Section: Defence, the Vizier's Charge
Medieval al-Māwardī Arabicفصل
( الدفاع بهمة الوزير )
فاما الفصل الثانى وهو الدفاع . ويشتمل الدفاع على اربعة اقسام : أحدها الدفاع عن الملك من الأولياء ، والثانى الدفاع عن المملكة من الاعداء ، والثالث دفاع الوزير عن نفسه من الأكفاء ، والرابع دفاعه عن الرعية من خوف واختلال .
فاما القسم الاول فى دفاعه عن الملك من أوليائه. فيكون بثلاثة اسباب : أحدها أن يقودهم الى طاعته بالرغبة ؛ ويكفهم عن معصيته بالرهبة ؛ فان الرغبة والرهبة إذا تواليا على النفس ذلت لهما وانقادت خوفا وطمعا ، وبهما تعبد الله الخلق فى وعد الله ووعيده : والثانى أن يقوم بكفايتهم حتى لا ينفروا بالقوة أو يتفرقوا بالضعف ، وكلاهما قدح فى الملك لأنهم بالقوة اعداء مسلطون، وبالضعف عجزة مستبدلون . وثبات الملك يكون بان تكون القوة للسلطان ليصير قاهراً لهم ، ولا تكون القوة لهم فيصير مقهورا بهم . بلغ المأمون أن الجند بخراسان شغبوا ونهبوا فكتب الى عامله بها: لو عدلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينهبوا : والثالث أن يحفظهم من الاغواء ، ويحرسهم من الاغراء ، وذلك بأمرين : احدهما بالبحث عن اخبارهم حتى يعلم سليمهم من سقيمهم : والثانى بابعاد المفسدين عنهم حتى لا يتعدى اليهم فسادهم ، فان الكف بحسب الكشف، والمهل زائغ أو رائغ ولا خير فى واحد منهما لضلال الزائغ ومخاتلة الرائغ. وقد قيل فى منثور الحكم : من علامة بقاء الدولة قلة الغفلة .
والقسم الثانى فى دفاعه عن المملكة من اعدائها ؛ واعداء الممالك من انفرد بملك أو امتنع بقوة . وهم ثلاثة اصناف: اكفاء مماثلون، وعظماء متقدمون، وناجمة متنافسون . فاما الا كفاء المماثلون فيدفعون بالمقاربة والمسالمة . وأما العظماء المتقدمون فيدفعون بالملاطفة والملاينة . وأما الناجمة المنافسون فيدفعون بالسطوة والمخاشنة . فان اختلاف الرتب يوجب تباين اهلها وتنافى احوالها. فان انقاد الاعلى انقاد له الأدنى، يدين بما دان، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم « كما تدين تدان ». وأن ناكر نوكر وكان على وجل من سطوة العالى ومنافرة الدانى. وقد قال بعض الحكماء : من قلت تجربته خدع ، ومن قلت مبالاته صرع . وان استغنى عن محاربة احدهم كف عنها وهول بها، ولم يخرق حجاب الهيبة ؛ ولم يقطع اسباب المراقبة؛ ليحظى باربعة اشياء : دعة المسالمة، والأمن من خطر المناجزة ، وبقاء الاموال، وراحة الاجناد . وقد قالت القدماء : خذ بالاناة ما استقامت لك، واقبل العافية ما وهبت لك ، ولا تعجل الى مناجزة العدو ما وجدت الى الحيلة سبيلا ، ولا تسأمنّ من مطاولة عدوك، فان لك فى الابطاء انتظاراً لفرصة، وظفراً بعورة، وتوق طلاب الظفر باللقاء ، فانه لا يكاد ينال الا بالاخطار . ولتكن الرغبة منك فى طاعة عدو لك آثر عندك من الغنيمة، تصب به سلامة أصحابك ورعيتك. وقد قال على بن ابى طالب رضى الله تعالى عنه: خذ على عدوك بالفضل، فانه أحد الظفرين. وإن دعت الضرورة الى المناجزة بعد الاعذار والانذار ، أيقظ لها عزمه واستعمل فيها حزمه؛ وأقدم عليها بعد الاستخارة متبعاً للدين، ومستعملا للعدل. فلن يعدل عنهما الاباغ مصروع ، وقد قال بعض الحكماء: من سل سيف البغى اغمد فى رأسه ، ومن أسس اساس السوء اسسه على نفسه . وليكن الحذر جنته، والاستظهار عدته، وقد قال حكيم الفرس : احذر التفريط فى الأمور اتكالا على القدر ، فان لكل قدر سبيا يجرى اليه؛ فسبب النجح العمل، وسبب الخيبة التفريط ، وكان يقال: تفكر قبل أن تعزم، وتبين قبل أن تهجم ، وشاور قبل أن تقدم. واذا وضعت الحرب أوزارها على ظهر وغلبة صفح وتألف . فقد كتب حكيم الروم الى الاسكندر : اذا ظهرت الغلبة على قوم فضع مع أوزار الحرب الغضب ، لأنهم فى الحال الأولى اعداء ، وهم فى هذه الحال خول ، فابدلهم بالغضب رحمة ، وبالأذى احسانا .
