Comma for either/or — dharma, courage. Spelling forgiving — corage finds courage.

    Kitāb madhāhib al-Aʻrāb wa-falāsifat al-Islām fī al-jinn

    The sayings of the earlier philosophers of Islam concerning the jinn

    Jamāl al-Dīn al-Qāsimī

    citations · figures & ideas

    اقوال متقدمي فلاسفة الاسلام في الجن

    « ابن سينا والفارابي »

    قال ابن سينا رحمه الله في كتاب الحدود : الجن حيوان هوائي ناطق مشف الجرم من شأنه ان يتشكل باشكال مختلفة ( قال ) وليس هذا رسمه بل هو معنى اسمه اه قال ابو البقاء في كليانه : اي هذا بيان لمدلول هذا اللفظ مع قطع النظر عن انطباقه على حقيقة خارجية سواء كان معدوماً في الخارج او موجوداً ولم يعلم وجوده فيه فان التعريف الاسمي لايكون الا كذلك بخلاف التعريف الحقيقي فانه عبارة عن تصور ماله حقيقة خارجية في الذهن ( ثم قال ابو البقاء ) وجمهور ارباب الملل المصدقين بالانبياء قد اعترفوا بوجوده واعترف به جمع عظيم من قدماء الفلاسفة ايضاً .

    وفي رسالة للمعلم الثاني ابي نصر محمد الفارابي في جواب مسائل سئل عنها مامثاله :

    ( سئل ) فيما رآه بعض العوام في معنى الجن وسأله عن ماهيته ( فقال ) : الجن حي غير ناطق غير مائت وذلك عَلَى ما توجبه القسمة التي يتبين منها حد الانسان المعروف عند الناس اعني الحي الناطق المائت ، وذلك ان الحي منه ناطق مائت وهو الانسان ومنه ناطق غير مائت وهو الملك ، ومنه غير ناطق مائت وهو البهائم ، ومنه غير ناطق غير مائت وهو الجن : فقال السائل : الذي في القرآن مناقض لهذا وهو قوله « استمع نفر من الجن فقالوا انا سمعنا قرآنا عجبا » والذي هو غير ناطق كيف يستمع وكيف يقول : فقال : ليس ذلك بمناقض وذلك ان السمع والقول يمكن ان يوجد للحي من حيث هو حي لان القول والتلفظ غير التمييز الذي هو النطق ، وترى كثيراً من البهائم لاقول لها وهي حية ، وصوت الانسان مع هذه المقاطع هوله طبيعي من حيث هو حي بهذا النوع كما ان صوت كل نوع من انواع الحيّ لايشبه صوت غيره من الانواع كذلك هذا الصوت بهذه المقاطع التي للانسان مخالف لاصوات غيره من انواع الحيوان ، واماقولنا : غير مائت فالقرآن يدل بذلك في قوله تعالى « رب انظرني الى يوم يبعثون قال انك من المنظرين » اه

    « ابو طالب المكي »

    قال في قوت القلوب في الفصل الثلاثين في تفصيل خواطر القلوب ما مثاله بعد سرد آيات وقال تعالى « يا ايها الانسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك » وقال تعالى « لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم » وقال « ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون » فمن السواء والتعديل والازدواج والتقويم ادوات الظاهر واعراض الباطن وهي حواس الجسم والقلب . فادوات الجسم هي الصفات الظاهرة . واعراض القلب هي المعاني الباطنة قد عدلها الله تعالى بحكمته وسواها عَلَى مشيئته وقومها اتقاناً بصنعته واحكاما بصنعه ( اولها ) النفس والروح وهما مكانان للقاء العدو والملك وهما شخصان ملقيان للفجور والتقوى ( ومنها ) غرضان متمكنان في مكانين وهما العقل والهوى عن حكمين في مشيئة حاكم وهما التوفيق والاغواء ( ومنها ) نوران ساطعان في القلب عن تخصيص من رحمة راحم وهما العلم والايمان فهذه ادوات القلب وحواسه ومعانيه الغائبة وآلاته والقلب في وسط هذه الادوات كالملك وهذه جنوده تؤدي اليه او كالمرآة المجلوّة وهذه الآلة حوله تظهر فيراها ويقدح فيه فيجدها

