Comma for either/or — dharma, courage. Spelling forgiving — corage finds courage.

    Adab al-wazīr

    The Author's Introduction

    al-Māwardī

    citations · figures & ideas

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ( وبه نستعين )

    قال الامام ؛ قاضى القضاة أبو الحسن ، على بن محمد بن حبيب الماوردى رحمه الله تعالى برحمته : الحمد لله على ما هدي وأرشد ، وله الشكر على ما وفق وسدد . وصلى الله على رسله الطاهرين، وأوليائه البررة المنتخبين، وسلم تسليما كثيراً .

    أما بعد ؛ فقد التزم الطاعة من دعا اليها ، وفعل الخير من أرشد اليه ، ولئن كانا فى جبلة ذوي الفضل مركوزين ، فما يستغني الفطن بذكائه عن يقظة منبه ، ولا يكتفي اللبيب بحزمه عن عظة مذكر ؛ لأن الهوي معترض يخدع بغرامه ؛ ويحتجب بغمامه . وأنت أيها الوزير ـ أمدك الله بتوفيقه ـ فى منصب مختلف الاطراف ؛ تدبر غيرك من الرعايا وتتدبر بغيرك من الملوك ؛ فأنت سائس مسوس ؛ تقوم بسياسة رعيتك وتنقاد لطاعة سلطانك ، فتجمع بين سطوة مطاع وانقياد مطيع ، فشطر فكرك جاذب لمن تسوسه ؛ وشطره مجذوب لمن تطيعه وهو أثقل الاقسام الثلاثة محملا ، وأصعبها مركباً ، لأن الناس: ما بين سائس؛ ومسوس، وجامع بينهما. ولك هذه الرتبة الجامعة . فأنت تجمع ما اختلف من أحكامها ، وتستكمل ما تباين من أقسامها ، وبيدك تدبير مملكة صلاحها مستحق عليك ، وفسادها منسوب اليك . تؤاخذ بالاساءة ولا يعتد لك بالاحسان ، تلان لك المبادىء بالارغاب ؛ وتشدد عليك الغايات بالاعتاب ، مستظهرا تستكفي اعتداد الاحسان اليك ؛ وتسلم من غب المؤاخذة لك ، ويلزمك ضدها في حق سلطانك أن لا يعتدى عليه بصلاح ملكه ، لأنك للصلاح مندوب ، ولا تعتذر اليه من اختلاله ، لأن الاختلال اليك منسوب . واجعل اعتذارك سعيك و اجتهادك، فلسان الفعال انطق من لسان المقال ، لظهور شواهده ، فان عارضتك الاقدار عذرتك القلوب ، و ان لم تنطق به الافواه ، لعجز الخلاق عن قضاء الحق ، وقد روى عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال : لا يغني حذر عن قدر . و قيل فى منشور الحكم : توق كل التوقى و لا حارس من الأجل ، و توكل كل التوكل و لا عذر فى التغرير ، و اطاب كل الطاب و لا تسخط لما جاب المقدور . و لأن تكون ان ملكت اختيارك متاركا فى زمان الكدر ؛ أولى من أن تكون مغالباً للقدر . و قد قيل فى منشور الحكم : ما كان عنك معرضاً ؛ ذلا تكن له متعرضاً . فان دعاك الاضطرار إلى الملابسة ، فان للزمان ولا تخاشنه . فقد قال بعض الحكماء : من سعادة الانسان أن لا يكون عند فساد الزمان مدبراً للزمان ؛ فسامح وتتلك ان جار ، و غالطه ان ثار كما قال الشاعر :

    فاخط مع الدهر إذا ماخطا ٭ و اجر مع الدهر كما يجرى

    و الله تعالى يمد بالمعونة من وفقه ، و أرجو أن تكون منهم .

    واعلم أيها الوزير انك مباشر لتدبير ملك له أس . هو الدين المشروع ، و نظام . هو الحق المتبوع . و قد قيل : منازع الحق مخصوم ، فاجعل الدين قائدك، و الحق رائدك، يذللك كل صعب ، و يتسهل عليك كل خطب ؛ لأن للدين أنصارا ، و للحق أعواناً ؛ إن قعدت عنك أجسادهم ؛ لم تقعد عنك قلوبهم . و حسبك أن تكون القلوب معك. و قيل لبعض الحكماء : أي الجند أوقى ؟ قال : الدين . قيل : فأي العدد أقوى؟ قال : العدل . و للدين سلطان قد انقادت اليه امامته ، و استقرت عليه دعامته ، فاجعله ظهيرا لك فى أمورك، و عونا لك على تدبيرك، تجد من القلوب خشوعا ، و من النفوس خضوعا ، فما اعتزت مملكة اليه إلا صالت ، و لا تحققت بشعاره إلا طالت . و قد روى عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال : « ما من رجل من المسلمين أعظم أجراً من وزير صالح مع امام يطيعه و يأمره بذات الله تعالى »

