5 — His proofs for the totemism of the Arabs
20th Century Jurjī Zaydān Arabic٥ ــ ادلته على طوتمية العرب
ان من يطالع تلك الادلة في كتابه يتضح لهُ من مجملها انهُ لما اطلع على احوال الطوتمية عند القبائل المتوحشة كما ذكرها مكلينان وغيره ــ وهو مستشرق يعرف احوال العرب الجاهلية وقبائلها وانسابها ومعبوداتها ورأى بعض القبائل أو البطون تسمى باسماء حيوانية . وكان العلماء يومئذ مولعين بالحقائق الطبيعية على مذهب الارتقاء يشتغلون برد كل الحوادث اليهِ كما قدمنا . ورأى النسابين العرب مختلفين في تحقيق انساب بعض القبائل فتبادر الى ذهنه ان اسماء هذه القبائل من بقايا الطوتمية عند العرب . فأخذ يفتش عن شروطها الاخرى فرأى بعض القبائل تعبد اصناماً بشكل بعض الحيوانات فتمكن ذلك الرأي من ذهنه ونسي ان الشرط ليس عبادة صنم حيواني الشكل وانما المراد تقديس صنف من الحيوانات اسمه كاسم القبيلة . او لعله انتبه لذلك وظن نفسه قادراً على الاتيان بحادثة يمكن تأويلها او قرينة يستدلُّ بها على شيء واخبار العرب كثيرة وفيها الغث والسمين والناقض والمنقوض وهو قويُّ الحجة لطيف الاسلوب فتوفق الى ادلة توهم غير المتأمل انهُ اصاب بها المرمي وهو بعيد عنهُ كما سترى . واليك ادلته وبيان فسادها :
تسمية القبائل باسماء حيوانية ( صفحة ١٨٨ )
ليس بين ادلته على الطوتمية ما يصح اعتباره من قبيل القول الصريح الاَّ اسماء القبائل وان كانت هذه الاسماء لا تكفي وحدها لاثبات رأيه لاسباب تقدم بيانها . ولكنهُ يحتج بان تسميتها باسماء حيوانات ليست من قبيل العبث ولا بدَّ لذلك من سبب . فعلينا ان ندفع حجته بان هذه التسميات طبيعية لا غرابة فيها
ان صاحبنا الاستاذ اورد من اسماء القبائل كل ما يشتم منه رائحة الحيوانية ولم يزد عدد ما اورده منها على ثلاثين اسماً بعضها قبائل وبعضها عمائر وبعضها بطون أو فصائل وهي :
بنو اسد | بنو جعدة | بنو ضب | بنو قهد » بدن | » جعل | » ضبيعة | » كلب » بكر | » حداء | » عضل | » نعامة » بهثة | » حمامة | » عنز | » نمر » ثعلب | » حنش | » غراب | » وبر » ثور | » دؤبل | » فهد | » هوزن بنو جحش | بنو دب | بنو قرد | بنو يربوع » جراد | » ذئب | » قنفد |
ولو عددنا اسماء القبائل العربية وفروعها من العمائر والبطون والافخاذ والفصائل لزادت على بضع مئات وربما ناهزت الالف فلو كانت التسمية طوتمية لوجب ان يزيد عدد القبائل الطوتمية على سائرها ثم ان بعض ما اوردهُ من الاسماء لهُ غير معنى الحيوانية ولكنهُ اختار الحيوانية ليزيد اسباب رهانه . فبكرٌ مثلاً تفسر بولد الناقة ولكن لها معنى « العذراء » و « اول كل شيء » والسحابة والكرم اول حمله وغير ذلك . على اننا لو رجحنا معناها الاول اي ولد الناقة لما كان في التسمية شيء من الطوتمية لان العرب لو جاز ان يتسموا بحيوان ويعبدوه لكان « الجمل » او « البعير » اولى من سواه نظراً لاضطرارهم اليه وقدم عهده عندهم وليس من القبائل ما يسمى بهِ الاَّ بكر هذا ! وهو اقرب ان يكون لقباً لقب به رجلٌ فتى نشيط كأنهُ ولد الناقة . و « البهثة » البقرة الوحشية وابن الزناء . و « الجعدة » الانثى من اولاد الضان والمرأة التي في شعرها جعودة فلماذا لا يكون المراد بها المعنى الثاني لو لم يسبق الى ذهنه الطوتمية . و « العضل » الجرذ ولكنهُ ايضاً يدلُّ بكسر العين على الداهية من الرجال او القبيح منهم فلماذا لا يكون المراد احد هذين المعنيين . و « القهد » نوع من ضان الحجاز ولكنهُ يدلُّ ايضاً على الرجل الابيض اللون نقيه . وقس على ذلك ــ فالقبائل التي تثبت تسميتها باسماء الحيوانات لا تزيد على بضعة وعشرين قبيلة او فرع قبيلة
