلجته المعروف والجود ساحله
ثم ان الدال سواء كان لفظاً او اشارة قد يدل بالمطابقة علَى معنى واحد وهذه تسمى ( دلالة عين )
وقد يدل علَى اشياء ، او امور ، او افراد كثيرة لا يمنع مفهوم الدال من وقوع الاشتراك في المقصود ، فيتردد السامع في تصورين المعنى الذي قصد ، ولهذا يتصور عنه معنى عام لافراد كثيرة . وهذه الدلالة تسمى ( دلالة مطلقة ) كالالفاظ المفردة التي دخل عليها حرف التعريف لاستغراق الجنس ، مثل قولك في الامثال : المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنتان . فانك اشملت كل المصائب علَى اختلاف انواعها في لفظ المصيبة ، وكذا الصابر والجازع . ونحو قولك الانسان عدو لما جهل و كقول الجاحظ : الكتاب نعم الذخر والعقدة والجليس والعمدة ، ونعم البشرة ونعم النزهة ، ونعم المشتغل والحرفة ، ونعم الأنيس ساعة الوحدة ، ونعم المعرفة ببلاد الغربة ، ونعم القرين والدخيل والزميل ، ونعم الوزير والنزيل . . . و كقول الشاعر :
لقا ، الاماني في ضمان القواضب ( ١ ) ٭ ونيل المعالي في ادراع السباسب ( ٢ ) اذا ما ارتقى بالمرء ميسم ( ٣ ) ذلة ٭ فليس له الاقتعاد ( ٤ ) الغوارب ( ٥ )
وقول الآخر :
لا يخدعنك من عدو دمعه ٭ وارحم شبابك من عدو ترحم لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى ٭ حتى يراق على جوانبه الدم
وقد يدل اللفظ علَى اشياء مختلفة تمام الاختلاف ، لا اشتراك بينها ابد كما في كلمة يبن ، وعين ، وخال ، وكتاب ، ورأس ، وخط ، وما اشبه ذلك وهذه ( دلالة مشتركه )
او يكون بين المدلولات نوع اشتراك جزئي مثل كلمة نور فانها تستعمل في الدلالة علَى النور المعلوم ، والنار ، والضوء ، والعقل ، وهذه تسمى ( دلاله متشابهة )
ثم انه قد يكون للمعنى الواحد الفاظ مختلفة ، تطلق عليه بدون تردد وتمييز ؛ وهذه الالفاظ تسمى ( مترادفة ) نحو قطن واستوطن ونحو امرأة وزوجة ، وحليلة ، وعرس ، وقرينة
وقد يكون له اسماء مختلفة باختلاف صفاته ، و يكون الفرق بينها بيناً او دقيقاً جداً بحيث قد يلتبس الامر فيها ، فينبغي الانتباه الى ذلك مثل قولنا صارم ، وسيف ، ومهند . ومثل يمين ، وقسم ، وحالف ، وكذلك نعت ، وصفة ومن الافعال لحظ ، ولمح ، ورمق ، وشخص . وكذا صار وجرى او تبسم وضحك ، وقهقه . وهذه تسمى ( متباينة )
فاحرص علَى انتقاء اللفظ الدال علَى مرادك دلالة عين ، مطابقة له تمام المطابقة ، ولا تستعمل الجنس في الدلالة علَى النوع لانه اعم منه ودلالته تضمينيه ولا النوع في الدلالة علَى الجنس لانه اخص منه ولا يدخل في نوع من انواع الدلالات فاستعماله عبث . بل ليكن اللفظ مساوياً للمعنى تماماً . مثلا ان اردت ان تدل علَى ذات فاذكر اسمها الخاص بها المميز لها عن غيرها مما يشابهها و يشار كها وان اردت ان تدل علَى وصف فعبر عنه باللفظ الموضوع له الذي لا يلقي ادنى شبهة ومشاركة ولو كان الفرق قليلاً . وان اعوزك الامر وافتقرت الى دلالة الالتزام فلتكن الاستعارة او الكناية شديدة المناسبة للغرض