    و اجعل لله تعالى عليك فى خلواتك رقيبى رغب و رهب ؛ تقودك الرغبة الى طاعته ، وتصدك الرهبة عن معصيته، ليسلم باطنك من العيوب، ويخلص سرك من الذنوب . و قد نفسك الى العدل ، ينقد الناس به الى طاعتك ، و يكفوا به عن معصيتك ، و يقتصروا عليه فى مطالبتك ؛ فان من جازف فى الأخذ جوزف فى الطلب ، و من ناصف نوصف . و العرب تقول فى المجازفة من أمثالها : دخل بيتاً ما خرج منه . و قال السيد المسيح : بالمكيال الذى تكيلون يكال لكم و تزادون . و قال الشاعر :

    و من ظن ممن يظهر السوء أنه ٭ يجازي بلا سوء فقد ظن منكرا

    و اعلم أنك لن تستغزر موادك الا بالعدل والاحسان ؛ و لن تستندرها بمثل الجور و الأساءة ؛ لأن العدل استثمار دائم ، و الجور استئصال منقطع . وقد قيل فى منشور الحكم : بالعدل و الانصاف ، تكون مدة الائتلاف .

    و ليس يختص العدل بالأموال دون الأقوال و الأفعال. فعدلك بالأموال أن تؤخذ بحقها ، و تدفع الى مستحقها ، لأنك فى الحقوق سفير مؤتمن ؛ و كفيل مرتهن ، عليك غرمها ، و لغيرك غنمها .

    و عدلك فى الأقوال أن لا تخاطب الفاضل بخطاب المفضول ، و لا العالم بخطاب الجهول ، و تقف فى الحمد و الذم على حسب الأحسان و الأساءة ، ليكون ارغابك و ارهابك على وفق أسبابهما من غير سرف و لا تقصير ، فلسانك ميزانك . فاحفظه من رجحان أو نقصان . و قد قال بعض الحكماء : جعل الله الانسان أفضل الحيوان ، وصير أفضل جارحة فيه اللسان ، فجعله للضمائر ترجماناً ، و لما جمعته العقول و البصائر تبيانا ، و بين الحق و الباطل فرقانا ، و لقد قال الاحنف بن قيس : « النطق مسفرة، و الصمت مسترة » و للكلام روية تتقدم على المعانى دون الألفاظ ، فكل المعانى الى رويتك ، و فوض الألفاظ الى بديهتك ، فان ابتكار المعانى خطر ، و الروية فى الألفاظ لكن . و لأن يكون الكلام مطبوعا ، أولى من يكون مصنوعا . إلا أن يكل الخاطر بشوائب الهموم ، و يكون الكلام مع ذي قدر عظيم ، فيروى فى الاختصار ، ففى الاكثار عثار ، يفضى الى ضجر إن استرذل، و الى ملل إن استثقل . و قد قيل : أول العى الاختلاط، و أسوأ القول الافراط. و لذلك قيل الحصر خير من الهذر ، لأن الحصر يضعف الحجة ، و الهذر يتلف المهجة . و قال عبد الحميد : العاقل للسانه عاقل . و قيل فى منشور الحكم : اذا تم العقل نقص الكلام .