    ( ثم قال ) فاذا اراد الله تعالى اظهار خير من خزانة الروح حركها فسطعت نوراً في القلب فأثرت فينظر الملك الى القلب فيرى ما احدث الله تعالى فيه فيظهر مكاناً ، فيتمكن عَلَى مثال فعل العدو في خزانة الشر وهي النفس ، والملك مجبول عَلَى حب الهداية مطبوع عَلَى حب الطاعة كما ان العدو مجبول عَلَى الغواية مطبوع عَلَى حب المعصية فيلقي الملك الالهام وهو خطوره على القلب بقدح خواطره يأمر بتقييد ذلك ويحسنه له ويحثه عليه وهذا هو الهام التقوى والرشد

    ( ثم قال ) ذكر تقسيم الخواطر وتفصيل اسمائها ، فاما تسمية جملة الخواطر فما وقع في القلب من عمل الخير فهو ( الهام )

    وما وقع من عمل الشر فهو ( وسواس )

    وما وقع في القلب من المخاوف فهو ( الحساس )

    وما كان من تقدير الخير وتأميله فهو ( نية )

    وما كان من تدبير الامور المباحات وترجيها والطمع فيها فهو ( امنية وامل )

    وما كان من تذكرة الآخرة والوعد والوعيد فهو « تذكر وتفكير »

    وما كان من معاينة الغيب بعين اليقين فهو « مشاهدة »

    وما كان من تحدث النفس بمعاشها وتصريف احوالها فهو « هم »

    وما كان من خواطر العادات ونوازع الشهوات فهو « لم »

    ويسمى جميع ذلك « خواطر » لانه خطور همة نفس او خطور عدو بجسد اوخطرة ملك بهمس اه ملخصا

    « الغزالي »

    قال في المضنون الكبير : الملائكة والجن والشياطين جواهر قائمة بانفسها مختلفة بالحقائق اختلافًا يكون بين الانواع مثال ذلك القدرة فانها مخالفة للعلم والعلم مخالف للقدرة وهما مخالفا اللون واللون والقدرة والعلم اعراض قائمة بغيرها فكذلك بين الملك والشيطان والجن اختلاف ومع ذلك فكل واحد جوهر قائم بنفسه وقد وقع الاختلاف بين الجن والملك فلا يدري اهو اختلاف بين النوعين كالاختلاف بين الفرس والانسان او الاختلاف في الاعراض كالاختلاف بين الانسان الناقص والكامل وكذا الاختلاف بين الملك والشيطان وهو ان يكون النوع واحدًا والاختلاف واقعًا في العوارض كالاختلاف بين الخير والشرير والاختلاف بين النبي والولي ، والظاهر ان اختلافهم بالنوع والعلم عند الله تعالى ، وهذه الجواهر المذكورة لاتنقسم اعني ان محل العلم بالله تعالى واحد لاينقسم فان العلم الواحد لايحل الا في محل واحد وحقيقة الانسان كذلك فالعلم والجهل بشيء واحد في محل واحد متضادان وفي المحلين غير متضادين واما ان هذا الجوهر غير منقسم وهل هو متحيز ام لا فهذا الكلام عائد الى معرفة الجزء الذي يتجزأ فان استحال الجزء الذي لايتجزأ فهذا الجوهر غير منقسم ولا متحيز وان لم يستحل الجزء الذي لايتجزأ فيمكن ان يكون هذا الجوهر متحيزا — وقد قال قوم لايجوز ان يكون غير منقسم ولا متحيز فان الله تعالى غير منقسم ولا متحيز فما الذي يفصل هذا من ذلك وهذا غير مبرهن عليه لانه ربما تباينا في حقيقة الذات وان سلب عنهما الانقسام والتحيز والامور المكانية وتلك سلوب والاعتبار بالحقائق لان ماسلب عن الحقائق كالعرضين المختلفين بالحد والحقيقة الحالين في محل واحد فان ايجاب احتياجهما الى المحل وكونهما في المحل لا يفيد تماثلها فكذلك سالب الاحتياج الى المحل والمكان لايفيد اشتراك الشيئين ويمكن ان تشاهد هذه الجواهر اعني جواهر الملائكة وان كانت غير محسوسة وهذه المشاهدة عَلَى ضربين اما عَلَى سبيل التمثيل كقوله تعالى « فتمثل لها بشرا سويا » وكما كان النبي عليه الصلاة والسلام يرى جبريل في صورة دحية الكلبي (١) والقسم الثاني ان يكون لبعض الملائكة بدن محسوس كما ان نفوسنا غير محسوسة ولها بدن محسوس هو محل تصرفها وعالمها الخاص بها فكذلك بعض الملائكة وربما كان هذا البدن المحسوس موقوفًا عَلَى اشراق نور النبوة كما ان محسوسات عالمنا هـذا موقوف عند الادراك عَلَى اشراق نور الشمس وكذا في الجن والشياطين اه

