Section: On the Meaning of the Vizierate
Medieval al-Māwardī Arabicيتعلل به من الهزل محافظا على دينه و صيانة مروءته ، و يخرج هذا القدر عن حكم ما ذم من الهزل ، لأنه عون على ما يحمد من الجد . كما قال الشاعر :
أفد طبعك المكدود بالجد راحة ٭ يجم و علله بشىء من المزح و لكن إذا أعطيته المزح فليكن ٭ بمقدار ما يعطى الطعام من الملح
و كما تنافر الجد و الهزل ، كذلك تنافر الصدق و الكذب ، ضدان متنافران تختلف عللهما ، و تفترق نتائجهما . فالصدق من لوازم العقل ، وهو أس الدين ؛ و قوام الحق . و الكذب من غرائز الجهل ، وهو زور يقترن بغرور ، ان التبست أوائله انهتكت أواخره ، و ان جر التباسه نفعا ، عاد انتهاكه ضررا ، فلم يسلم من معرة زور ، و مضرة غرور . و قد روى عقبة ابن عامر عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال : « أعظم الخطايا اللسان الكذوب » ، و قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه : لان يضعنى الصدق ـ و قلما يفعل ـ أحب إلى من أن يرفعنى الكذب ـ و قلما يفعل ـ . و وجدت لسليمان بن داود عليهما الصلاة و السلام فى سفر حكمته انه قال : الذى يلج بالكذب يرعى الرياح . و هذا من أوضح الامثال بياناً و عيانا .
فصل
( فى معنى الوزارة )
و اذا مضت هذه الفصول فى مقدمات الوزارة فاسمها مشتق من معناها . و اختلف فيه على ثلاثة أوجه ، أحدها : انه من الوزر وهو الثقل ، لأنه يحمل عن الملك أثقاله. و الثانى : انه مشتق من الأزر وهو الظهر ، لأن الملك يقوى بوزيره كقوة البدن بظهره . و الثالث : أنه مشتق من الوَزَر وهو الملجأ و منه قوله تعالى : ( كلا لا وزَرَ ) أى لا ملجأ ، لأن الملك يلجأ إلى رأيه و معونته ، لان عليه مدار السياسة و اليه تفوض الاموال . و قد قال بعض ملوك الفرس : الوزراء ساسة الاعمال ، و حازة الاموال .
واذا كان كذلك فالوزارة ضربان : وزارة تفويض تجمع بين كفايتى السيف والقلم . ووزارة تنفيذ : تختص بالرأى والحزم . ولكل واحدة منهما حقوق وشروط .
فأما وزارة التفويض الجامعة بين كفايتى السيف والقلم ، فهى أعم نظراً ، وأنفذ أمراً . وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: « خلق الله الدنيا للسيف والقلم، وجعل السيف تحت القلم ». وهذه الوزارة هى الاستيلاء على التدبير ، والعقد، والحل، والتقليد، والعزل ، فاما العقد ، فيشتمل على شرطين : تنفيذ واقدام ، وأما الحل فيشتمل على شرطين : دفاع وحذر ، فصار الحل والعقد هنا أحد شرطى هذه الوزارة يشتملان على أربعة شروط : تنفيذ ، ودفاع ، واقدام ؛ وحذر . ولكل شرط منها فصل يشتمل على فصول .
فاما الفصل الاول، وهو التنفيذ. فهو أس الوزارة ، وقاعدة النيابة ، وهو الأخص بكفاية القلم فى مصالح الملك واستقامة الأعمال، ويشتمل على أربعة أقسام: أحدها تنفيذ ما صدرت به أوامر الملك، فعلى الوزير فيها حقان : أحدهما أن يتصفحها من زلل فى ابتدائها ، ويحرسها من خلل فى أثنائها ، ليرده عن زللها باللطف، ويقوى عزمه على صوابها بالاحماد . وقد قال افلاطون : أول رياضة الوزير أن يتأمل أخلاق الملك ومعاملته ، فان كانت شديدة فظة ، عامل الناس بدونها ، وان كانت لينة مطلقة عاملهم بأقوى منها ، ليقرب من العدل فى سعيه ، والثانى تعجيل امضائها للوقت المقدر لها ، حتى لا يقف فيوحش ، لأن وقوف أوامره يوحش ، وهو مندوب للتنفيذ دون الوقوف . وقد قال حكيم الهند : العجلة فى الأمر خرق ، وأخرق من ذلك التفريط فى الأمر بعد القدرة عليه . وقال بعض حكماء العرب : كم من عزيز أذله خرقه ! ومن ذليل أعزه خلقه ، ودرك هذا التقليد عائد على الملك دون الوزير .