فاتفاق هذا العدد القليل بين مئات من الاسماء لا يصح عزوه الى الطوتمية فان الناس ما برحوا منذ القدم يتسمون باسماء الحيوانات او يتلقبون بها ثم يذهب الاسم ويبقى اللقب كما سنبينهُ
التسمية
ان لاسماء الاعلام تاريخاً طويلاً في علم العمران وهي تختلف صورة ومعنى باختلاف الاعصر وباختلاف الامم . فكل امة تختلف التسمية فيها عما في سواها وتختلف في الامَّة الواحدة باختلاف ادوار تمدنها . على انها في كل حال تقتبس مما يقع في النفس موقع الاعتبار من الكائنات على اختلاف طبقاتها فتختار من اسمائها ما يلائم عاداتها ومعتقداتها . فاذا تديَّنت انتسبت الى الاله او الآلهة سواء كانت تلك الآلهة اجراماً سماوية او حيوانات او اصناماً او غير ذلك . اما قبل التدين او في حال البداوة الخشنة فالغالب ان يختار الناس لابنائهم اسماء ما يعجبون بهِ او يخافونهُ من الاجسام الطبيعية ولا سيما الحيوانات على ما يتوسمونهُ في المولود من القوة او الشجاعة او الدهاء او الدعة او الخوف . فيختارون لهُ اسم حيوان فيه مثل هذه الطباع فيسمون الرجل الشجاع بالاسد والسريع الوثوب بالنمر ويسمون الفتاة اللطيفة بالغزال او الحمامة . وقد جرى على ذلك معظم الامم القديمة في كل انحاء العالم ولا سيما الامم الحربية او اهل البداوة والغزو والذين يعيشون في البراري يرحلون من نجع الى آخر والحيوانات عشراؤُهم كما كان شأن العرب في ايام جاهليتهم . فقد كانوا يعيشون بين الحيوانات حتى درسوا طبائعها ووصفوا كلاً منها بوصف خاص فاذا ولد لهم ولدٌ هان عليهم تشبيهه بواحد منها بشكله او طباعه ويسمونهُ بهِ
وليس هذا خاصاً بالعرب بل هو يتناول سائر اهل البادية او من جرى مجراهم قبل تعلقهم بالدين . فاليهود كانوا في اوائل ادوارهم يجرون في التسمية على هذا النمط ولذلك رأيت بين اسمائهم القديمة كثيراً من اسماء الحيوانات كقولهم دبورا ( نحلة ) وأربه ( اسد ) و يونا ( حمامة ) وراحيل ( نعجة ) وشوال ( ثعلب ) وكالب ( كلب ) وديسان ( غزال ) او اسماء الاجرم السماوية مثل حودش ( الهلال ) . ومن الاوصاف الطبيعية اشور ( اسود ) وابدوم ( احمر ) وعيسو ( كثير الشعر ) وكوره ( شجاع ) . وقس على ذلك سائر الامم القديمة ولاسيما قبل تدينها . فقدماء الانكليز كانوا يتسمون بأسماء الحيوانات ايضاً ومن اسمائهم القديمة Ethelwolf ( الذئب الشريف او ذئب الحرث ) وقد تسموا بالاوصاف الطبيعية كالابيض والاسمر والطويل والقصير . ثم تدرجوا الى الصنائع كالحداد والنجار والنقاش والسروجي . وانما يهمُّنا في هذا المقام الاسماء الحيوانية وهذه لم تخلُ امة من التسمية بها على تفاوت في ذلك بتفاوت احوالهم من البداوة والحضارة ولا يزال عند الامم المتمدنة حتى الآن عدد كبير منها او ما يقابلها من اسماء الكائنات الطبيعية كالحجارة والاشجار واليك امثلة من ذلك :
فمن الاسماء اليونانية والرومانية :
كالاسد او الاسد — Leonidas اسد الغاب — Napoleon صخر — Peter محب الخيل — Philip غزال — Darcas اسد — Leo
ومن الاسماء الجرمانية والسكسونية والتيوتونية :