    وقال الغزال في الاحياء في بيان تسلط الشيطان عَلَى القلب بالوسواس بعد تمهيد مقدمة ما مثاله : فمبدأ الافعال الخواطر ثم الخاطر يحرك الرغبة والرغبة تحرك العزم والعزم يحرك النية والنية تحرك الاعضاء والخواطر المحركة للرغبة تنقسم الى مايدعو الى الشر اعني مايضر في العاقبة والى مايدعو الى الخير اعنى ما ينفع في الدار الآخرة فهما خاطران مختلفان فافتقر الى اسمين مختلفين فالخاطر المحمود يسمى الهامًا والخاطر المذموم اعني الداعي الى الشر يسمى وسواسا ثم انك تعلم ان هذه الخواطر حادثة ثم ان كل حادث فلا بد له من محدث ومهما اختلفت الحوادث دل ذلك عَلَى اختلاف الاسباب هذا ما عرف من سنة الله تعالى في ترتيب المسببات عَلَى الاسباب ، فمهما استنارت حيطان البيت بنور النار واظلم سقفه واسود بالدخان علمت ان سبب السواد غير سبب الاستنارة وكذلك لانوار القلب وظلمته سببان مختلفان فسبب الخاطر الداعي الى الخير يسمى ( ملكا ) وسبب الخاطر الداعي الى الشر يسمى ( شيطـانا ) (٢) واللطف الذي يتهيأ به القلب لقبول الهام الخير يسمى ( توفيقًا ) والذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان يسمى ( اغواء وخذلان ) فان المعاني المختلفة تفتقر الى اسامي مختلفة . و ( الملك ) عبارة عن خلق خلقه الله تعالى شأنه افادة الخير وافادة العلم وكشف الحق والوعد بالخير والامر بالمعروف وقد خلقه وسخره لذلك . ( والشيطان ) عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك وهو الوعد بالشر والامر بالفحشاء والتخويف عند الهم بالخير بالفقر . فالوسوسة في مقابلة الالهام . والشيطان في مقابلة الملك . والتوفيق في مقابلة الخذلان . واليه الاشارة بقوله تعالى ( ومن كل شيءٍ خلقنا زوجين )

    « ابن حزم »

    قال رحمه الله في كتاب الفصل في الكلام عَلَى الجن ووسوسة الشيطان ونعله في المصروع : لم ندرك بالحواس ولا علمنا وجوب كونهم ولا وجوب امتناع كونهم في العالم ايضاً بضرورة العقل لكن علمنا بضرورة العقل امكان كونهم لان قدرة الله تعالى لانهاية لها وهو عز وجل يخلق مايشاء ، ولافرق بين ان يخلق خلقا عنصرهم التراب والماء فيسكنهم الارض والهواء والماء — وبين ان يخلق خلقا عنصرهم النار والهواء فيسكنهم الهواء والنار والارض بل كل ذلك سواء وممكن في قدرته لكن لما اخبرت الرسل الذين شهد الله عز وجل بصدقهم بما ابدى عَلَى ابديهم من المعجزات المحيلة للطبائع بنص الله عز وجل عَلَى وجود الجن في العالم وجب ضرورة العلم بخلقهم ووجودهم وقد جاء النص بذلك وبانهم امة عاقلة مميزة مشعبة موعودة متوعدة متناسلة يموتون واجمع المسلمون كلهم عَلَى ذلك نعم والنصارى والمجوس والصابئون واكثر اليهود ، وهم يروننا ولانراهم قال الله تعالى « انه يراكم هو وقبيله من حيث لاترونهم » فصح ان الجن قبيل ابليس قال الله عز وجل « الا ابليس كان من الجن » ، واذ اخبرنا الله عز وجل اننا لانراهم فمن ادعى انه يراهم اوراهم فهو كاذب الا ان يكون من الانبياء عليهم السلام فذلك معجزة لهم كما نص رسول الله صلى الله عليه وسلم انه تفلت عليه الشيطان ليقطع عليه صلاته قال فاخذته فذكرت دعوة اخي سليمان ولولا ذلك لاصبح موثقا يراه اهل المدينة او كما قال عليه السلام وكذلك في رواية عن ابي هريرة الذي رأى انما هي معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولاسبيل الى وجود خبر يصح برؤية جني بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم وانما هي منقطعات اوعمن لاخير فيه