واعلم ان اللفظ ان دل علَى شيء بعينه سمي ( اسم ذات ) سواء كان مفرداً او مركباً . وان دل علَى صفة من اوصاف الذات سمي ( عرضاً ) وهذا اما علم او خاص كما تقدم ومعلوم ان بعض الخواص لا تلزم دائماً في تصوير الشيء او تصوره وان كانت ملازمة له لا تنفك عنه ، كما لو علمنا ان من خواص الفجل انه ينفع في المرض الفلاني واردنا ان نعرف الفجل لمن لا يعرفه ونصوره له فانا لا نضطر الى ذكر هذه الخاصة . مع ذلك فقد تذكر لزيادة الايضاح تبعاً للوجهة المقصودة من التعريف وخصوصاً في الاوصاف الشعرية والادبية
لا بد من انه قد ظهر لك مما تقدم لزوم معرفة اسرار اللغة والوقوف علَى حقيقة كل كلمة ليتميز المتشابه من المشترك والمتباين من المترادف و يعرف الفرق بين كل كلمة وغيرها ومحل استعمال كل واحدة منها
المبحث الثاني
في بيان الترتيب الاحسن لاجادة التصوير وتسهيل التصور
اي
ذكر الحدود والتعاريف والاوصاف
كل قول غرب علَى السامع يحتاج الى ايضاح . وعدم الفهم ، اما ان يكون من غرابة القول الدال علَى المراد ، واما ان يكون السبب في ذلك غموض المدلول والتباسه علَى السامع . او عدم معرفته به قاطبة : فان كان الاول فيحتاج حينئذ الى بيان المعنى المقصود من ذلك القول بما هو اوضح واظهر لدى السامع وهذا يسمى ( تفسيراً )
واللفظ الغريب يفسر بذكر مرادف له معروف عند السامع . واكثر كتب اللغة كالقاموس وغيره علَى هذا النمط . واحذر من تفسير المجهول بما هو مجهول ايضا فتكون كمن فسر الماء بعد الجهد بالماء . والالفاظ الدالة علَى الاوصاف او الخواص او الاحوال النفسانية تفسر بذكرها مضافة الى ما توجد فيه ، او بذكر سببها وعلتها ، او لوازمها ونتائجها . كقولك الحرافة هي طعم الفلفل والبصل وما اشبه . وفي تعريف الخوف هو انفعال النفس من ضرر خفي او وهمي ينتظر وقوعه . وقولك في تعريف الخلق هو حال به يفعل الانسان افعاله بلا روية ولا اختيار وهو في بعض الناس غريزة وطبع وفي بعضهم نتيجة ممارسة ورياضة او الفة وعادة
وان كان الثاني : فتذكر له حدوده واوصافه مقدماً فيها الاعم علَى الاخص والاعلى علَى الادنى ، بصورة جامعة لكل افراد المعرف واجزائه ومانعة لدخول ما هو ليس منه في تصوره ، مع رعاية الايجاز والاقتصار علَى الضروري منها
وكيفية ذلك : ان نقسم الاشياء التي يدخل في جملتها مطلوبك وننظم سلسلة الكليات ثم ننظر في ايها انحصر المطلوب فتذكره وتذكر ما قبله جميعاً او احدها . وعلَى هذا ان كان جنساً ذكرت ذلك الجنس والذي قبله وان كان نوعاً ذكرت ذلك النوع والجنس وهذا يسمى ( حداً تاماً ) وان تركت الجنس الذي قبله وذكرت البعيد سمي ( حداً ناقصاً )
وان كان المطلوب مفرداً له اسم علم ، ذكرت نوعه والخاصة المميزة له عن غيره ، وهذا يسمى ( تعريفاً )
