Part Three: on what concerns the noble character of kings and the manners of their retinue — Chapter One: the noble character of kings in particular
Medieval Abū Isḥāq al-Shīrāzī Arabicتعرف الاخوان * عند الشدائد تذهب الاحقاد * الرأى قبل شجاعة الشجعان * اذا أنت أكرمت الكريم ملكته * خلق الزمان عداوة الاحرار * تم القسم الثانى من هذا الكتاب والحمد لله العلى الوهاب
﴿ القسم الثالث فيما يتعلق بمكارم اخلاق الملوك وآداب اتباعهم ﴾
﴿ الفصل الاول منه فى مكارم اخلاق الملوك خاصة ﴾
اعلم ان شريف الاعمال لا يتصرف فيه الا بشريف الاخلاق وان الرئاسة لا تتم الا بحسن السياسة فان السائس الرشيد كالطبيب الحاذق فى حفظ الصحة وازالة المرض وما يعرض فى المملكة من الاضطراب شبيه بما يعرض فى الاجساد من الاوجاع والاوصاب فينبغى ان يكون اجتهاد الملك فى رعاية صحة مملكته وازالة مرضها كاجتهاده فى رعاية صحة بدنه وازالة مرضه ويكون اغتباطه بما يخلفه من الذكر الجليل والاثر الجميل اكثر منه بما يشاهده فى مدة حياته بسمعه وبصره قال الحكيم اولى الناس بالملك اشدهم محبة لاصلاح الرعية واعلمهم بالتدبير واشدهم سلطانا على هواءه وأقهرهم له فيما يتعلق بمصالح المملكة واقدرهم على بسط العدل فيها ورفع الظلم عنها فان العدل ميزان الله فى ارضه به يؤخذ للضعيف من القوى وللمحق من المبطل فمن لم يراع حق الله وميزانه فيما بين عباده وبلاده فقد جهل اعظم الجهالة واغتر اشد الاغترار ولا يمكن ضبط المملكة ولا رعاية الرعية الا بالهيبة ولا هيبة للملك عند الخاصة والعامة مثل هيبة العدل والنزاهة من معرة الشهوات (وفى وصية ارسطو والاسكندر) احذر الشهوات وليكن ما تستعين به على كف النفس عنها علمك بانها مذهلة للعقل مهجنة للرأى شائنة للعرض شاغلة عن عظيم امور الملك فان نازعتك نفسك الى الشهوات واللذات واللهو والملهيات فقد نزعت بك الى شر منزلة وادناها وأخسها وأسقطها فغالبها أشد المغالبة وامتنع منها أشد الامتناع وليكن مرجعك منها الى الحق ولا تداهن نفسك فى الهوى اليسير فتطمع منك فى الكبير ولا تبطل عمرك فى غير الحق ولا مالك فى غير الواجب ولا قوتك فى غير الرشد فان كنت لا بد لك ان تشتغل بلذة فلتكن فى محادثة العلماء ومطالعة كتب الحكمة فان ذلك يجمع لك السرور وتمام السعادة وخلافه يجمع لك عاجل المعرة ووخامة العاقبة . وقال حكيم آخر لا تغرن الملك غرورا بان تحسن له دواعى اللهو والهزل والمضحكات فان ذلك صبا او تصابى ولا توهمه وهما بأن تناولها يزيل ملالة أو كلالة وانه أنفع من أطراحها فان ذلك من أسقط الاوهام وارداها وأخسر صفقة ممن باع غنية الحياة وأشرف الاعمال الموصلة الى السعادات الابدية بادون الافعال البهيمية التى هى فعل الصبيان والنسوان له . وحسّن له الفراغ من أهل التعطيل فان أراد ازالة ملالة فليكن فى مجاورة الفضلاء من الندماء ومسامرتهم واستماع آثار من غبر من ملوك الزمان وتحول أحوالهم وأعصارهم وتقلب دولهم وأدوارهم فتزول ملالته بذلك وتهذب أخلاقه بما تكسبه الفكرة فى ذلك من فوائد التجربة وان استراح احياناً من السماع بما كان داعياً الى الكرم وحاثا على السماح ومحركا الى الشجاعة ومن الصيد والقنص بما يكون تدربا ورياضة لخيله وجنده فلا بأس عليه مع انه لا سماع أشرف من حكمة تخبر بحقائق الاشياء ولا صيد أنفع من قيد قلوب الاعوان والاولياء واكثر ما ينتفع به الملك تدبير المملكة وزينة السلطنة ومحافظة الهيبة ومجاورة العلماء واستماع آدابهم