والقسم الثالث فى دفاع الوزير عن نفسه من اكفائه ، فتكون بعد استصلاح الطرفين الاعلى وهو الملك، والادنى وهم الاعوان. والاكفاء ثلاثة : واتر ، وموتور ، ومنافس .
فاما الواتر : فقد بدا بشرّه ، وجاهر بعداوته ؛ وكلاهما بغى منه يؤنس بالنصر عليه ، وقد قال سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام : سهم الظالم يرجع عليه، لأن عقوبته تسرع اليه ، وقد قال بعض الحكماء : من فعل الخير فبنفسه بدأ ، ومن فعل الشر فعلى نفسه جنى. ولك فى بره حقان حق فى مقابلته على ما قدم من بره ، وحق فى استدفاع ما جاهر به من عداوته، فاما حقك فى المقابلة فان عفوت عنها كنت بالفضل جديرا ؛ وإن قابلت عليها كنت فى المقابلة معذوراً . وقد روي عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال « من أراد أن يشرف الله له البنيان، وأن يرفع له الدرجات يوم القيامة ؛ فليعف عمن ظلمه ، ويصل من قطعه، وليعط من حرمه، وليحلم عمن جهل عليه » وقال المنتصر: لذة العفو أطيب من لذة التشفى ، لأن لذة العفو يتبعها الحمد ، ولذة التشفى يعقبها الندم، قال الشاعر :
وليس اعتذاري من قبيح بنافع ٭ اذا قيل لى يوما وصدق قائله فانك تلقى فاعل الشر نادما ٭ عليه ولم يندم على الخير فاعله
وأما حقك فى استدفاع عداوته ، فقد أيقظك بمجاهرته ، واوهن كيده بمظاهرته . وقد قيل فى منثور الحكم : اوهن الأعداء كيدا أظهرهم بعداوته ؛ فاحذر بادرته وادفع عداوته. ودفعها مختلف باختلاف طباعه فى اثباته الرغبة أو تقويمها بالرهبة . وقد قال لقمان لابنه: يا بنى اعتزل الشر يعتزلك فان الشر للشر خلق . وقد قيل فى الصحف الأولى: الشرير شره عليه . وقال الحسن بن سهل ـ وحدث الفهلمان ـ: ثلاثة لا يصلح فسادهن بشىء من الحيل: العداوة بين الاقارب، وتحاسد الاكفاء، والركاكة فى الملوك. وثلاثة لا يستفسد صلاحهن بنوع من المكر : العبادة فى العلماء، والقنوع فى المستبصرين، والسخاء فى ذوى الاقدار . وثلاثة لا يشبع منهن: الحياة والمال والعافية .