النسر او قوي كالنسر — Arnold الحجر الشريف — Athelston الذئب او قوي كالذئب — Bernard العقاب او قوي كالعقاب — Bertram الخنزير البري — Everard نعجة — Giles عقاب — Ingram اسد — Leonder كالاسد او كالعقاب — Leonard خروف — Oven ذئب المنازل — Randal الذئب المشهور — Rodolph الحية الشريفة — Ethelnid
ومن الاسماء الفارسية القديمة :
شيركوه — اسد الجبل ببر او بابر — الاسد جمشيد — وجه الشمس اردشير — الاسد الغضوب بلاش — نوع من النمر سيمورغ — السمك الفضي زرسب — الجواد المذهب بهرام — المريخ الضحاك — الثعبان
فترى مما تقدم ان التسمية بالاسماء الحيوانية من القواعد الطبيعية المرعية عند سائر الامم وربما كان العرب اكثر تمسكاً بها لما تقتضيه بداوتهم وخشونتهم ولذلك كثرت عندهم الاسماء المتعلقة بالحروب ايضاً كحرب ونصر وسعد وعدوان وعبس واشجع وسهم وصخر ونحوها ــ قيل لابي الدقيش الاعرابي « لم تسمون ابناءكم بشرّ الاسماء نحو كلب وذئب وعبيدكم باحسنها نحو مرزوق ورباح » فقال « انما نسمي ابناءنا لاعدائنا وعبيدنا لانفسنا » (١)
على ان المتعبدين من العرب الاصنام كانوا يتسمون عبيداً لها كعبد العزى وعبد مناة وعبد شمس وعبد سعد وعبد تيم وغيرها . ولما اسلموا كثرت اسماؤُهم المنسوبة لله او بعض صفاته كعبد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم وعبد الاحد وعبد الصمد . وذلك شأن الامم المتدينة في كل مكان وزمان فالاشوريون كانوا يتسمون بالنسبة الى آلهتهم مثل « تغلاتنين » عبد الاله تنين و « متاغل نبو » عابد نبو وكذلك البابليون فانهم يضيفون اسماءهم الى الههم « بل » او « نبو » فيقولون « بل ابني » بل صنعني و « نبو نصر » اي نبو ينصر و « عبد نبو » اي عبد الاله نبو و « نبو بالوزور » نبو يحمي ابني (٢) وكذلك اليونان بعد تنصرهم ومن اسمائهم « ثيودسيوس » عطية الله و « ثيودورس » عبد الله وغيرهما
فتسمية العرب الجاهلية رجالهم باسماء الحيوانات امرٌ طبيعي يؤيده تصغير تلك الاسماء للتحبب كقولهم ذؤيب واسيد وكليب ونحو ذلك مما لا يفسَّر الاَّ اذا كانت تلك الاسماء القاباً للناس . وظل العرب على ذلك في بداوتهم حتى تدينوا وتسموا بالاسماء الدينية كما تقدم . ولما تمدنوا تسمَّوا باسماء الصنائع كالنحاس والصيدلاني والكحال والنجار والاسطرلابي ولما ضعفت عصبية النسب عندهم تسموا بالنسبة الى البلاد كالدمشقي والبغدادي والبصري والبخاري والنيسابوري وغيرها ــ فبقاء بضعة وعشرين من القبائل القديمة على اسماء الحيوانات ليس امراً غريباً
قال الجاحظ في كتاب الحيوان « والعرب انما كانت تسمي بكلب وحمار وحجر وجعل وحنظلة وقرد على التفاؤل بذلك . وكان الرجل اذا ولد لهُ ذكر خرج يتعرض لزجر الطير والفأل فان سمع انساناً يقول حجراً او رأى حجراً سمى ابنه بهِ وتفاءل فيهِ الشدة والصلابة والبقاء والصبر وانهُ يحطم ما لقي وكذلك اذا سمع انساناً يقول ذئب او رأى ذئباً تاول فيه الفطنة والمكر والكسب وان كان حماراً تاول فيه طول العمر والوقاحة والقوة والجلد وان كان كلباً تاول فيهِ الحراسة واليقظة وبعد الصوت والكسب . ولذلك صور عبيد الله بن زياد في دهليزه كلباً وكبشاً واسداً وقال كلب نابح وكبش ناطح واسد كالح فتطير على ذلك فطارت عليهِ »
التلقيب