والاساس فيها كلها يرجع الى التقسيم وترتيب سلسلة الكليات اذ ان كثيراً من الموجودات تتشابه كل المشابهة ولا نميزها عن بعضها الا من امعن النظر بغاية التدقيق . كأن ينظر اليها بالآلات المكبرة او يفحصها بطرق اخرى مستعيناً ببعض الوسائط الكيماوية او غيرها فيظهر له ما كان متوارياً عنه من الفرق الدقيق الذي بينها . ولذلك ترى ما كان نوعاً صار جنسا وما كان داخلا في نوع من الانواع انفصل عنه وصار نوعاً مستقلاً كل ذلك بترقي العلوم والمعارف وتوفر الوسائط وتكملها . فينبغي الاحتراس من الخطأ في ترتيب السلسلة عند تعداد الاجزاء وتصفيفها وهذا يكون من جهة الجمع والمنع بسبب الالتباسات التي تحدث من قبل المشابهة الخارجية مع المباينة الداخلية او المشابهة بالنظر السطحي مع المباينة عند التدقيق
ولكي تسلم من الخطأ في الجمع والمنع ينبغي ان تقسم كل جنس الى نوعين لا اكثر ، بحيث يتصف نوع بصفة لا يتصف بها النوع الآخر . وعلَى هذا النمط رتب السلسلة
مثال ذلك : لو اردت ان تعرف الانسان فرتب سلسلة كلياته كما ترى الجسم آلى | غير الى حيوان | غير حيوان ناطق | غير ناطق
ترى هنا ان مطلوبك واقع في الناطق فتقول في حده حيوان ناطق
وكذلك لو اردت ان تعرف الآجر فترتب السلسلة كما يأتي :
الحجر صناعي | غير صناعي من تراب | من غيره مشوي | غير مشوي منشوري الشكل | غيره مخصوص لبناء الحيطان واشباهها | مخصوص لغيرها ( ح )
وحيث ان مطلوبك داخل في النمرة ( ح ) فتقول في حده :
الآجر حجر صناعي ، من تراب ، مشوي ، منشوري الشكل ، مخصوص لبناء الحيطان واشباهها
وكذلك لو اردت ان تعرف الطربوش فتقسم السلسلة علَى هذا النمط : اللباس للرأس | لغيره عديم الكنار | ذو كنار من الصوف | من غيره ملون | غير ملون بالاحمر او الاسود | بغير ذلك له في ذروته محل للطرة | ليس له ذلك ( ع )
ومطلوبك واقع في النمرة ( ع ) . فتقول في تعريفه :
الطربوش لباس للرأس عديم الكنار من الصوف ملون بالاحمر او الاسود له في ذروته محل للطرة
ولا يخلو من الفائدة ان اذكر لك ما قاله الامام الغزالي في هذا الموضوع :
قال — : ان ما وقع السؤال عن ماهيته ، واردت ان تحده حداً حقيقياً ، فعليك فيه وظائف ، لا يكون الحد حقيقياً الا بها ، فان تركتها سميناه رسمياً او لفظيا وخرج عن كونه معرباً عن حقيقة الشيء ومصوراً كنه معناه في نفس السائل
الاولى — ان تجمع اجزاء الحد من الجنس والفصول ، فاذا قيل لك مشيراً الى ما ينبت من الارض ، ما هو ؟ فلا بد وان تقول جسم ولكن لو اقتصرت عليه بطل عليك بالحجر ، فتحتاج الى الزيادة ، فتقول نام فتحترز عن ما لا ينمو ، فهذا الاحتراز يسمى فصلاً اذ فصلت به المحدود عن غيره
الثانية — ان تذكر جميع ذاتياته وان كان الفاً ، ولا تبالي بالتطويل ولكن ينبغي ان تقدم الاعم عَلَى الاخص ، فلا تقول نام جسم ، بل بالعكس ، وهذا لو تركه تشوش النظم ، ولم تخرج الحقيقة عن كونها مذكورة ، مع اضطراب اللفظ ، والانكار عليك في ذلك ، اقل مما في الاول ، وهو ان تقتصر على الجسم
