2 — The ancient Arabs, their genealogies and their history
20th Century Jurjī Zaydān Arabicوافريقيا وان المشهور من انتساب العرب الى اسماعيل وقحطان من آباء التوراة وتسلسل القبائل على الصورة المعروفة انما هو حادث وضعه اهل الاغراض في زمن حديث لا يتجاوز القرن الاول للهجرة مبنياً على ديوان الامام عمر بن الخطاب من حيث حقوق المسلمين في العطاء بالنظر الى القبائل وانسابها ( صفحة ٦ من كتابهِ )
ولتأييد هذا الرأي بدأ اولاً باثبات الامومة عند العرب فقال ان العرب في الزمن القديم لم يكن عندهم عائلة رئيسها الاب ولا كانت الانساب تتصل بالآباء بل كان الزواج عندهم نحو ما هو في بلاد تيبت اليوم ويعرف بالزواج التيبتي وذلك ان المرأة تتزوج برجلين فأكثر واولادها لا ينتسبون لاحدهم وانما ينتسبون الى القبيلة ويسمون بطوتمها كما تقدم . فعمد اولاً الى ايراد الادلة على اثبات الامومة وشيوعها عند العرب القدماء ولما ظن نفسه اثبتها عمد الى اثبات الطوتمية فبذل قصارى جهده في استخراج الادلة والشواهد مما سنفصله ونبين وجه الخطأ فيه
٢ ــ العرب القدماء وانسابهم واخبارهم
وقبل التقدم الى البحث في ادلة الاستاذ سميث نقول كلمة اجمالية في العرب وانسابهم ورواياتهم تمهيداً للبحث :
ان من يطالع رأي صاحب طوتمية العرب ومن يقول قولهُ من المستشرقين يدرك لأول وهلة انهم انما حملهم على ذلك امران الاول ضعف ثقتهم باقوال مؤرخي العرب وبما حفظ من خرافاتهم القديمة والثاني نهوض اهل القرن الماضي لتحدي ما ثبت من مذهب الارتقاء في قواعد العمران لان شيوع هذا المذهب في اواسط ذلك القرن حمل ادباء الافرنج على رد كل شيء الى اسباب طبيعية كما فعل سبنسر في رد العبادات واكثر العادات الى مثل هذه الاسباب . وهكذا اراد صاحب طوتمية العرب فانه لما اطلع على ما كتبه مكلينان عن الطوتم في القبائل المتوحشة ــ وهو مستشرق مطلع على اخبار العرب سيىء الظن في جاهليتهم يحتقر اقوال رواتهم ونسابيهم ــ ورأى بين اسماء آباء القبائل والبطون ما يشبه اسماء الحيوانات سبق الى وهمه انها من آثار الطوتمية عندهم . فوضع هذا الحكم نصب عينيه واخذ على نفسه ان يبرهنه . ولما كانت الطوتمية مبنية على الامومة عمد الى اثبات هذه فاتى بادلة ضعيفة تجاوز بها حد التكلف واستشهد بنوادر من اخبار العرب تجعل الشاذ قاعدة واغفل القواعد العامة الثابتة التي اجمع عليها النسابون والرواة مما يخالف اصول البحث . وهذا غريب من عالم اطلع على اخبار الامم وخرافاتهم وعلم ان التاريخ القديم اكثره مأخود من الخرافات المأثورة عن الاسلاف يمحصونها من الاكاذيب ويستخرجون صحيحها من فاسدها فلا يحتقرون خرافة ولا ينكرون قولاً . فان ما في الياذة هوميروس من اخبار الآلهة وخرافاتهم لم يمنع العلماء من تمحيصها والتمييز بين التاريخ والدين والخرافة فيها . ويقال نحو ذلك عن اخبار الهنود القدماء منذ نزل جماعة الآريين الى بلاد الهند على ما هو مدون في كتبهم السنسكريتية . وهكذا ينبغي ان يقال في خرافات العرب من اخبار عاد وثمود وطسم وجديس واخبار سيل العرم ونحوها . فانها مع بعدها عن مألوفنا لا تخلو من حقائق تاريخية ذات بال قد كشف الزمان صدق كثير منها فناتي بشذرات من ذلك على سبيل المثال :