    وهم اجسام رقاق صافية هوائية لا الوان لهم وعنصرهم النار كما ان عنصرنا التراب وبذلك جاء القرآن قال الله عز وجل « والجان خلقناه من قبل من نار السموم » والنار والهواء عنصران لا الوان لهما وانما حدث اللون في النار المشتعلة عندنا لامتزاجها برطوبات ماتشتعل فيه من الحطب والكتان والادهان وغير ذلك ولو كانت لهم الوان لرأيناهم بحاسة البصر ولو لم يكونوا اجساماً صافية رقاقا هوائية لادركناهم بحاسة اللمس

    وصح النص بانهم يوسوسون في صدور الناس وان الشيطان يجري من ابن ادم مجرى الدم فوجب التصديق بكل ذلك حقيقة وعلمنا ان الله عز وجل جعل لهم قوة يتوصلون بها الى قذف مايوسوسون به في النفوس ، برهان ذلك قول الله تعالي « من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس » ونحن نشاهد الانسان يرى من له عنده ثار فيضطرب وتتبدل اعراضه وصورته واخلاقه وتثور ناريته ، ويرى من يحب فيثور له حال اخرى ويبتهج وينبسط ، ويرى من يخاف فتحدث له حال اخرى من صفرة ورعشة وضعف نفس ، ويشير الى انسان آخر باشارات يحيل بها طبائعه فيغضبه مرة ويخجله اخرى ويقرعه ثالثة ويرضيه رابعة ، وكذلك يحيلها ايضا بالكلام الى جميع هذه الاحوال فعلمنا ان الله عز وجل جعل للجن قوى يتوصلون بها الى تغيير النفوس والقذف فيها بما يستدعونها اليه نعوذ بالله من الشيطان الرجيم ووسوسته ومن شرار الناس وهذا هو جري من ابن آدم مجرى الدم كما قال الشاعر

    وقد كنت اجري في حشاهن مرة ٭ كجري معين الماء في قصب الآس

    ( واما الصرع ) فان الله عز وجل قال « كالذي يتخبطه الشيطان من المس » فذكر عز وجل تأثير الشيطان في الصرع انماهو بالمماسة فلايجوز لاحد ان يزيد لى ذلك شيئا ومن زاد عَلَى هذا شيئا فقد قال مالاعلم به وهذا حرام لايحل قالا عز وجل « ولاتقف ماليس لك به علم » وهذه الامور لايمكن ان تعرف البتة الا بخبر صحيح عنه صلى الله عليه وسلم ولاخبر عنه عليه السلام بغير ماذكرنا وبالله التوفيق فصح ان الشيطان يمس الانسان الذي يسلطه الله عليه مساً كما جاء في القرآن يثير به من طبائعه السوداء والابخرة المتصاعدة الى الدماغ كما يخبر به عن نفسه كل مصروع بلا خلاف منهم فيحدث الله عز وجل له الصرع والتخبط حينئذ كما نشاهده وهذا هو نص القرآن وماتوجبه المشاهدة ومازاد عَلَى هذا فخرافات من توليد العزامين والكذابين وبالله تعالى نتأيد اه كلام ابن حزم

    « الفخر الرازي »

    قال في مباحث الاستعاذة من اوائل تفسيره : اطبق الكل عَلَى انه ليس الجن والشياطين عبارة عن اشخاص جسمانية كثيفة تجيء وتذهب مثل الناس والبهائم بل القول المحصل فيه قولان ( الاول ) انها اجسام هوائية قادرة على التشكل باشكال مختلفة ولها عقول وافهام وقدرة عَلَى اعمال صعبة شاقة ( والقول الثاني ) ان كثيرا من الناس اثبتوا انها موجودات غير متحيزة ولا حالة في المتحيز وزعموا انها موجودات مجردة عن الجسمية ( قالوا ) وهذه الارواح قد تكون مشرقة الهية خيرة سعيدة وهي المسماة بالصالحين من الجن . وقد تكون كدرة سفلية شريرة وهي المسماة بالشياطين ( ثم قال )