وقبول نصائحهم وأن يجعلهم ثقاته وأعوانه وبطانته وحراسا على أفعاله وأحواله بحيث لا يغفلون عنه واذا غفل هو عن نفسه فالواجب عليه تعهد أحوالهم وكفاية مؤوناتهم وأن لا يحقر أحداً منهم لخموله وركاكة حاله فان هلاك الملوك فى الدنيا والاخرة فى استصغار العلماء واحتقار ذوى النهى والعقل . وليعلم ان سرعة ائتلاف الاخيار عند استمالتهم كسرعة اختلاط ماء المطر بالبحار وبعد الاشرار من الائتلاف وان طالت معاشرتهم كبعد البهائم من التعاطف وان طال اعتلافها وان اشتبكت على الملك الامور وعميت عليه التدابير فليكن مفزعه فيها الى آراء العلماء المرشدين والوزراء الناصحين والمشاورة معهم فان منها تستبين مصالح الامور كما تستبين المصابيح فى ظلم الديجور فان الحازم فيما اشكل عليه من الرأى بمنزلة من أضل لؤلؤة بجمع ما حول مسقطها من التراب فنخله حتى وجدها كذلك الحازم يجمع جميع الآراء فى الامر المشكل ثم يمعن فيه فكره ويسقط بعضه حتى يخلص منه الرأى الصائب . وقد قيل المستشير متحصن والمستبد متهور فى الغلط ولعل رأيك يوهمك بأن بعض الناس يزدريك لاقتباسك منهم صواب الرأى ويستخف أمرك عندهم فان خطر هذا فاطرحه أشد الاطراح فان الذى تسعد به من العلم المستفاد منهم وتفوز به من مخالفة أهل الجهل افضل لك وأتم نفعاً وأعظم خطراً من أن يعاد له شئ سواه مع ان الناس فيك رجلان رجل عاقل يتحقق عنده صواب رأيك وجاهل لا يفرق بين صواب الرأى وخطاءه فلا اعتبار بقوله وفعله عند العقلاء . وليعلم الملك ان تمهيد قواعد المملكة وتنظيم أمور العدلة لا يتم الا بحسم بوائق الاشرار وحسن رعاية الاخيار وصلاح الاعوان والانصار والاجتهاد فى انتقاء صالحى العمال لان اعمال الملك كثيرة ولا يمكن أن يجتمع استعداد جميع الاعمال فى واحد فالوجه فى ذلك أن يكون الملك عارفا بشرائط كل عمل وباستعداد كل واحد معرفة تامة حتى يفوض الى كل عامل عملا يليق به ويشتهر بالكفاية والامانة فيه فان العامل للملك كالسلاح للمقاتل فاذا فقد الملك عمال الصدق فقد نزل به ما ينزل بالمقاتل اذا بقى بلا سلاح ويجب ان يولى خيار أهل مملكته ولا يسلط على الناس جهالهم فان الجهالة قائد الضلالة والضلالة واسطة الفتنة وفى الفتنة سفك الدماء والهلكة وقد قيل
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ٭ ولا سراة لمن جهالهم سادوا
ويجب عليه بعد تفويض الاعمال الى العمال المستعدين لها أن يتفقد أحوالهم فى أعمالهم ويبالغ فى تفحص أخبارهم حتى لا يخفى عليه احسان من أحسن فى عمله واساءة من أساء فيه ثم لا يتهاون فى تمكين المحسن وزحزحة المسىء مكافأة احسانه وإساءته ويبادر فى ذلك بحيث يبشر المحسن بعلمه قبل أن يصل اليه معروفه ويفرق المسىء فى حزنه قبل أن يبتلى بعقوبته وقيل خير الملوك من يثق به البرىء ولا يأمن منه المريب ويعلم أهل الخير ان معروفه لا يصل اليهم الا بمعونة الخير ويتيقن أهل الباطل ان عقوبته ستصل اليهم بلا دافع فان ثقة البرىء تزيده اجتهاداً فى المناصحة وخوف المريب يزيده رعباً وهيبة ومع الاجتهاد بالمناصحة العافية ومع الرعب والهيبة الاستقامة فى الطاعة ويجب مع ذلك أن لا تعدم على بابه الشفعاء ممن يثقل عليه ردهم وتصعب عليه مخالفتهم حتى يمتنع عن الافراط فى التأديب المجاوز حد المساءة بشفاعتهم ويجب أن يعلم أن كل واحد من الناس لا يخلو من عيب وفضيلة فلا يمنعه عيب رجل من الاستعانة به فيما عنده منفعة له ولا تحملته فضيلة رجل على الاستعانة به فيما لا معونة له عنده واذا عرض لبعض