هذا على فرض انها اسماء سمي بها آباء تلك القبائل ولكن كثيراً منها كان في الاصل لقباً الحق بالاسم الأصلي ثم ذهب الاسم وبقي اللقب مما يقع دائماً وخصوصاً عند العرب لانهم مفطورون على التلقيب والتكنية ويتضح لك ذلك من مراجعة معجماتهم فانك ترى للاسد مئات من الاسماء اكثرها القاب لقبوه بها ثم صارت اسماءً وكذلك الديك والغراب والفرس والبعير والذئب والحية والجراد وغيرها من حيواناتهم غير اسماء الاسلحة ناهيك بالمترادفات من اسماء الشمس والمطر والبحر والبئر واللبن والعسل والخمر والنار . ومن الالقاب كالطول والقصر والشجاعة والجبن والكرم والبخل والحمق ونحوها (١) ولكل منها مئة او مئات من المترادفات واكثرها القاب او كنايات تدل على ميل العرب الى التلقيب والتكنية من فطرتهم
وكانوا يضربون الامثال غالباً بالبهائم فلا يكادون يذمون او يمدحون الاَّ بذلك لانهم جعلوا مساكنهم بين السباع والاحناش والحشرات واستعملوا التمثيل بها لما ألفوه من طباعها وخصوصاً القبائل العدنانية لسكناهم في صحاري نجد والحجاز وبلادهم اكثر وعورة وخشونة من القحطانية ولذلك كانت اسماء الحيوانات اكثر في قبائلهم مما في القبائل القحطانية . وقد درسوا تلك الطبائع بالمزاولة واختصوا كل حيوان بطبيعة نسبوها اليهِ كالروغان للثعلب والشجاعة للاسد والصبر للحمار والامانة للكلب والغضب للنمر والثقل مع الخساسة للفيل ونحو ذلك وصاروا يعوضون عن الالقاب باسماء تلك الحيوانات فبدلاً من قولهم « شجاع » يقولون « اسد » وبدلاً من صبور يقولون « حمار » ويكنون عن المراوغ بالثعلب واذا ارادوا ان يقولوا غضب فلان قالوا « تنمَّر »
وكانوا من الجهة الاخرى يلقبون الحيوانات باسماء الناس او كناهم فالفيل كنيته ابو حجاج والاسد ابو الحارث والذئب ابو جعدة والدب ابو رباح والخنزير ابو قادم ويقال ابو عقبة والثعلب ابو الحصين والكلب ابو خالد وابو ناصح عند بعضهم . والسنور ابو خراش ويقال ابو غزوان والغزال ابو الحسين والجمل ابو صفوان ويقال ابو ايوب وابو مزاحم والثور ابو حاتم والكبش ابو المطرف والنمر ابو وثاب والفهد ابو قرة والفرس ابو طالب والبرذون ابو مضاء والبغل ابو المختار والحمار ابو زياد وعندهم ام حبين الجرادة وام عوف الحمامة وام مهدي الدجاجة وام حفص الهدهد وابو الميت الجعالة وابو الصراة القملة وام عقبة الحية وام يقظان العقرب وقس عليه
وكان التلقيب عاماً في الشعوب الساميَّة اعتبر ذلك بما جاء في التوراة عن تلقيب يعقوب لأولاده لما جمعهم في آخر ايامه فعبر عن اوصاف بعضهم باسماء الحيوانات فسمى يهوذا شبل اسد ويساكر حماراً ودان ثعباناً ونفتالي ايالة وبنيامين ذئباً . وترى امثال هذا التلقيب في اماكن كثيرة من التوراة . ويدلُّ ذلك على شيوع التلقب عند الساميين قديماً ثم قلَّ عند العبران والسريان لما سكنوا المدن واخلدوا الى السكون وظلَّ عند العرب لبقائهم على البداوة . وما زال ذلك شأنهم الى صدر الاسلام وما بعده ولا تزال بعض اسماء الحيوانات تستخدم للتكنية الى اليوم وقد تنوسي معناها الاصلي كالقرم للسيد العظيم ومعناه في الاصل « الفحل » وكذلك « الرثُّ » للباسل وهي اسم للخنزير و « الاصيد » للملك وهو البعير . على انهم كثيراً ما كانوا يلقبون باعضاء الحيوانات المفترسة كالناب والانف والقرن فانها من القاب الشجاعة والقوة عندهم (١) ومن عادات العرب اذا مات لاحدهم اولاد وخاف انقطاع ذريته ان يسمي اولاده باسماء الحيوانات المفترسة كالذئب والنمر وغيرها ولا تزال هذه العادة جارية في سوريا الى اليوم