    واعلم ان قوما من الفلاسفة طعنوا في هذا المذهب وزعموا ان المجرد يمتنع عليه ادراك الجزئيات والمجردات يمتنع كونها فاعلة للافعال الجزئية : وهذا باطل لوجهين ( الاول ) انه يمكننا ان نحكم على هذا الشخص المعين بانه انسان وليس بفرس والقاضي على الشيئين لا بد وان يحضره المقضي عليهما فههنا شيء واحد هو مدرك للكلي وهو النفس فيلزم ان يكون المدرك للجزئي هو النفس ( الثاني ) هب ان النفس المجردة لاتقوى عَلَى ادراك الجزئيات ابتداء لكن لانزاع انه يمكنها ان تدرك الجزئيات بواسطة الآلات الجسمانية فلم لايجوز ان يقال ان تلك الجواهر المجردة المسماة بالجن والشياطين لها آلات جسمانية من كرة الاثير اومن كرة الزمهرير ثم انها بواسطة تلك الآلات الجسمانية تقوى عَلَى ادراك الجزئيات وعَلَى التصرف في هذه الابدان

    واما الذين زعموا ان الجن اجسام هوائية او نارية فقالوا الاجسام متساوية في الحجمية والمقدار وهذان المعنيان اعراض فالاجسام متساوية في قبول هذه الاعراض ، والاشياء المختلفة بالماهية لايمنع اشتراكها في بعض اللوازم فلم لايجوز ان يقال الاجسام مختلفة بحسب ذواتها المخصوصة وماهياتها المعينة وان كانت مشتركة في قبول الحجمية والمقدار واذا ثبت هذا فنقول لم لايجوز ان يقال احد انواع الاجسام اجسام لطيفة نفاذة حية لذواتها عاقلة لذواتها قادرة عَلَى الاعمال الشاقة لذواتها وهي غير قابله للتفرق والتمزق واذا كان الامر كذلك فتلك الاجسام تكون قادرة عَلَى تشكيل انفسها باشكال مختلفة ثم ان الرياح العاصفة لاتمزقها والاجسام الكثيفة لاتفرقها ، اليس ان الفلاسفة قالوا ان النار التي تنفصل عن الصواعق تنفذ في اللحظة اللطيفة في بواطن الاحجار والحديد وتخرج من الجانب الآخر فلم لايفعل مثله في هذه الصورة ، وعلى هذا التقدير فان الجن تكون قادرة عَلَى النفوذ في بواطن الناس وعلى التصرف فيها وانها تبقى حية فعالة مصونة عن الفساد الى الاجل المعين والوقت المعين ، فكل هذه الاحوال احتمالات ظاهرة والدلايل لم يقم عَلَى ابطالها فلم يجز المصير الى القول بابطالها

    ( ثم قال الرازي ) اعلم ان الانسان اذا جلس في الخلوة وتواترت الخواطر في قلبه فربما صار بحيث كانه يسمع في داخل قلبه ودماغه اصواتا خفية وحروفا خفية فكأن متكلما يتكلم معه ومخاطبا يخاطبه فهذا امر وجداني يجده كل احد من نفسه . ثم اختلف الناس في تلك الخواطر فقالت الفلاسفة ان تلك الاشياء ليست حروفا ولا اصواتا وانما هي تخيلات الحروف والاصوات وتخيل الشيء عبارة عن حضور اسمه ومثاله في الخيال وهذا كما انا اذا تخيلنا صور الجبال والبحار والاشخاص فاعيان تلك الاشياء غير موجودة في العقل والقلب بل الموجود في العقل والقلب صورها وامثلتها ورسومها وهي عَلَى سبيل التمثيل جارية مجرى الصورة المرتسمة في المرآة فانا اذا احسسنا في المرآة صورة الفلك والشمس والقمر فليس ذلك لاجل انه حضرت ذوات هذه الاشياء في المراءة فان ذلك محال وانما الحاصل في المرآة رسوم هذه الاشياء وامثلتها وصورها ، واذا عرفت هذا في تخيل المبصرات فاعلم ان الحال في تخيل الحروف والكلمات المسموعة كذلك فهذا قول جمهور الفلاسفة ،