والقسم الثانى تنفيذ ما اقتضاه رأي الوزير من تدبير المملكة فعليه فى امضائه حقان: أحدهما أن يراعى أولى الأمور فى اجتهاده وأصوبها فى رأيه، لأنه مندوب لاصلحها ومأخوذ بأصوبها . والثانى أن يطالع الملك به ان جل ، ويجوز أن يطويه عنه ان قل، ليخرج عن الاستبداد المنفر، ويسلم من الحقد المؤثر . وقد قال حكيم الهند: الاحقاد مؤثرة ، حيث كانت ، وأخوفها ماكان فى أنفس الملوك ، لانهم يدينون بالانتقام ، ويرون الطلب بالوتر مكرمة وفخرا ، فان عارضه الملك فى رأيه بعد المطالعة به لم يستوحش من معارضته لانه ملك مستنيب ، وظان مستريب ، وقابل بين رأيه ومعارضته فيه ، واستوضح منه أسباب المعارضة بلطف ، ان خفيت . فقد قيل : الكلام اللين مصائد القلوب ، فان وضح صوابها ، توقف عن رأيه وشكره على استدراك زلله ، وتلافي خلله ، وقد من عليه إذ صفح ولم يؤنب ، وان كان الصواب مع الوزير تلطف فى ايضاح صوابه ، وكشف علله وأسبابه، فان ساعده على امضائه أمضاه ، وكان درك تنفيذه عائدا على الوزير دون الملك ، وان لم يساعده عليه توقف عنه انقيادا لطاعته . فقد قال بعض السلف : من ضن بعرضه فليدع المراء . وقال : خل الطريق لمن لا يفيق ، ويكون درك وقوفه عائدا على الملك دون الوزير .
والقسم الثالث تنفيذ ما صدر عن خلفائه على الاعمال التى فوضها إلى آرائهم ، ووكلها إلى اجتهادهم ، فان تفردوا بتنفيذها أمضاها لهم ، ولم يتعقبها ما لم يتحقق زللهم فيها . وكان درك تنفيذها عائدا على العمال دون الوزير ، وان وقفوها على تنفيذ الوزير ، فعليه فى تنفيذها حقان : أحدهما أن يستكشف عن اسبابها ليعلم خطأها من صوابها: والثانى تقوية أيديهم ونفى الارتياب عنهم ، فان ظهور الارتياب يخنيهم . وقد قال حكيم الفرس : ليس احد أبعد من الخير من اثنين منزلتهما واحدة ، وعللهما مختلفة ، أحدهما من لا يثق بأحد ، والثانى من لا يثق به أحد ، فان نفذها لهم حين لم يتحقق زللهم فيها ، كان درك تنفيذها عائداً على العمال دون الوزير ، وإن وقفها كان درك وقوفها عائدا على الوزير دون العمال .
والقسم الرابع تنفيذ أمور الرعايا على ما ألفوه من عادات ومعاملات، واختلفوا فيها حتى ائتلفوا بها ؛ لأن الناس مجبولون على الحاجة الى أنواع لا يقدر الواحد أن يقوم بجميعها، فخولف بين هممهم لينفرد كل قوم بنوع منها ؛ فيأتلفوا بها فيقوم الزراع بمزارعهم ؛ ويتشاغل الصناع بصنائعهم . ويتوفر التجار على متاجرهم . وقد قال حمير الملك لوزيره : الناس أربع طبقات طبقة للفروسية ألحقهم بالشرف ، وطبقة لاقامة الديانة ألحقهم بالكفاية ، وطبقة للزراعة والعمارة أجرهم على الانصاف ، وطبقة للمهن لا تخلهم من الاحسان. وعليه فى تنفيذها لهم حقان : أحدهما أن لا يعارض صنفا منهم فى مطلبه ؛ والثانى ان لا يشاركه فى مكسبه . وربما كان للسلطان رأي فى الاستئثار من أحد الاصناف فينقل اليه من لا يألفه فيختل النظام بهم فيما نقلوا عنه وفيما نقلوا اليه ، لأن تميزهم بالهام الطباع اعدل فى ائتلافهم من التصنع لها ، وربما ضن السلطان عليهم بمكاسبهم فتعرض لها او شاركهم فيها ، فاتجر مع التجار ، وزرع مع الزراع ، وهذا وهن فى حقوق السياسة ، وقدح فى شروط الرياسة من وجهين : أحدهما أنه اذا تعرض لأمر قصرت فيه يد من عداه ، فان تورك عليه لم ينهض به ، وان شورك فيه ضاق على أهله . وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال : « ما عدل وال اتجر فى رعيته » . والثانى ان الملوك أشرف الناس منصبا ، فخصوا بمواد السلطنة لأنها أشرف المواد مكسبا ، فان زاحموا العامة فى درك مكاسبهم أو هنوا الرعايا بسوء الممالك ، وعاد وهنهم عليها فاختل نظامها ، واعتل مرامها . وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : « اذا اتجر الراعى اهملت الرعية » . وقال بعض الحكماء : اذا لم يكن فى سلطان الملك سرور الرعية ، كان ملكه ظلما . وكتب حكيم الروم الى الاسكندر : أى ملك تطلعت نفسه الى المحقرات فالموت أكرم له .