والثالثة — انك اذا وجدت الجنس القريب ، فاياك ان تذكر البعيد معه فيكون مكرراً ، كما تقول مائع شراب ، او تقتصر على البعيد فتكون مبعداً ، كما اذا قيل ما الخمر ؟ فلا تقل جسم مسكر مأخوذ من العنب ، واذا ذكرت هذا ، فقد ذكرت ما هو ذاتي ومطرد ومنعكس ، ولكنه مختل ، قاصر عن تصوير كنه حقيقة الخمر ، بل لو قلت مائع مسكر ، كان اقرب من الجسم ، وهو ايضاً ضعيف ! بل ينبغي ان تقول شراب مسكر ، فانه الاقرب الاخص ، ولا تجد بعده جنساً اخص منه . فاذا ذكرت الجنس ، فاطلب بعده الفصل ، اذ الشراب يتناول سائر الاشربة ، واجتهد ان تفصل بالذاتيات الا اذا عسر عليك ، وهو كذلك في اكثر الحدود ، فاعدل بعد ذكر الجنس الى ذكر اللوازم ، واجتهد ان يكون ما ذكرت ، من اللوازم الظاهرة المعروفة ، فان الخفي لا يعرف به ، كما اذا قيل : ما الاسد ؟ قلت ، سبع ابخر ، يتميز بالبخر عن الكلب ، فان البخر من خواصه ولكنه من الخواص الخفية ، ولو قلت شجاع عريض الاعالي لكانت هذه اللوازم والاعراض ، اقرب الى الفهم ، لانها اجلى ، واكثر ما يرى في الكتب من الحدود ، رسمية ، اذ الحقيقة عزيزة ، ورعاية الترتيب حتى لا يبتدأ بالاخص قبل الاعم عسير ، وطلب الجنس الاقرب عسير فانك ربما تقول في الاسد انه حيوان شجاع ، ولا يحضرك لفظ السبع ، فتجتمع انواع من العسر ، واحسن الرسميات ما وضع فيها الجنس الاقرب واتم بالخواص المشهورة المعروفة
والرابعة — ان تحترز عن الالفاظ الغريبة الوحشية ، والمجازية البعيدة ، والمشتركة المرددة ، واجتهد في الايجاز ما قدرت ، وفي طلب اللفظ النص ما امكنك ، فان اعوزك النص ، وافتقرت الى الاستعارة ، فاطلب من الاستعارات ما هو اشد مناسبة للغرض ، واذكر مرادك به للسائل ، فما كل امر معقول ، له عبارة صريحة موضوعة ، ولو طول مطول ، او استعار مستعير ، او اتى بلفظ مشترك ، وعرف مراده بالتصريح ، او عرف بالقرينة ، فلا ينبغي ان يستعظم صنيعه ، ويبالغ في ذمه ان كان قد كشف الحقيقة بذكر جميع الذاتيات ، فانه المقصود ، وهذه المزايا ، تحسينات وترتيبات كالابازير من المقصود ، وانما المتجادلون ، يستعظمون مثل ذلك ، ويستنكرونه غاية الاستنكار ، لميل طباعهم القاصرة عن المقصود الاصلي الى التوابع .... واللفظ غير مراد بعينه في الحد الحقيقي الا عند المترسم ، الذى يحوم حول العبارات ، فيكون اعتراضه عليها وشغفه بها . آه
ويلحق في هذا البحث ( الوصف ) وهو رسم المطلوب في مخيلة السامع ، بذكر ما يكفي من عرضياته من الاوصاف والخواص
وقد يكون هذا مزيناً منمقاً تذكر فيه صفات كثيرة للموصوف ، وخصائصه ، وتأثيراته ، التي انفرد بها ، لتنجلي حقيقته وتزيد وضوحاً ، مع مراعاة مقتضيات البلاغة والادب في ذلك . وهذا يسمى بالوصف الادبي ، او الشعري ، او التاريخي ويقتصر فيه عَلَى ذكر ما ناسب الوجه التي تقصد ، اذ قد يوصف الشخص او المكان او الوقت او غير ذلك من وجوه مختلفة مثل ان يقصد من ذلك بيان محاسنه والترغيب فيها او مساويه والتنفير منها . والبلدة توصف من جهة صناعها ، او ادبائها ، او مبانيها ، او موقعها الطبيعي والجغرافي ، او موقعها العسكري واهمية الحربية ، او من جهة مايكثر فيها من الامور الحسنة او السيئة والاحوال المقبولة او المنفورة وغير ذلك . فيختار الكاتب ماشاء ذوقه من الاوصاف ويتصرف بها في ايضاح غرضه، مبينًا احواله ونعوته الممثلة له حتى يكاد يراه السامع عيانًا