عاد وثمود
ان اعرق خرافات العرب في القدم وابعدها عن المألوف اخبار القبائل البائدة . وما زال الباحثون الى عهد غير بعيد يعدُّونها من الخرافات الموضوعة قبيل الاسلام وظنها آخرون لبعض الامم الاخرى وقد حفظها العرب ونسبوها لانفسهم . ثم تبين لهم انها لا تخلو من حقيقة ثابتة لما وجدوه من ذكرها في كتب مؤرخي اليونان او جغرافيهم القدماء كاسترابون وبطليموس وغيرها . واهمُّ القبائل البائدة عاد وثمود . اما عاد فقد كان المظنون انها لم تذكر في كتب اليونان لانهم لم يعثروا بين اسماء قبائل العرب على لفظ يشبهها ولكننا بينَّا في مقالة لنا بهذا الموضوع ( الهلال ٢٣ سنة ٦ ) انهم ذكروها باسم « عاد ارم » فكتبوها Adramitae تميزاً لها عن حضرموت واسمها عندهم Xatramotitae ورجحنا هناك أنها وقبيلة هدورام المذكورة في التوراة بين العرب القاطنين بلاد اليمن قبيلةٌ واحدة
اما ثمود فقد ذكرت مراراً في كتب اليونان والرومان وعثروا على آثارها في اعالي الحجاز وحلوا بعض ما نقش على احجارها وكانوا مع ذلك يحسبون تاريخها لا يتجاوز في القدم ما وراء تاريخ الميلاد الاَّ قليلاً حتى عثر النقابون على ذكرها في انقاض اشور حوالي القرن الثامن قبل الميلاد (١) في عرض اخبار الحروب والفتوح مما يدلُّ على ان تلك القبيلة كانت ذات شان في هذا العهد . وقس على ذلك سائر اخبار القبائل البائدة مما ضاع خبره لتقادم عهده او اشتبه اسمه عند اليونان بالتصحيف او نحوه كما اصاب قبيلة « جديس » فان اليونان كتبوها Jolisitai والغالب في اصلها على اعتقادنا Jodisitai بابدال الدال لاماً وهما متشابهان في اللغة اليونانية فاللام تكتب هكذا Λ والذال هكذا Δ وقس عليه ناهيك بما يؤيد اخبار العرب وانسابهم من نصوص التوراة وما عثروا ويعثرون عليه في آثار اليمن وغيرها
النسابون العرب
اذا كان هذا شان خرافات العرب القديمة فكيف باخبارهم المدونة في الكتب مما اجمع عليه النسابون في صدر الاسلام والرواة يومئذ لا يقبلون رواية الاَّ بعد تحققها بالاسناد الصحيح لما تعوَّدوهُ من تحقيق الاحاديث النبوية أو نحوها من الاخبار الدينية في ذلك العصر . فالعرب يعدُّون من اكثر الامم تحقيقاً في الرواية واكثرهم تدقيقاً في حفظ ما يروونهُ ولاسيما في صدر الاسلام لاعتمادهم على الذاكرة واغفالهم الكتابة لاسباب بينَّاها في الجزء الثالث من كتابنا تاريخ التمدن الاسلامي
ولا ننكر ما يتخلل تلك الروايات من الامور الموضوعة او المختلف فيها او غير المعقولة ولكن لا يعقل ان تكون كلها موضوعة اذ لا يتأتى التواطؤُ الى هذا الحد . وان جاز لنا تصديق هذا التواطؤُ لم يكن لنا بدٌّ من السؤال عن الزمن الذي حصل فيه قبل الاسلام أو بعدهُ ؟ فاذا قيل قبل الاسلام فما الذي دعا الى حصوله ولا نعلم سبباً يدعو الى ذلك ولا نظن صاحب طوتمية العرب يعلم . واذا قيل بعد الاسلام وهو رأيهُ ــ فقد زعم ان النسابين وضعوا الانساب في صدر الاسلام فقسموها الى قحطانية وعدنانية وقسموا كلاًّ منها الى فروع . وان الغرض من هذا التقسيم بيان حقوق القبائل بالنظر الى العطاء الذي فرضهُ عمر ــ فكيف يجوز ذلك وهذه اشعار العرب الجاهلية واقوالهم وامثالهم واخبارهم شاهدة بمحافظتهم على النسب وعنايتهم بالرجوع الى اجدادهم من قحطان وعدنان ؟ بل كيف يقال هذا والاسلام من ظهوره الى انتشاره مبني على النسب القحطاني والعدناني والخلفاء يحرضون المسلمين على حفظ انسابهم والتدقيق فيها . ومن اقوال عمر بن الخطاب « تعلموا النسب ولا تكونوا كنبط السواد اذا سئل احدهم عن اصله قال من قرية كذا » (١)