    ولقائل ان يقول هذا الذي سميته بتخيل الحروف والكلمات هل هو مساو للحرف والكلمة في الماهية اولا فان حصلت المساواة فقد عاد الكلام الى ان الحاصل في الخيال حقائق الحروف والاصوات والى ان الحاصل في الخيال عند تخيل البحر والسماء حقيقة البحر والسماء — وان كان الحق هو الثاني وهو ان الحاصل في الخيال شيء آخر مخالف للمبصرات والمسموعات فحينئذ يعود السؤال وهوانا كيف نجد من انفسنا صور هذه المرئيات وكيف نجد في انفسنا هذه الكلمة والعبارات وجداناً لانشك انها حروف متوالية عَلَى العقل والفاظ متعاقبة على الذهن فهذا منتهى الكلام في كلام الفلاسفة

    اما الجمهور الاعظم من اهل العلم فانهم سلموا ان هذه الخواطر المتوالية المتعاقبة حروف واصوات حقيقية

    واعلم ان القائلين بهذا القول قالوا فاعل هذه الحروف والاصوات اما ذلك الانسان اوانسان آخر واما شيء آخر روحاني مباين يمكنه القاء هذه الحروف والاصوات الى هذا الانسان سواء قيل ان ذلك المتكلم هو الجن والشياطين اوالملك واما ان يقال خالق تلك الحروف والاصوات هو الله تعالى ( اما القسم الاول ) وهو ان فاعل هذه الحروف والاصوات هو ذلك الانسان فهذا قول باطل لان الذي يحصل باختيار الانسان قادرا عَلَى تركه فلوكان حصول هذه الخواطر بفعل الانسان لكان الانسان اذا اراد دفعها اوتركها لقدر عليه ومعلوم انه لايقدر عَلَى دفعها فانه سواء حاول فعلها اوحاول تركها فتلك الخواطر تتوارد عَلَى طبعه وتتعاقب على ذهنه بغير اختياره

    ( واما القسم الثاني ) وهو انها حصلت بفعل انسان آخر فهو ظاهر الفساد . ولما بطل هذان القسمان بقي ( الثالث ) وهي انها من فعل الجن اوالملك اومن فعل الله تعالى ( اما الذين قالوا ) ان الله تعالي لايجوز ان يفعل القبائح فاللائق بمذهبهم ان يقولوا ان هذه الخواطر الخبيثة ليست من فعل الله تعالى فبقي انها من احاديث الجن والشياطين ، واما الذين قالوا انه لايقبح من الله شيء فليس في مذهبهم مانع يمنعهم من اسناد هذه الخواطر الى الله تعالى ) اه

    « الماوردي »

    قال في كتابه اعلام النبوة : الجن من العالم الناطق المميز يتناسلون ويموتون ، واشخاصهم محجوبة عن الابصار ، وان تميزوا بافعال وآثار ، الا ان يخص الله برؤيتهم من يشاء ، وانما عرفهم الانس من الكتب الالهية ، وما تخيلوه من آثارهم الخفية ،

    ( ثم قال ) : واختلفوا في الشياطين فزعم قوم انهم كفار الجن يتناسلون ويموتون وزعم آخرون انهم غير الجن وانهم من ولد ابليس واختلف من قال بهذا في تناسلهم وموتهم فذهب فريق منهم الى انهم يتناسلون ويموتون وذهب آخرون الى انهم كابليس لايموتون الا معه وان تناسلهم انقطع بانظار ابليس الى يوم يبعثون ، فان انكر قوم خلق الجن ولم يؤمنوا بالكتب الالهية قهرتهم براهين العقول وحجج القياس ( ثم اسهب في ذلك رحمه الله )

    « القاشاني »

    قال في تفسير آية « واذ صرفنا اليك نفراً من الجن » في سورة الاحقاف مامثاله : الجن نفوس ارضية تجسدت في ابدان لطيفة مركبة من لطائف العناصر سماها حكماء الفرس ( الصور المعلقة ) ولكونها ارضية متجسدة في ابدان عنصرية ومشاركتها الانس فى ذلك سميا ثقلين وكما امكن الناس التهدي بالقرآن امكنهم وحكاياتهم من المحققين وغيرهم اكثر من ان يمكن رد الجميع واوضح من ان بقبل التأوبل :