    و عدلك فى الافعال أن لا تعاقب إلا على ذنب ، و لا تعفو إلا عن إنابة ، و لا يبعثك السخط على اطراح المحاسن ، و لا يحملك الرضا على العفو عن المساوى . حكى عن سليمان بن داود عليهما الصلاة و السلام أنه قال : اعطيت ما اعطى الناس و ما لم يعطوا ؛ و علمت ما علم الناس و ما لم يعلموا . فلم أعط شيئا أفضل من الحق فى الرضا و الغضب ، و القصد فى الغنى و الفقر ، و خشية الله في السر و العلانية . و قد قال بعض الحكماء : « من سكرات السلطان الرضا عن بعض من يستوجب السخط ، على بعض من يستوجب الرضا . » و كما لا تستوي الحسنة و لا السيئة ؛ كذلك لا يستوي المحسن و المسىء . و قد قيل : أخبث الناس ، المساوي بين المحاسن و المساوي . فاجتذب بافعالك ما ناسبها ، و قابل بمجازاتك ما أوجبها ، و اجعل جزاء الافعال بحسبها من احسان و اساءة ، يستوجب بهما ثواب و عقاب ؛ فان لميلك و رضاك حكما سواء ، إن وصلت عليه خرجت عن المجازاة الى التبرع بالصلة ، و أنت فى تبرعك مخير ، و فى مجازاتك مضطر . و قد قال الحسن البصرى : المؤمن لا يحيف على من يبغض ، و لا يأثم فى من يحب . فأما التقريب و الابعاد ؛ فيجوز أن يعتبر بالسخط و الرضا ؛ اذا لم تحط بهما ذوي الاقدار ؛ و ترفع بهما أهل الخمول ؛ لأن لك خيارك أن تبتدىء بتقريب من أردت ، و ابعاد من كرهت ، اذا سلم رأيك من تقريب ذى النقص و ابعاد ذى الفضل ؛ فتستطر بتقريب الناقص و ابعاد الفاضل ؛ و ان كان التشاكل مركوزا في الغرائز . و قد قال بعض البلغاء : لا تصطنع من خانه الأصل ؛ و لا تستصحب من فاته العقل ؛ لأن من لا أصل له يغش من حيث ينصح ، و من لا عقل له ؛ يفسد من حيث يصلح . و ذلك مما يعسر توقيه ، و يفوت تداركه و تلافيه، و ليكن وفاؤك بالوعد حتما، و بالوعيد حزماً ؛ لأن الوعد حق عليك ؛ و الوعيد حق لك على غيرك ؛ فكنت فيه على خيارك ، فمن أجل ذلك لم يجز إخلاف الوعد ؛ و ان جاز اخلاف الوعيد . و قد قال أحد الشعراء :

    و إنى وان أوعدته أو وعدته ٭ لمخلف إيعادي و منجز موعدى

    لكن ينبغى أن يقترن بخلف الوعيد عذر حتي لا يهون وعيدك ليكون نظام الهيبة به محفوظا ، و قانون السياسة فيه مضبوطا ؛ فأظهره ان خفى لتكون باخلاف وعيدك معذوراً ؛ و بعفوك عنه مشكوراً ؛ و قد روى عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال : ما ازداد أحد بالعفو إلا عزا . و للوعد و الوعيد شرطان : أحدهما ، أن يكونا مستحقين ما أوجبهما من احسان و اساءة ، و الثانى أن تقترن بتقديمهما على الثواب و العقاب مصلحة فى ترغيب و ترهيب ؛ فان لزم تقديم الثواب و العقاب على الوعد و الوعيد، كان الوعد تقصيراً أو الوعيد عجزاً . و قد قال بعض الحكماء : الوعد مرض المعروف ، و الانجاز برؤه ، و المطل تلفه . و قال بعض البلغاء : اذا احسنت القول فاحسن الفعل ، ليجتمع لك مزية اللسان و ثمرة الاحسان ، فانك لا تخلو فى خلفه من ذنب تكتسبه أو عجز تلتزمه . و ليكن فعلك أكثر من قولك ، فان زيادة القول على الفعل دناءة و شين، و زيادة الفعل على القول مكرمة و زين، و لا تجعل لغضبك سلطانا على نفسك، يخرجك من الاعتدال الى الاختلاف ؛ فان يسلم بالغضب رأي من زلل ، و كلام من خطل، لأن ثورته طيش معر ، و نفرته بطش مضر ، لأنه يخرج عن التأديب الى الانتقام، و عن التقويم الى الاصطلام . و لذلك قيل : أول الغضب جنون ، و آخره ندم . و قال ابن عباس : لم يمل الى الغضب إلا من اعياه سلطان الحجة . و قال بعض السلف إياك و عزة الغضب ، فانها تفضى بك الى ذل الاعتذار . و قال بعض الحكماء : من كثر شططه كثر غلطه . و قال بعض الشعراء :