وأما الموتور : فقد بودىء بالاساءة فصبر ، وجوهر بالعداوة فأخفاها . فله ترة مظلوم ووثبة مختلس ، فتتوقى ترة ظلامته بالاستعطاف ، وتتوقى مخالسته بالاحتراز . وقد روى مجالد عن الشعبى عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إياكم والمشارّة فانها تدفن الغره وتظهر العره ». وقد قيل فى امثال الحكم: ثلاثة القليل منها كثير، النار والعداوة والمرض. قال الشاعر:
فلا تأمنن الدهر حراً ظلمته ٭ فما ليل مظلوم كريم بنائم
وأما المنافس فهو طالب رتبة إن نال منها سداداً من عوز ياسر، وان ضويق فيها نافر ، فارخ له عنان الأمل، واخفض جناح منافسته بالاستنابة والعمل، لتدفعه بالمياسرة عن المنافرة، وغالط به الايام فان الساعات تهدم الاعمار . وقد قيل فى منثور الحكم: المرء بساعاته؛ والدهر فى مساعاته . ولا تجعل له فراغا يتشاغل فيه بمساءتك، ويجعلك عذراً فى السعى على منزلتك، فان المضطر جسور . فان ساق القضاء اليه حظا كنت له مصطنعا يرعى لك حقوق الاصطناع . فقد قيل: من علامة الاقبال اصطناع الرجال. وقال بعض الحكماء: اصطنع الخير عند امكانه؛ يبق لك حمده بعد زوال ايامه؛ واحسن والدولة لك يحسن اليك والدولة عليك، واجعل زمان رخائك عدة لزمان بلائك. وان صده القضاء عن ارادته وحجزه القدر عن طلبته، كفيت ما خافته وقد أحسنت. ووصلت الى ما اردته، وقد أجممت. فقد قيل فى منثور الحكم: الحوائج تطلب بالعناء ، وتدرك بالقضاء، ثم قد أوجبت باحسانك شكراً ؛ واقمت باجمامك عذراً ؛ اجتذبت بهما قياد منافسك الى طاعتك، وصرفته بهما عن التعرض لمنافستك ، فسيجعلك قبلة رجائه إذ لم يحظ بخير الا منك، ولم يقض من زمانه وطرا الا بك. وقد قيل فى منثور الحكم : من استصلح الاضداد بلغ المراد. وقد قيل فى منثور الحكم: قيل لبعض الحكماء ما النبل؟ قال مؤاخاة الاكفاء، ومداهنة الأعداء . وربما تعرض لعداوتك من قصر عن رتبة منافستك؛ فاعطه من رجائه طرفا، واقبض من زمامه طرفا، واختبرها فيه فستقف به الغاية على صلاح أوفساد، فان صلح سوعد ، وان فسد توعد وقد قال ازدشير بن بابك: احذروا صولة الكريم اذا جاع؛ واللئيم اذا شبع . وقد قيل فى منثور الحكم : علة المعاداة قلة المبالاة . وقال سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام لابنه: لا تستكثر أن يكون لك الف صديق فالالف قليل، ولا تستقل أن يكون لك عدو واحد فالواحد كثير . والسلامة من الزمان واهله من كذب الامانى، فاقلل ولا تستكثر ؛ فقد روي عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لو لم يصب ابن آدم من الدنيا الا الأمن والسلامة لكفى بهما داء قاتلا ». وقيل فى منثور الحكم: الناس عون على الصبر. وقال ابراهيم بن المهدي :
وللنفوس وان كانت على وجل ٭ من المنية آمال تقويها فالمرء يبسطها والدهر يقبضها ٭ والنفس تنشرها والموت يطويها
والقسم الرابع: فى الدفاع عن الرعية من خوف واختلال من نتائج الاهمال، وكلاهما من سوء السيرة وفساد السياسة لترددهما بين تفريط وافراط ، وخروجهما عن العدل إلى تقصير أو اسراف: وهم قوام الملك المستمد وذخيرة المستعد ان أهملوا فسدوا وأفسدوا، وان حيف عليهم هلكوا وأهلكوا ، فلن يستقيم ملك فسدت فيه أحوال الرعايا، لأنه منهم بمنزلة الرأس من الجسد لا ينهض إلا بقوته ولا يستقل إلا بمعونته ، وعليك لهم ثلاثة حقوق : أحدها أن تعينهم على صلاح معايشهم ، ووفور مكاسبهم، لتتوفر بهم موادك وتعمر بهم بلادك . وقد روى عطاء عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: « خير الناس أنفعهم للناس » . وقال وهب بن منبه : ان أحسن الناس عيشا من حسن عيش الناس فى عيشه : والثانى أن تقتصر منهم على حقوقك وتحملهم فيها على انصافك، ليكونوا على الاستكثار أحرص وفى الطاعة أخلص ، وقد قيل: من خاف اساءتك اعتقد مساءتك. ولا تكلهم فى مقادير الحقوق إلى غيرك فيكونوا له أرجأ وعليه أحنا. فقد قيل فى سالف الحكم: انما يستخرج ما عند الرعية ولاتها، وما عند الجند قادتها، ومافى الدين والتأويل علماؤه : والثالث أن