خدمه قاطع عن بلوغ غرض هو بصدده فلا يلزمنه ذنب الدهر مع ثقته به فقد يقطع الملوك القواطع عن حقوق أنفسهم فضلا عن أوليائهم وخدمهم . واعلم أن وجود أعوان السوء أضر عليه من فقدان أعوان الصدق ويستعين على انفاذ الامور بخلتين احداهما تألف آراء الاعوان والاخرى التثبيت فى الاداء ويجتنب من التأخير فى المهمات والتوانى فيما يحدث منهما فانه ان فعل ذلك تزاحمت عليه الامور وتراكمت عليه المهام واذا لم يكف زمانه لمباشرتها تحير فى تدبيرها وضيع الامور بجملتها وانما الامور كلها امران صغير لا ينبغى أن يباشره بنفسه وكبير لا ينبغى ان يكله الى غيره فمتى باشر صغار الامور شغلته عن كبارها ومتى وكل كبارها الى غيرها ضاع أكثر مما حفظ وافسد أكثر مما أصلح . فاذا تراكمت الاعمال عليه فلا يلتمس التروح بمدافعتها والروغان منها فان الصبر عليها هو الذى يحفظها عليه والضجر منها هو الذى يزيد تزاحمها عليه فليكن معه عند ذلك رأيه الذى يختار به الامور فيختار أولى الامور وأهمها ويشتغل به حتى يفرغ الى الآخر ولا يعظمن عليه فوت ما فات ويؤخر ما يؤخر اذا وضع الرأى موضعه وجعل شغله فيما يجب . وليعلم الملك ان الناس على دينه فليكن للبر والمروة وحسن السيرة عنده نفاق (١) فانه يسد بذلك طريق الفجور والفساد فى مملكته وليتفقد فيما يتفقد من أمور الرعية فاقة الخاصة وليعمل فى سدها وطغيان السفلة وليجتهد فى قمعه وليعلم انه اذا التمس رضاء جميع الناس التمس ما لا يدرك وكيف يتفق رضاء المختلفين فى اهوائهم . وليكن أعظم مقاصده فى الولاية ثلاث خصال رضاء ربه ورضاء سلطانه ان كان فوقه سلطان ورضاء صالحى من يلى عليهم وما عليه ان يلهو عن المال والجاه والمصالح المتعلقة بهم فانه سيحصل منها ما يمكن على احسن الوجوه بلا اجتهاد فى طلبه بعد رعاية هذه الخصال . وليعلم ان ما عدل به من كرامته وميله الى أهل النقص أضر به وأعجزه عن كرامة أهل الفضل وما صرف من ماله فى الباطل فقده عند ارادة الحق وما شغل من رأيه بغير المهم أزرى بالمهم . ومن الاخلاق التى يجب على الملك الرشيد أن يأخذ بها نفسه أن لا يغضب بسبب من الاسباب بل يتدرع بالحلم والوقار عند هيجان الغضب وليعلم أن الغضب مرض من أمراض القلب اذا ما عرض فسدت الآراء معه فان بلى به فلا يمضى فعلا ولا ينفذ حكماً عند غضبه . وقد جاء فى الاثر أن لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان وقال ازدشير بن ابك ليس للشيطان فى ساعة من الدهر طمع فى القدرة على الملك أقوى منه فى ساعة الغضب وأن لا يستفزه السرور والمدح عنده ولا تملأ البشائر قلبه لئلا ينسب الى ضعف العزيمة وصغر الهمة ويقرر فى نفسه ان البشائر وان كثرت فهى محتقرة اذا قيست بكبر همته وأضيفت الى عظم منزلته وأن لا تكبر به النوائب اذا ألمت ويقدم فى فكره أن الحوادث اذا طرقت والنوازل اذا وقعت فهى سهلة فى جنب صبره وشهامته فاذا طرأ منها حادث بان فضله على من سواه بالتحمل والصبر والمسكة عند جزعه والوقار والاناة عند استقراره وأن لا يكون من شأنه الفرح بالمدح والتزكية فانّ قابل المدح كمادح نفسه وان عرف الناس ذلك منه كان ثلمة من الثلم فى عقله يقتحمون عليه منها وبابا من الابواب يفتتحون عليه منه وغيبة يغتابونه بها ويضحكون منها وليكن حبه للمدح هو الذى يحمله على رده فان الراد له ممدوح والقابل له مذموم وأن لا يحزن على فوت المحبوب أو فقد المطلوب فان الحزن مدهشة للعقل مقطعة للحيلة وثمرة العقل أن يطرح عنه واردات الهموم بعزائم الصبر واذا