فهل يصحُّ ذلك والعرب قبائل طوتمية لا رابطة بينها ولا نسب ؟
واذا افترضنا صحتهُ وان النسابين وضعوا هذه الانساب في اول الاسلام للعطاء فكيف ترضى القبائل التي ابعدها النسابون عن النسب النبوي فقلَّ عطاؤُها او ضعفت حقوقها وكيف لا تحتجُّ على ذلك بل كيف لا يشمُّ رائحة ذلك الاحتجاج من كلام المؤرخين ؟ على ان تواطؤ النسابين على الوضع بعيد الامكان لانهم لم ياتوا بشيءٍ من عند انفسهم وانما كانوا يطوفون البادية ينقلون النسب عن السنة الحفاظ ويدونونهُ او يحفظونهُ . وقد يجمع النسابة اخباره من اهل نجد والحجاز واليمن بالسؤال من الثقات في تلك الاصقاع المتباعدة الاطراف فهل يمكن تواطؤُهم على ذلك ؟
الشعوبية وانساب العرب
واذا سلمنا بامكانهِ وان العرب لم يبدوا معارضة احتراماً للخليفة او خوفاً منه فكيف سكت الشعوبية ولا سيما الفرس عن هذا الاختلاف مع ما يفاخرهم بهِ العرب من شرف النسب العربي والشعوبية يبحثون عن حجة يضعون بها من شرف العرب المتصل اليهم من انتسابهم الى اسماعيل وقحطان ــ وقد تجرأ الفرس في صدر الاسلام حتى نسبوا العرب الى الوحشية وقالوا « انهم كالذئاب العادية والوحوش النافرة يأكل بعضهم بعضاً ويغير بعضهم على بعض فرجالهم موثقون في حلق الاسر ونساؤُهم سبايا مردفات على حقائب الابل » (١) ولم يطعن احد منهم بنسبهم تلميحاً ولا تصريحاً ولو استطاعوا ذلك لكان فيهِ اقوى انتقام لهم . ولا يقال انهم سكتوا عنهُ اهمالاً او انهم لم ينتبهوا لهُ فقد طعنوا في اختلاف العرب بالنسب وفي استلحاقهم الادعياء ونحو ذلك مما يتعلق بالانساب ــ قال بحير يعير العرب باستلحاق الادعياء
زعمتم بان الهند اولاد خندف ٭ وبينكم قربى وبين البرابر وديلم من نسل ابن ضبة باسل ٭ وبرجان من اولاد عمرو بن عامر بنو الاصفر الاملاك اكرم منكم ٭ وأولى بقربانا ملوك الاكاسر أتطمع في صهري دعياً مجاهراً ٭ ولم تر ستراً من دعي مجاهر وتشتم لؤماً رهطه وقبيله ٭ وتمدح جهلاً طاهراً وابن طاهر (٢)
ومع ذلك لم يتعرضوا لصحة انسابهم أو فسادها . وامة الفرس بلغت أوج تقدمها قبل الاسلام بقرون وكان العرب ينزحون اليهم ويقيمون بينهم وجرى لهم معهم حروب ومناقشات قبل الاسلام وقد استولى الفرس على اليمن واقاموا بين ظهراني العرب وعاشروهم وخالطوهم قبيل الاسلام ــ فهم اولى الناس بمعرفة احوالهم في جاهليتهم فلو وجدوا في ضبط انسابهم شكاً ما سكتوا عنه وقد بدأوا بالنقمة عليهم من اوائل القرن الاول للهجرة . واغرب من ذلك ان النسابين انفسهم كان اكثرهم من العجم فهل يضعون شيئاً يكون سلاحاً عليهم في ايدي اعدائهم ؟
اختلاف بعض الانساب