    وقال في تفسير سورة الجن : قد مر ان في الوجود نفوسا ارضية قوية لافي غلظ النفوس السبعية والبهيمية وكثافتها وقلة ادراكها ولا عَلَى هيآت النفوس الانسانية واستعداداتها ليلزم تعلقها بالاجرام الكثيفة الغالب عليها الارضية — ولا في صفاء النفوس المجردة ولطافتهالتتصل بالعالم العلوي وتتجرد اوتتعلق ببعض الاجرام السماوية متعلقة باجرام عنصرية لطيفة غلبت عليها الهوائية اوالنارية اوالدخانية عَلَى اختلاف احوالها سماها بعض الحكماء ( الصور المعلقة ) ولها علوم وادراكات من جنس علومنا وادراكاتنا ، ولما كانت قريبة بالطبع الى الملكوت السماوي امكنها ان تتلقى من عالمها بعض الغيب فلا تستبعد ان ترتقي الى افق السماء فتسترق السمع من كلام الملائكة اي ⟨...⟩لنفوس المجردة — ولما كانت ارضية ضعيفة بالنسبة الى القوى السماوية تأثرت بتأثير ⟨...⟩لك القوى فرجمت بتأثيرها عن بلوغ شأوها وادراك مداها من العلوم ، ولا تنكر ان ⟨...⟩شتعل اجرامها الدخانية باشعة الكواكب فتحترق وتهلك اوتنزجر من الارتقاء الى الافق ⟨...⟩لسماوي فتتسفل ، فانها امور ليست بخارجة عن الامكان اه

    « القاضي ابو يعلي بن الفراء »

    نقل عنه السفاريني انه قال : الجن اجسام مؤلفة واشخاص ممثلة ويجوز ان تكون ⟨...⟩قيقة وان تكون كثيفة خلافاً للمعتزله في قولهم انهم اجسام رقيقة ولرقتها لانراها ⟨...⟩ قال ) : ولاقدرة للشياطين على تغيير خلقهم والانتقال في الصور وانما يجوز ان يعلمهم ⟨...⟩لله ضربا من ضروب الافعال اذا فعله نقله الله من صورة الى صورة فيقال انه قادر ⟨...⟩لى التصوير والتخييل على معنى انه قادر عَلَى امر اذا فعله نقله الله عن صورة الى صورة ⟨...⟩خرى لجري العادة واما ان يصور نفسه فذلك محال لان انتقالها عن صورة الى صورة ⟨...⟩نما يكون بنقض البنية وتفريق الاجزاء واذا انتقلت بطلت الحياة واستحال وقوع الفعل ⟨...⟩ن الجملة وكيف تنقل نفسها ( قال ) والقول في تشكيل الملائكة مثل ذلك ( وسيأتي في ⟨...⟩ول الخاتمة مبحث تمثل الروحاني مفصلا )

    « شيخ الاسلام ابن تيمية »