    و لم أر للأعداء حين اختبرتهم ٭ عدواً لعقل المرء أعدى من الغضب

    و ليكن غضبك تغاضبا ، تملك به عزمك ، وتقوم به خصمك . فتسلم من جور غضبك و تقف على اعتدال تغاضبك . فقد قيل فى بعض صحف بنى اسرائيل : اذا كان الرجل ذا غضب تواترت عليه الوضائع ؛ فكلما اشتد غضبه ازداد بلاء . و قال بعض الحكماء : الغضب يصدىء العقل . و كتب كسرى ابرويز الى ابنه شيرويه : إن كلمة منك تسفك دما ، و إن أخرى منك تحقن دما ، و إن نفاذ أمرك مع ظهور كلامك ؛ فاحترس فى غضبك من قولك أن يخطىء ، و من لونك أن يتغير ، و من جسدك أن يخف؛ فان الملوك تعاقب قدرة ، و تعفو حلما . و قد يقترن بالغضب لجاج يساويه فى معرته، و يشاركه في مضرته ؛ لأن اللجاج التزام الخطأ و إطراح الثواب . فدع عنك لجاج الألد الخصم ، و تجنب عواقب النذل الفدم ، و تابع الرأى فيما اقتضاه ، فلن يقبح بك العدول اليه بعد لجاجك ، و لأن تنتفع بالرأى أولى من أن تستعز باللجاج . و قد قال بعض الحكماء : من استعان بالرأى ملك ، و من كابد الأمور هلك . و قال ابن المقفع : دع اللجاج فانه يكسر عزائم العقول. و قيل فى منشور الحكم : الظفر لمن احتج لا لمن لج. و قيل فيه : اللجوج يدخل فيما ليس منه خروج .

    واعلم أن الجد و الهزل ضدان متنافران ؛ لأن الجد من قواعد الحق الباعث على الصلاح . و الهزل من مرح الباطل الداعى الى الفساد ؛ فصار فرق ما بين الجد والهزل ، هو فرق ما بين الحق و الباطل ؛ و تنافر الاضداد يمنع من الجمع بينهما . فاذا انفردت باحدهما كنت للآخر تاركا . و قد قيل الحق مفروض ، و الباطل مرفوض . و قال على كرم الله وجهه : العقل حسام قاطع و الحلم غطاء سابغ ، فقاتل هواك بعقلك ، و استر خلل خلقك بحلمك ، و استعمل الجد ينقد اليك الحق ، و يفارقك الباطل ، و لا تعدل الى الهزل فيتبعك الباطل ، و ينافرك الحق. ولقلما انثلمت هيبة الجد و تكاملت هيبة الهازل، و الهيبة أس السلطنة . و حكى عمرو بن مرة أن رجلا من قريش قال لعمر بن الخطاب رضى الله عنه : لن لنا، فقد ملأت قلوبنا هيبة ، فقال أفي ذلك ظلم ؟ قال : لا. قال : فزادنى الله في صدوركم مهابة . و قال حكيم الهند : ليكن فيك مع طلاقتك تشدد ، كيلا يجترأ عليك بالطلاقة ، و ينفر منك بالتشدد ؛ فاما الهزل فيكون من سخف أو بطر يجل عنهما من ساس الرعايا ، و دبر الممالك . قال بزرجمهر : الهزل آفة الجد ، و الكذب عدو الصدق ، و الجور مفسدة الملك . و قال ملك الهند للاسكندر ، و قد دخل بلاده : ما علامة دوام الملك ؟ قال : الجد في كل الامور . قال : فما علامة زواله ؟ قال : الهزل فيه . و قد قيل : من أبطرته النعمة وقره زوالها . و ليس الكبر و العنف جدا ، و لا التواضع و اللطف هزلا ؛ و ربما تدلست هذه الاخلاق بغلبة الهوى و نازع الفطرة ، فمزج صاحبها بالجد كبرا و عنفا ، ليكون بهيبة الجد أحق ، و من سخف الهزل ابعد ؛ و هذا غير محسوس، لأن الكبر و التواضع من شيم النفوس كالسخاء والبخل، والجد والهزل من أفعالها كالحق و الباطل ؛ فتباعدا فى السبب و اختلفا فى المسبب . و قد روي عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال : « اذا أراد الله بعبد خيراً جعل له واعظا من نفسه » . و قيل فى منشور الحكم : اذا عرفت نفسك لم يضرك ما قيل فيك .

    و ربما استكد الجد خاطر المجد ، فاستروح ببعض الهزل ليستعين به على مصابرة الجد . فقد قيل فى منشور الحكم : الهم قيد الحواس . و حكى عن أبى الدرداء أنه قال : انى لأستجم نفسى بالشىء من الباطل ، ليكون أقوى لها على الحق . و قيل فى منشور الحكم : ما أكثر من نهى فأغرى ، فلا بأس أن يستسر منه فى زمان راحته ، و أوقات خلوته ، بمقدار دوائه من دائه ، فان الكلال ملال ، و ليس للملول حزم و لا عزم . و ليكن فيما