فكلُّ ما لدينا من اخبار العرب يرجع الى ترتيب النسب على ما ذكروه في كتبهم أو رووهُ في اشعارهم وليس عندنا ما يخالف ذلك الترتيب نصاً ولا اشارة فكيف يجوز لنا نقضه ؟ ولا عبرة في ما ذكره صاحبنا من اختلاف النسابين في نسبة بعض القبائل الى قحطان أو عدنان أو الى قيس او كلب أو نحو ذلك لان النسب كما قدمنا منقول في الاصل عن افواه الناس على اختلاف الاصقاع ــ والانسان عنوان الخطاء . ولا يخلو ان يكون ديوان عمر ابن الخطاب وفرض العطاء على النسب أوجب بعض التشويش وانتماء بعض البطون الى غير قبائلها والنسابون المحققون يبينون الصحيح من الفاسد على ما يبلغ اليهِ امكانهم . ولكن وجود هذا الاختلاف لا يدلُّ على فساد النسب من اساسهِ كما ان اختلاف الرواة في تفاصيل احدى الوقائع التاريخية لا يدلُّ على انها لم تقع . فلو اختلف جماعة في فتح عمرو ابن العاص مصر فقال احدهم انهُ فتحها صلحاً وقال آخرون انه فتحها عنوة وقال غيرهم انهُ جاءها باربعة آلاف مقاتل وقال آخرون بل جاءها بعشرة آلاف واختلف آخرون في هل جاءها العرب على الخيل أو على الابل ــ فهل يدلُّ ذلك على ان مصر لم تفتح واذا قال ذلك قائل الا ننسبهُ الى الشذوذ في احكامه ؟
على ان اختلاف النسابين قد يكون سببهُ تشابه القبائل بالاسماء لفظاً واختلافها معنىً وهذا كثيرٌ في انسابهم قد وضع لهُ النسابون كتباً مستقلة ككتاب مختلف القبائل ومؤتلفها لابي جعفر محمد بن حبيب المتوفى في أواسط القرن الثالث للهجرة وقد طبع في غوتنجن سنة ١٨٥٠ ولو راجعت معجمات القبائل لرأيت عدة منها باسم واحد بعضها من قحطان والبعض الآخر من عدنان وفيها بطون من اليمنية وبطون من القيسية : فبنو اسد بطن من الازد من كهلان من القحطانية وبنو اسد ايضاً بطن من قضاعة من حمير وبنو الاوس بطن من الازد من القحطانية وبنو الاوس بطن من العدنانية وبنو الحرث عدة بطون من قبائل مختلفة وبنو بكر عدة بطون بعضها من العدنانية والبعض الآخر من القحطانية وبنو تغلب حي من وائل بن ربيعة من العدنانية وبنو تغلب بطن من قضاعة من القحطانية . وبنو تميم من طابخة من العدنانية وبنو تميم بطن من هذيل من العدنانية . وبنو ثعلبة بضعة عشر بطناً من قبائل مختلفة (١) ومثلهم بنو ربيعة وبنو سليم وبنو عامر وبنو عدي وبنو كعب وغيرهم . فالاسم الواحد تشترك فيه عدة بطون ترجع الى اصول مختلفة . وقد وجدوا بطوناً كثيرة باسم بني امية ففي قريش امية بن عبد شمس بن عبد مناف وفي اياد بن نزار أمية بن حذافة وفي الانصار امية بن زيد بن مالك من الأوس وفي طي أمية بن عدي بن كنانة بن مالك وفي قضاعة أمية بن عصبة بن هصيص وقس عليهِ
وقد تتشابهُ اسماءُ القبائل صورةً وتختلف لفظاً ومعنى مثل جسَّاس بسين مشددة وجساس بسين مخففة واكثر ما يكون الاشتباه في الاسماء المتشابهة بصور الحروف مع غض الطرف عن النقط وقد كان ذلك سبباً كبيراً للالتباس قبل الاسلام وفي صدره . ففي مذحج عنس بالنون ابن مالك بن ادد وفي غطفان عبس بالباء ابن بغيض وفي الازد عبس بالباء ابن هوازن بن اسلم . وقس عليه عنزة فانها بهذا اللفظ في ربيعة وهي عنزة بن اسد بن ربيعة بن نزار . وفي خزاعة عيرة بالياء ويقال ايضاً عنزة وفي الازد عنترة بن عمرو ابن عوف بن عدي بن الازد وفيها ايضاً عبرة بالباء اما مضمومة العين او مفتوحتها ومنها غيرة بالغين والياء باختلاف الحركات . ومن هذا القبيل عنز من ربيعة وعتر من ربيعة ايضاً ومثلها غبر وقس على ذلك اجرم واخزم واحرم وكل منها من اصل غير اصل الآخرين (١)