فترى ان التلقيب بالحيوانات كان شائعاً عند العرب قبل الاسلام على انهم ساروا عليه بعد الاسلام فسموا حمزة عم النبي « اسد الله » او « اسد رسول الله » وكذلك علي ابن ابي طالب لشجاعتهما (٢) وقد سموا مروان بن محمد بالحمار لصبره . ويكون التلقيب للمدح كما رأيت او للذم كتسميتهم عثمان بن عفان « نعثل » وهو ذكر الضباع وتسمية عبد الملك ابن مروان « ابا زبان » لبخره و « شحم الحجر » لبخلهِ (٣) وتلقيب بني عمرو بن عمرو افواه الكلاب لبخر افواههم
ومن ادلة رغبتهم في التلقيب انهم يلقبون الرجل ببيت شعر نظمهُ او لفظٍ قاله او حادثة جرت معهُ مما لا ضابط لهُ فالمرقش الشاعر اصل اسمه عوف بن سعد فنسي الاسم وبقي اللقب والمتلمس اسمه جرير بن عبد المسيح والنابغة اسمه زياد بن معاوية وكذلك المخرق وتأبط شراً واعصر والمستوعر وغيرهم ممن ذهبت اسماؤُهم وبقيت القابهم ــ فماذا يمنع حدوث ذلك قبل التاريخ فيلقب أبو القبيلة بما يناسب خلة من خلاله مدحاً او ذماً ثم يتناسى الاسم ويبقى اللقب . وفي اخبار العرب امثلة كثيرة من هذا النوع فقيس عيلان اصل اسمه ققة ولكنهُ اشتهر بلقبه وكذلك قريش وغيره . وقد يكون للتلقيب سبب متصل بحادثة فعنزة أبو القبيلة المعروفة سمي بذلك لانه قتل رجلاً بعنزة واصل اسمه عامر . والحظائر سمي بذلك لان المنذر بن امرىء القيس كان جمع اسارى بكر في الحظائر ليحرقهم فكلمهُ فيهم فشفعهُ واصل اسمه كعب . والزبرقان سمي بهذا الاسم لجماله وسمي القمر ايضاً وكلاهما غير اسمه ولا يعرف الاَّ بهما . وقصي اصل اسمه زيد وعبد المطلب اسمه عامر وكلاهما يعرف باللقب فقط . وقد يكون اللقب اسم حيوان او لقباً من القابه مثل جساس اسم الرجل المشهور فمعناه في اللغة الاسد المؤثر في الفريسة ببراثنهِ واصل اسمه عمرو بن مرة البكري وقس على ذلك القاب الخلفاء بعد الاسلام فان اكثرهم يعرف بلبقه كالفاروق والصديق والمنصور والرشيد والمأمون وغيرهم
فاذا اعتبرنا شيوع التسمية باسماء الحيوانات او التلقيب بها وامكان بقائها وذهاب الاسماء الاصلية مع ميل العرب من فطرتهم الى ذلك فوجود بضعة وعشرين اسماً حيوانيا بين مئات من اسماء القبائل لا يعدُّ شيئاً غريباً
التلقيب بصيغة الجمع
على اننا رأينا صاحب طوتمية العرب يعلق اهمية كبرى على تسمية بعض القبائل بجمع اسماء الحيوانات مثل الانمار والكلاب والاراقم والضباب فعندهُ ان وجود هذه الاسماء بصيغة الجمع لا ينطبق على تفسيرنا من حيث تليقب اب القبيلة بلقب يبقى ويذهب اسمه الاصلي . ويرى ان هذه الصيغة دليلٌ قويٌّ على الطوتمية لان ابناء قبيلة النمر يعدُّون انماراً وابناء قبيلة كلب يعدون كلاباً على مقتضى شروط الطوتمية
والجواب على ذلك ان التلقيب بصيغة الجمع للقبيلة كان شائعاً عند العرب مثل شيوع التلقيب بصيغة المفرد للفرد . وكانوا يلقبون القبيلة بصفة عامة تشترك فيها او يغلب شيوعها بين افرادها كالكرم والبخل والحلم والغدر ونحو ذلك . فلما انتشر الاسلام وضعوا لاهل الاقاليم اوصافاً يمتاز بهِ بعضهم عن بعض
فمن امثلة اوصاف القبائل في صدر الاسلام ان معاوية سأل دغفلاً النسابة ما تقول في بني عامر بن صعصعة قال اعناق ظباء واعجاز نساء وقال فما تقول في بني اسد قال عافة قافة فصحاء كافة قال فما تقول في بني تميم قال حجر خشن ان صادفته آذاك وان تركته اعفاك . قال فما تقول في خزاعة قال جوع واحاديث قال فما تقول في اليمن . قال سيود ايوك . ومن هذا القبيل ان الحجاج سأل ابن القرية عن قبائل العرب فوصف كلاًّ منها بما امتازت بهِ وليس في وصفه مجون قال :