وشرط الوصف ان يكون جامعًا مانعًا، ذا رونق وطلاوة ، وان لايخرج فيه الى حد المبالغة والتطويل، ويكتفي بما ناسب الوجهة المقصودة . والاحسن في ذلك، ان تبتدئ بوصفك الموضوع بنظر عام، ثم تأخذ في تفصيل الافراد فردًا فردًا ، عَلى حسب تتابع ورودها، او مقدمًا فيها الاهم بالنظر لما تقصده عَلى غيره . وما انت في ذلك الا كرسام يصور بالالوان والفرشاة ، او كمن يعرض المناظر المختلفة بالسيناماتوغراف . ولهذا يجب عليك اولا ان تعرف ماتريد وصفه حق المعرفة وتدرسه بتدقيق وامعان حتى لا يغيب عنك ادق شئ من احواله وتنتبه الى كيفية وضعها وترتيبها ثم اعر روحك كل الانتباه ، لتشمم ما توحيه اليك من التأثرات والمعاني ، فتكسوها حلة تناسبها من الالفاظ وتجليها عَلى السامع منظمة منسقة ، مرتبطة بعضها البعض ، بحسب المناسبة التي احسست بتأثيرها فيك ، منتقلًا من المؤثر الضعيف الى القوي، فالاقوى بحيث تمثل له الموصوف ، حتى لا يشك انه يراه رأي العين . وينبغي ان تنتبه الى ان لاتحيد عن الوجهة التي تقصدها من الوصف . ولتكن هذه الوجهة هدفك الاصلي ، في الاوصاف التي تستعملها . فانك لو اردت وصف حديقة مثلا ، فاما ان تقصد بيان محاسن الطبيعة وجمال نقوشها واتقان صنعها، او تقصد تشريح التأثرات التي تحدث فيك مما تشاهده ، واحداث نظيرها في روح السامع . او غير ذلك ولا تنس ان البلاغة في الاقتصاد
وللوصف انواع كثيرة ، كوصف بلدة ، او واقعة حرب ، او منظر من مناظر الطبيعة ، كروضة ، او طلوع، او غروب، او عاصفة او غير ذلك . وكوصف حيوان في خلقه ، وطباعة ، واخلاقه ؛ او شخص ، في خلقه او خلقه، او كليهما . وكترجمة تاريخية لرجل عظيم يذكر فيها خلقه وخلقه ونشأته وتواليفه ، وما بث فيها من الافكار ، والآراء ، ومشربه، وطريقته، ودرجة الانتفاع بتلك الآثار او الاعمال او الاختراعات وما نتج عنها من التأثير الحسن او السيئ في الأفكار والمشارب، او العمران او الصناعات ، وخلاصة ما قيل فيها وفيه من اجلها وآخر ايامه ووفاته . وغير ذلك
الفصل الثاني
في التصديقات المكتسبة
لقد سبق القول عَلى ان الاوليات احكام مسلمة لا يشك احد في صحتها ولا يتردد في تصديقها . وعَلى هذا كانت ولا ريب ضالحة لان تكون مقياساً لنا في الاحكام والتصديقات المطلوبة ؛ فماوجدناه قد انطبق عليها تمام الانطباق قبلناه ، وما زاد او نقص رفضناه ؛ وهذا العمل هو المقايسة او القياس . وبيان ذلك ، ان الحكم المطلوب استخراجه هو داخل في الاحكام الاخر المسلمة . وانما القصد ، مجرد اظهاره وابرازه ، وبيان انه متحد مع الاحكام الداخل فيها ، التي هو عينها في المعنى وان اختلف اللفظ . ولا يمكن استنتاج حكم من آخر مالم يكن داخلا فيه ومن محتوياته وافراده . فاذا اردت ان تقيم الدليل عَلى حكم . تأتي اولا بحكم اولي مسلم عند السامع يتضمن ما اردت استنتاجه ، ثم تأتي بعده بحكم آخر ليدل عَلى ان النتيجة داخلة فيه ، فتحكم حينئذ بصدق النتيجة وذلك قياس عَلى هذا الحكم الاولي وهو : ان المستلزم لمستلزم شئ آخر هو مستلزم لذلك الشئ الآخر ايضًا او مافي معناه كقولك ما يستلزم نفي شئ عن آخر يستلزم ايضًا نفي ماهو خاص بذلك الشئ عن الآخر . او قولك ما يتضمن شيئًا يتضمن آخر فهو يتضمن ذلك الآخر