فهذه الاختلافات بالصورة واللفظ اوجبت بعض الالتباس في انساب القبائل . ويقال نحو ذلك في قلة عدد الآباء بالنظر الى الزمن فقد يكون سببه ضياع بعض الاجداد لنسيان اوغيره او اعتبار الجد قبيلة برأسها وليس رجلاً فرداً كما هو المظنون في بعض اجداد اليهود آباء التوراة . وهذا ايضاً من الادلة على قدم الانساب من عهد الجاهلية اذ لو وضعها واضع بعد ذلك لاتقن صناعة التزوير واكثر من الاباء حتى لا يبقى مكان لظهور التزييف ولكن النسابين لم يأتوا بشيء من عند انفسهم وانما نقلوا ما كان شائعاً على السنة العرب محفوظاً في اذهانهم على علاتهِ
وزد على ذلك ان من القواعد الاساسية في تمييز الحقوق « ان الاصل براءة الذمة » فالاصل في انساب العرب ان تعتبر كما وصلت الينا ولا يجوز لنا الاعتراض عليها او نقضها الاَّ بما لا يقلُّ ثقة عن النصوص الصريحة والقرائن الثابتة بالتواتر او نحوه . اما الاعتماد على الاقوال النادرة او الرجوع الى شوارد الاخبار واتخاذ الشواذ قواعد فلا يصح الاعتماد عليه او هو استقراء ناقص بل هو ليس من الاستقراء في شيء وانما هو من قبيل التحكم على خلاف القاعدة المتبعة في البحث والنقد . والاقرب الى الصواب في اثبات قضية ان تندرج فيها من الجزئيات الى الكليات فمتى ثبتت الجزئيات ثبتت الكليات واما صاحبنا فانه افترض القضية الكلية وحاول اثباتها فلم يعدم من الحوادث المبعثرة من اخبار العرب ما يتخذه اساساً يبني عليهِ بناءً ضعيفاً يظهر ببراعته كانه صحيح
فالاستاذ روبرتسن سميث صاحب طوتمية العرب اطلع على رأي مكلينان في طوتمية هنود اوستراليا واميركا ونحوها ورأى لبعض قبائل العرب اسماء حيوانية ووجد النسابين مختلفين في اصول بعض القبائل فتبادر الى ذهنه انها بقايا الطوتم كما قدمنا فوضع القضية الكلية « ان العرب كانوا من اصحاب الطوتم » ثم اخذ يبحث في كتبهم عما يؤيد هذا القول ولا يخفى عليك ما هنالك من النوادر الشاذة والحوادث المتضاربة فاختار ما ظنه يؤيد قولهُ واغفل الباقي . فلو كان السير على هذه الخطة في الاستدلال والبرهان جائزاً لما اعجزنا اثبات ⟨...⟩ضية ف⟨...⟩ناها مهما يكن من غرابتها ــ فلو اردنا الذهاب الى ان المرأة في الجاهلية كانت مطلقة الحرية ذات شان في الهيأة الاجتماعية مثل شأن⟨...⟩ اميركا اليوم لما عدمنا من اخبار العرب ما يسند هذا القول . وكذلك لو قلنا انها كانت تعامل عندهم معاملة البهائم فاتنا نجد ما يشاكل ما زعمنا . ولكن القاعدة في مثل هذا البحث ان ينظر في مجمل الادلة ويؤخذ الراجح بالاجماع او الاغلبية ولم يجمع العرب في اخبارهم او خرافاتهم او اشعارهم او تواريخهم او عاداتهم على شيء مثل اجماعهم على تلك الانساب افننكرها بمجرد الظن ؟ وهل يزال اليقين بالشك ــ ثم نلتفت الى رأي ليس في اخبار العرب ولا في تواريخهم ولا تواريخ سائر الامم السامية ما تشتم رائحته منه
ثم ان تلك الانساب وصلت الينا بالتسلسل من النسابين الى المؤرخين على اختلاف اماكنهم وعصورهم وهي مع ذلك مطابقة في اكثر رواياتها فكيف تتفق هذه المطابقة ان لم يكن اصلها صحيحاً . وان قيل ان ذلك الاصل وضع بعد الاسلام فلا بدَّ من ان يكون واضعه رجلاً ذا سلطان فمن هو هذا يا ترى ؟ وكيف يخفى خبره مع كثرة اعداء العرب في ذلك العصر