قريش — اعظم القبائل احلاماً واكرمها مقاماً بنو عامر — اطولها رماحاً واكرمها صباحاً بنو سليم — اعظمها مجالس واكرمها محابس ثقيف — اكرمها جدوداً واكثرها وفودا بنو زبيد — الزمها للرايات وادركها للثارات قضاعة — اعظمها اخطاراً واعظمها نجارا وابعدها آثارا
وهكذا حتى اتى على معظم القبائل ثم وصف الاقاليم مما لا محل لهُ هنا
وعلى هذا النمط كانوا يلقبونهم باسماء حيوانات يغلب في طباعها الخلة التي اشتهرت تلك القبيلة بها وقد يذهب الاسم الاصلي ويبقى اللقب وحده وتعرف القبيلة بهِ كما حدث بالانمار فانها قبيلة من نزار لقبت بذلك لاشتهار اهلها بالقنص كأنهم انمار في الوثوب على الفريسة قال النابغة من معلقتهِ :
اهوى لهُ قانص يسعى باكلبه ٭ عاري الاشاجع من قناص انمار (١)
وكذلك الاراقم قبيلة من بني تغلب لقبوا بذلك لان عيونهم شبهت بعيون الحيات الاراقم فعرفوا بهذا الاسم (٢) والعنابس اي الاسود لقبوا بذلك لشجاعتهم . وقد يطلق لقب واحد على غير رجل او غير قبيلة وتعرف كل قبيلة باسمها الاصلي كالاراقم المتقدم ذكرها فانها لقب لجشم ومالك وعمرو وثعلبة والحرث ومعاوية بني بكر بن حبيب من تغلب (٣)
وليس تلقيب القبائل على هذه الصورة خاصاً بالعرب الجاهلية بل هو شائع في عرب هذه الايام . واشهر ما تداولته الالسن من هذا القبيل تلقيب النقاش لاهل لبنان في اواسط القرن الماضي اذ ارسلتهُ الدولة العثمانية لمسح لبنان واحصاء سكانه وكان ظريفاً وفيهِ دعابة فكان اذا نزل القرية او البلد لقب اهله باول تشبيه يتبادر الى ذهنهُ عند اقباله على ذلك البلد ــ واليك القاب بعض اهل القرى من اقاليم الغرب واكثرها اسماء حيوانات بصيغة الجمع اسم البلد — لقب اهله اهل جباع — الشواح » نيحة — النور » بعذران — الثعالب » المختارة — الذئاب » عين قنية — الشواح » عما طور — الديوك المزهرة » المزرعة — البقر » عينبال — الجحاش » بقلين — الغنم » جديدة الشوف — الكلاب (١)
ولا هو خاص بالعرب بل يتناول بعض الامم المتمدنة فعند الاميركان في الولايات المتحدة لاهل كل ولاية لقب خاص على هذه الصورة :
اسم الولاية — لقب اهلها Illinois — Luchers Missouri — Pibers Oragon — Webfoot Ohio — Buckeye Indiana — Hoosiers New England — States Yankees Albama — Yellow Limnor Wisconsin — Badger
وجملة القول ان تسمية بعض القبائل باسماء حيوانية افراداً او جمعاً لا اهمية لها في ما نحن فيهِ لانهُ عاديٌّ وطبيعيٌّ في الاجيال القديمة والحديثة . وبالطبع لم تبق اهمية لما ذكروه من عبادة الحيوانات التي كانت شائعة في الجاهلية وان كانت في الحقيقة ليست من قبيل عبادة الحيوانات الطوتمية بل هي عبادة اصنام اقلها بشكل بعض الحيوانات واكثرها باشكال أخرى فهي من قبيل عبادة الاوثان وليست من الطوتمية في شيءٍ لان اهل الطوتم لا يعبدون صنماً بشكل الحيوان بل يعبدون الحيوان نفسهُ ويقدسونهُ ويتجنبون اذاهُ كما تقدم وليس عند العرب شيءٌ من ذلك ــ على اننا نقول كلمة في اصنام العرب لا تخلو من فائدة :
اصنام العرب