ورد عليه محزن يقمع الحزن بالصبر ويفزع العقل للاحتيال فى تحصيل الفائت أو المفقود ان أمكن ولا يأسف على ما فاته من الثراء (١) فان المال شبيه بالطائر ينتقل من نشز (٢) الى نشز فهو عند اقباله سريع الاقبال وعند إدباره خبيث الانتقال وليس سرور يجب أن يغتبط به الملك الا سرور معه رجاء بحسن معاده أما ما سوى ذلك فهو مطروح عند ذوى الالباب لانه ليس من سرور الدنيا بشىء يؤمن عليه الآفات والغير ويهابه العقل الانسانى إلا إستصغار الدنيا وقدرها عند ما يعاين من تفتيش الآخرة ورفض ما فيها من الخداع باللذات التى لا تأمن فيها من التبعات وينبغى أن يكون للملوك فى أنفسهم عبرة ليست للسوقة وهى أن يتفكروا فى سرعة انقضاء دولهم وافراط رغبتهم فى الاوزار مع القدرة عليها وفيما عرفوا من قصر استمتاع من مضوا من أمثالهم وكثرة التنغيص والعوارض فى نعمهم ودولهم وليعلموا أن أخوف الحالات لهم ما هم فيها ولا يكونوا أشد ثقة بأنفسهم وأقل ثقة بربهم اتكالا على ممالكهم وجدهم فان للاعمال جزاء وللامور بغتات فيكونون على حذر منها ويسارعون فى الخيرات فربما كانت ساعة لا تعود قال حكيم خير الملوك أشكرهم لله وانقاهم من محارمه وأكثرهم تعظيما لامره واقضاهم للحقوق وارأفهم بالرعية وأبعدهم نظراً فى العواقب وأخوفهم من الدوائر وأكملهم سعادة من كثر علمه ووفق للعمل به وكان فرحه بما يستوجب من الناس الشكر ومن الله المثوبة والاجر واقبح اخلاقهم الحدة وضيق الذرع وقلة الفهم وغلبة البخل والقسوة والفظاظة وقلة الاهتمام بامر الرعية . ويجب على الملك أن يأخذ للضعيف من القوى وللفقير من الغنى بحصصهما من الحق ونصيبهما من العدل وان يكون للفقير والضعيف أشد نظراً وأتم عناية وعن أمرهما اشد فحصاً لان القوى والغنى يمتنعان من الظلم والضيم بقوتهما واما الفقير والضعيف فلا يكون امتناعهما بسلطانهما وقوتهما بل تكون بمعونته اياهما وان لا يغتر بمزخرف القول ورقيق الكلام فربما حضره الظالم الجانى والمداهن الخوان فسلم من سطواته وحظى من عواطفه بسحر بلاغته وافصاحه عن حجته وربما هلك لديه الامين المحق واصطلم البرىء المظلوم لعثرات لسانه وعجزه عن بيان حجته فليحتج بنفسه لمن يعجز عن البلاغة ويقصر عن الفصاحة . وليعلم أن سلطان ملوك الدنيا انما هو على ابدان ما ملكوا وعلى ما يبدو من ظواهر امورهم فاما نياتهم وما يغيب عنهم من امور بواطنهم فلا سبيل لهم عليه لانه محجوب عنهم فلا ينبغى لهم أن ياخذوا الرعية الا بما يظهر لهم منهم ويتركوا التظنى فان التظنى يدعو الى التهمة والتجنى وهما داعيان الى اللوم والشقاء وليعلموا أنهم لا يقدرون على ان لا ينطق العامة بعيوبهم ولا يتعبون فى ان لا يبصر الناس ما فيهم من المعائب بل يجتهدون فى ان لا يكون لهم عيب ويتجنبون عن شكاية الناس منهم فان من لم يبال بالشكاية فقد اعترف بالدناءة ويعلمون انه ما استصلح المستصلح غيره الا بصلاح نفسه وما افسد المفسد غيره الا بفساد نفسه فان رغب الوالى فى اصلاح من ولى عليه فليبدأ باصلاح نفسه وان أراد رفع العيوب عنهم فليطهر أولا نفسه منها واذا اشتبه عليه أمران ولم يدر أيهما أصوب فلينظر الى اقربهما من هواه فليخالفه فان الهوى عدو العقل ولا يجتمعان أبداً . وليعلم ان من الامور ما هو حذر ومنها ما هو خور فان كان جبنه من الامر قبل مواقعته اياه فهو حذر
— الحواشي —
[64] (١) النفاق بفتح النون الرواج اه
[67] (١) الثراء بالمد كثرة المال اه
[67] (٢) النشز بفتح فسكون وبفتحين المرتفع من الارض اه