وقد يتسلسل الأمر معك ، فتأتي بالحكم الاولي ثم تأتي بعده بعدة احكام كل واحد من شأنه ان يدل عَلى ان الذي بعده داخل في الذي قبله ، وهكذا الى ان تصل الى النتيجة
وفي الاحكام السلبية تأتي بالحكم الاولي ثم تأتي بعده بحكم اوعدة احكام لتدل على ان المحكوم عليه من النتيجة ، غير داخل في مضمون المحكوم عليه من الحكم الاولي . وعلى هذا النمط تفعل في جميع اقيستك وبراهينك . وان كنت سائلًا فما كان كذلك او صح ارجاعه الى هذه الصورة قبلته والا رددته ورفضته . امثلة عَلى ذلك :
الانسان يمشي — الحكم المراد اثباته الانسان حيوان — حكم اولي ( ويسمى بالقضية الصغرى ) والحيوان يمشي — حكم مسلم عندالسامع اتى به يدل عَلى ان النتيجة داخلة في الاول ( ويسمى بالقضية الكبرى ) فالانسان يمشي — النتيجة
قولك غير حق — الحكم المراد اثباته ان كان قولك حقًا وجب ان يطابق الواقع — حكم اولي وقد وجدناه غير مطابق للواقع — حكم مسلم عندالسامع اتى به ليدل عَلى ان النتيجة داخلة في الاول اذاً قولك غير حق — النتيجة
وقد يصرف النظر عن ذكر الكبرى اما لظهورها او للاختصار . مثال :
محاورة بين شرطي ومتهم
الشرطي — اتبعني م — وكيف اتبعك ش — لاني آمرك باسم الحكومة
واصل ذلك :
ان امري امر الحكومة ٭ وامر الحكومة مطاع ٭ فأمري مطاع واني آمرك ان تتبعني فأطع واتبعني
ولنا في التصديقات طريقان آخران وهما ( الاستقراء ) و( الاستنتاج ) وذلك انك اذا وجدت صفة او خاصة ما ، في مواد كثيرة من نوع واحد ولم تجد بعد التفتيش المدقق مادة من ذلك النوع خالية عنها ؛ حصل لك من ذلك التصديق بان تلك الخاصة هي عامة لتلك المواد . وهذا هو ( الاستقراء )
ولما كان هذا مبنياً عَلى المشابهة بين المواد ليحكم عليها بحكم عام فقد يلتبس الامر ، ويدخل الخطأ . مثل ان تكون المشابهة غير تامة ولا ينتبه اليها لدقة الفرق وخفاء السبب او لنقص او خطأ في التعليل واما اذا كانت تامة، والسبب واحداً فلا بد من ان تكون النتائج واحدة . وان اختلفت نفهم ان هنالك امراً آخر، وعارضاً مانعاً بحيث لو زال، زال الاختلاف
واما الاستنتاج ويسمى بالاستدلال ايضاً، فهو عَلى عكس الاستقراء، اي انك اذا عرفت حكماً عاماً فتحكم به عَلى شئ تيقنت انه من افراده . واذا عرفت ناموساً طبيعياً فتستدل به عَلى مالابد من حدوثه بسبب ذلك الناموس .
— الحواشي —
[32] ( ١ ) القواضب — السيوف القاطعة
[32] ( ٢ ) السباسب — المفاوز والاراضي المستوية البعيده
[32] ( ٣ ) ميسم — الة الكي
[32] ( ٤ ) اقتعاد — ركوب
[32] ( ٥ ) الغارب — الكاهل