من المشهور ان العرب وسائر الامم السامية اهل توحيد من فطرتهم واذا عبدوا صنماً فيغلب ان يكون ذلك الصنم دخيلاً عندهم ويصدق ذلك على العرب بنوع خاص لتوسطهم بين الامم الوثنية القديمة فقد كانوا في عهد جاهليتهم محاطين بالفراعنة في مصر والفينيقيين في الشام والاشوريين في العراق والاحباش في الحبشة . وكانت جزيرتهم طريق اهل الهند في التجارة الى مصر والشام . وكانوا اذا ذهبوا الى بلد مما يجاورهم للتجارة او للغزو ورأوا اهل ذلك البلد يعبدون صنماً يعتقدون فيه الكرامة حملوه معهم في رجوعهم ونصبوه في الكعبة او غيرها من مجتمعاتهم . واذا مرت بهم قافلة هندية ومعهم صنم يعبدونهُ في اثناء اسفارهم فربما أعجب العرب فاخذوه منهم أو اصطنعوا صنماً على مثاله . ولم يصل الينا من اخبار هذه الاصنام الاَّ نتف مشتتة يمكن الاستدلال بها على غيرها
واشهر من نقل الاصنام الى مكة في عهد الجاهلية رجلٌ يسمونه عمرو بن لحي ذكروا انه غلب على مكة واخرج منها جرهماً وتولى سدانتها وكان كاهناً فحمل اليها الاصنام من الآفاق فنقل هبل واساف ونائلة من البلقاء (١) ونقل ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر من ساحل جدَّة (٢) واختصت كل قبيلة من القبائل المشهورة يومئذ بواحد منها فاصبح ود لقبيلة كلب وسواع لهمدان ويغوث لمذحج ويعوق لمراد ونسر لحمير . وكان ودٌّ على صورة رجل وسواع على صورة امرأة ويغوث على صورة اسد ويعوق على صورة فرس ونسر على صورة نسر . ولو جمعت اصنام العرب لزاد عددها على مئة صنم ليس منها على صور الحيوانات الاَّ بضعة قليلة جدَّاً . على انها اذا كثرت فقلما تؤيد برهاناً للاسباب التي قدمناها ولانها دخيلة كما رأيت ــ ولا نقول ذلك اعتماداً على رواية العرب فقط لان صاحبنا الاستاذ لا يثق من اقوالهم الا بما يؤيد برهانه ولكننا ننظر في هذه الاصنام نظراً تحليلياً عسانا ان نتوصل الى نتيجة فنقول :
( هبل ) هو اكبر اصنامهم ويسمونه الصنم الاكبر وذكروا انه كان مصنوعاً من نحاس وقيل من قوارير اي زجاج على هيأة رجل ضخم وكانوا يذبحون له ويستخيرونه في اسفارهم وحروبهم وسائر اعمالهم . ويظهر لنا ان هذا الصنم من الهة الفينيقيين او الكنعانيين والادلة على ذلك :
اولاً ــ قول العرب انهُ جاءهم من مواب بارض البلقاء حمله اليهم عمرو بن لحي الذي ذكرناه
ثانياً ــ ان لفظ هبل لا اشتقاق لهُ في العربية من معناه فهو غير مشتق من لفظ عربي وعندنا انهُ عبراني او فينيقي اصله « هبعّل » הבעל وهو اسم اكبر اصنام الفينيقيين او الكنعانيين ومن جاورهم من امم الشام كالموابيين والمديانيين والبابليين والليبيين . وكان للفينيقيين عشرات من الالهة يميزون منها الهين احدها ذكر والآخر انثى ويسمون الذكر « هبعّل » والانثى « عشروت » ومعنى « بعل » في لسانهم السيد والاله والهاء في العبرانية اداة التعريف مثل « أل » العربية . فباضافة هذه الاداة الى بعل يريدون الاله الاكبر . والظاهر ان عمراً المذكور لما قدم مواب اعجبته عبادة الموابيين لهذا الصنم وكانوا يستمطرونه ويستنصرونه فحمله الى مكة باسمه العبراني « هبعل » واما العين الزائدة فيسهل اهمالها بالتخفيف ثم ضياعها بالاستعمال وخصوصاً في لفظ « بعل » لان الكلدانيين كانوا يلفظونهُ « بل » باهمال العين وهو اسم هذا الاله عندهم . وربما كان الموابيون يلفظونها « هبل » فنقلها عمرو بن لحي كما كان يسمعها
ثالثاً ــ ان اساليب عبادة العرب هبل تشبه اساليب عبادة الموابيين هبعل . فقد كان الموابيون ينصبون هذا الصنم على التلال المرتفعة او سقوف البيوت ويذبحون له الذبائح من الحيوانات والآدميين ويحرقون له المحرقات ويستخيرونه ويفضلونه على سائر الهتهم وكذلك كان يفعل العرب لهبل . وكما ان هبعل اكبر اصنام الموابيين ومن جرى مجراهم فهبل اكبر اصنام العرب وكانوا ينصبونه فوق الكعبة