والصحيح ان النسب قديم عند العرب مثل قدمه عند سائر الامم السامية والعرب اشد تمسكاً بهِ لبداوتهم وتنقلهم مع فراغ ايديهم من جامعة أخرى يرجعون اليها . وقد بالغوا في المحافظة على الانساب حتى حفظوا انساب خيولهم الى اجيال كثيرة فيلحقونها بما اشتهر منها في الالحاق او السباق من خيل الجياد كاعوج والوجيه ولاحق والغراب واليحموم (١) . ولو راجعت ما وصل الينا من اخبار النسابين لعجبت بعنايتهم في حفظ الانساب وتدقيقهم في ضبطها . وكان احدهم اذا نسب واحداً تتبع نسبه من ابيه الى رهطه فالفصيلة حتى يصل الى القبيلة او بالعكس من القبيلة الى الفرد
الشعوب السامية
وقد ذهب صاحب طوتمية العرب في مقدمة كتابه « اديان الساميين » وفي كتاب « انساب العرب » الذي نحن في صدده ( صفحة ١٧٨ ) ان الساميين نشأوا اولاً في جزيرة العرب ثم تفرعوا فخرج العبرانيون والاراميون منها وعمروا ما حولها من البلاد وظلَّ العرب فيها على بداوتهم فكان ينبغي ان تكون الطوتمية عندهما كما هي عند العرب . ولكنهُ لم يقل ذلك واذا قاله فلا نظنه يتوفق الى ما يسند قوله ولو بالظاهر مثل توفقه في طوتمية العرب لان اليهود قلما تسموا باسماء الحيوانات لبعدهم عن البداوة الخشنة فلا يجد بين اسماء القبائل ما يساعدهُ على هذا الزعم . وهب انه توفق الى الج⟨...⟩ الا⟨...⟩ في مقالة نشرها بالمجلة الاسرائيلية الانكليزية منذ عامين (٢) مثل كالب ويعقوب وعورب ــ فهي اسماء اشخاص لا اسماء قبائل ولا يصح الرجوع اليها في اثبات الطوتمية
على انهُ لو ترك الافتراض والظن ونظر في الامر على بساطته لرأى هذه الامم السامية تتشابه في امر حقيقي واضح لا التباس فيه وهو الانتساب الى آباء التوراة وانتساب العرب الى اسماعيل وقحطان ثابت مما جاء في التوراة من انساب الامم اذ يظهر للمتأمل ان انساب العرب فرع من انساب الساميين وقد حقق ذلك واثبته جورج رولنسن في كتابه اصل الامم (٣) وادوار كلازر في كتابه تاريخ العرب وجغرافيتهم (٤) ولنا مقالة في انساب العرب منشورة في الهلال العشرين من السنة الخامسة بينا فيها انساب القبائل البائدة فضلاً عن القبائل الباقية بالاسناد الى التوراة ومؤرخي العرب والتوفيق بينهما وبين الآثار الاكتشافية ونصوص مؤرخي اليونان
فالنسب العربي ثابت بثبوت انساب التوراة مع اعتبار ما يراه اهل النقد من الباحثين ان اسماء بعض الآباء الأولين يراد بها القبائل لا الاشخاص فاذا نقضنا هذه لم يبق بيدنا شيء . وهل يجوز ان نغفل هذه الانساب الثابتة بتوالي القرون ونرجع الى رأي لا اساس
— الحواشي —
[10] (1) Glaser Sk. der Geschichte und Geographie Arabiens II. 259
[11] ( ١ ) ابن خلدون ١٠٩ ج ١
[12] ( ١ ) تاريخ التمدن الاسلامي ١٣٥ ج ٤
[12] ( ٢ ) العقد الفريد ٧١ ج ٢
[13] ( ١ ) نهاية الارب في قبائل العرب ( خط )
[14] ( ١ ) مختلف القبائل ومؤتلفها
[16] ( ١ ) الكامل للمبرد ٤٥٤
[16] (٢) The Jewish Quarterly Review
[16] (٣) Rawlinson's Origin of Nations 228
[16] (٤) Glaser Gesch. & Geogr. Arabiens II. 266 & 424