٭ اساف ونائلة ٭ ذكروا انهما صنمان الأول على صورة رجل والثاني على صورة امرأة حملها عمرو بن لحي ايضاً من البلقاء فوضعهما على بئر زمزم بالكعبة ثم وضع احدهما على الصفا والآخر على المروة فربما كان هذان وهبل مثلثاً وثنياً والمثلثات الوثنية كانت شائعة عند الوثنيين في الازمنة القديمة . والغالب في هذه المثلثات ان يكون كل منها مؤلفاً من رجل وامرأة وغلام . وامثلة هذه المثلثات كثيرة عند المصريين القدماء والكلدانيين وغيرهم
٭ يغوث ٭ جاء في تفسير الزمخشري انه على صورة اسد وان عمرو بن لحي نقله من جدة على ساحل البحر الى مكة . فاذا كان مجلوباً من الخارج فالغالب انه من الحبشة او مصر لان جدة محطة المسافر من احداهما الى الحجاز . وقد وجدنا بين الهة المصريين صنماً على صورة اسد او لبوءة يسمونه « تفنوت » ولا يخفى ما بين هذه اللفظة ولفظ يغوث من المشاكلة الصورية اذا اعتبرنا ان العرب كانوا يكتبون بلا نقط فاذا كتبوا « يعوث » التبس عليهم بين ان نقرأ يغوث او تغنوت او تعوت وكثيراً ما وقع لهم ذلك حتى بعد تدوين التاريخ في ابان التمدن الاسلامي فامبراطور الروم الذي حاربه هرون الرشيد يسميه بعض المؤرخين يعفور والبعض الآخر نعفور والآخر نقفور وهو الصواب لان اسمه الروماني nicephorus الا يعقل ان يحدث مثل هذا الالتباس في عصر الجاهلية ؟ وعلى هذا المبدأ تحوَّل اسم قابين الى قابيل وشاول الى طالوت وجليات الى جالوت وفورح الى قارون
٭ ود ٭ وهذا الصنم قد وصفه ياقوت في معجمه فقال « انه على تمثال رجل كاعظم ما يكون من الرجال قد دبر عليه اي نقش عليه حلتان متزر بحلة ومرتد بحلة عليه سيف وقد تنكب قوساً وبين يديه حربة فيها لواء وجعبة فيها سهام » فما اشبه هذا الوصف بوصف ملك من ملوك الفراعنة ذاهب للحرب على مركبته . وهو يشبه الهاً فينيقياً اسمه اشبو (١) او سيس اله مصري . ولا يمكننا الجزم في ذلك وانما يظهر من وصفه انه اله غريب
وقس على ذلك سائر الاصنام وان كنا لا نطمع بردها كلها الى اصولها ولا ان يكون كلامنا فيها يقينياً او قطعياً وانما هو من قبيل الترجيح وهذا يكفي في هذا المقام
الثأر والعائلة والحلف
ورأينا صاحب طوتمية العرب قد علق اهمية كبرى على اجتماع العرب للمطالبة بالثأر باسم القبيلة فعندهُ ان ذلك من بقايا الطوتمية لان القبيلة كانت قديماً اذا قتل احد افرادها اشتركت كلها في المطالبة بدمه لانها تطالب بحق الاله الذي هو جدُّها الاعلى ( صفحة ٥٣ و ٥٦ ) وان العرب ليس عندهم عائلة وانما آخر انسابهم الحي ( صفحة ٢٣ ) ولا حاجة بنا الى التطويل في بيان فساد هذا التأويل بعد ان ظهر فساد المقدمات الاخرى . فالطالب بالثأر باسم القبيلة طبيعي في امم البادية وضروري لحفظ جامعة النسب ولولاها لم يكن لتلك الجامعة معنى . ولكن صاحبنا اجهد نفسه كثيراً في التفسير والتعليل للتوفيق بين
— الحواشي —
[33] ( ١ ) الدميري ٢٤٢ ج ٢
[33] (٢) Rowlinson's Ancient Monaréhies II. 539 & III. 527
[34] ( ١ ) لطائف اللغة العربية
[35] ( ١ ) الالياذة العربية ( المقدمة )
[35] ( ٢ ) والافرنج يلقبون غوستافوس ادلفوس ملك اسوج بأسد الشمال
[35] ( ٣ ) المعارف ١٣١
[37] ( ١ ) جمهرة اشعار العرب ٥٤
[37] ( ٢ ) الكامل للمبرد ١٢٧
[37] ( ٣ ) المعارف ٣٢
[38] ( ١ ) الهلال صفحة ٩٥ سنة ١٣
[39] ( ١ ) ابن هشام ٢٧ ج ١
[39] ( ٢ ) ياقوت ٩١٤ ج ٤
[41] ( ١ ) بغية الطالبين ١٦٠