    نقل عنه السفاريني انه قال : لم يخالف احد من طوائف المسلمين في وجود الجن وكذا جمهور الكفار لان وجودهم تواترت به اخبار الانبياء تواترا معلوما بالاضطرار يعرفه ⟨...⟩لخاصة والعامة ( قال ) ولم ينكر الجن الا شرذمة قليلة من جهال الفلاسفة ونحوهم ، ( وقال ) ليس الجن كالانس في الحد والحقيقة فلايكون ماامروا به ومانهوا عنه مساويا ⟨...⟩لما عَلَى الانس في الحد والحقيقة لكنهم مشاركوهم في جنس التكليف بالامر والنهي والتحليل والتحريم بلا نزاع اعلمه بين العلماء : ( وقال في تفسير سورة الاخلاص ) ان الفلاسفة كلامهم في الالهيات والكليات العقلية كلام قاصر جدا وفيه تخليط كثير وانما يتكلمون جيدا في الامور الحسية الطبيعية وفي كلياتها فكلامهم فيها في الغالب جيد ، واما الغيب الذي تخبر به الانبياء والكليات العقلية التي تعم الموجودات كلها وتقسم الموجودات قسمة صحيحة فلا يعرفونها البتة فان هذا لايكون الا ممن احاط بانواع الموجودات وهم لا يعرفون الا قليلا من الموجودات ومالايشهده الآدميون من الموجودات اعظم قدرا وصفة مما يشهدونه بكثير ، ولهذا كان هؤلاء الذين عرفوا ماعرفته الفلاسفة اذا سمعوا اخبار الانبياء بالملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار وهم يظنون ان لاموجود الا ماعلموه هم والفلاسفة يصيرون حائرين متأولين لكلام الانبياء عَلَى ماعرفوه وان كان هذا لادليل عليه وليس لهم بهذا النفي علم فان عدم العلم ليس علما بالعدم لكن نفيهم هذ⟨...⟩ كنفي الطبيب للجن لانه ليس في صناعة الطب مايدل عَلَى ثبوت الجن والا فليس في ⟨...⟩ الطب ماينفي وجود الجن وهكذا تجد من عرف نوعاً من العلم وامتاز به عَلَى العامة الذي لايعرفونه فيبقى بجهله نافيا لما لايعلمه ، وبنو آدم ضلالهم فيما جحدوه ونفوه بغير علم اكثر من ضلالهم فيما اثبتوه وصدقوا به ، قال تعالى « بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله » ا⟨...⟩

    وقد اسهب رحمه الله في كتابه الفرقان — المطبوع — فيما يتعلق بالجن والشياطين فليراجع

    « ابن القيم »

    قال رحمه الله في زاد المعاد في علاج الصرع ما مثاله : الصرع صرعان صرع من الارواح الخبيثة الارضية — وصرع من الاخلاط الردية . والثاني هو الذي يتكل⟨...⟩ فيه الاطباء في سببه وعلاجه . واما صرع الارواح فائمتهم وعقلاؤهم يعترفون بار⟨...⟩ علاجه بمقابلة الارواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الارواح الشريرة الخبيثة فتدف⟨...⟩ آثارها وتعارض افعالها وتبطلها . وقد نص عَلَى ذلك بقراط في بعض كتبه فذكر بعض علاج الصرع وقال : هذا انما ينفع من الصرع الذي سببه الاخلاط والمادة واما الصر⟨...⟩ الذي يكون من الارواح فلا ينفع فيه هذا العلاج : واماجهلة الاطباء فينكرون صر⟨...⟩ الارواح ولايقرون بانها تؤثر في بدن المصروع وليس معهم الا الجهل والا فليس في الصناعة الطبية مايدفع ذلك والحس والوجود شاهد به ، واحالتهم ذلك عَلَى غلب⟨...⟩ بعض الاخلاط هو صادق في بعض اقسامه لافي كلها ، وقدماء الاطباء يسمون هذ⟨...⟩ الصرع المرض الالهي وقالوا : انه من الارواح ، واما جالينوس وغيره فتأولوا عليه⟨...⟩ هذه التسمية وقالوا : انما سموها بالمرض الالهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس فتض⟨...⟩ بالجزء الالهي الطاهر الذي مسكنه الدماغ : وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذ⟨...⟩ الارواح واحكامها وتأثيراتها وجاءت زنادقة الاطباء فلم يثبتوا الا صرع الاخلا⟨...⟩ وحده ، ومن له عقل ومعرفة بهذه الارواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء الاطبا⟨...⟩ وضعف عقولهم

    ( ثم قال ابن القيم ) هذا ولو كشف الغطاء لرأيت اكثر النفوس البشرية صرعى مع هذه الارواح الخبيثة وهي في اسرها وقبضتها تسوقها حيث شاءت ولايمكنها الامتناع عنها ولامخالفتها وبها الصرع الاعظم الذي لايفيق صاحبه الا عند المفارقة والمعاينة فهناك يتحقق انه كان هو المصروع حقيقة

    وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح الى الايمان بماجاءت به الرسل عليهم السلام

    « الاستاذ الامام الشيخ محمد عبده »

    قال في تفسير قوله تعالى « الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس » الموسوسون قسمان قسم الجنة وهم الخلق المستترون الذين لانعرفهم وانما نجد في انفسنا اثرا ينسب اليهم ، ولكل واحد من الناس شيطان وهي قوة نازعة الى الشر يحدث منها في نفسه خواطر السوء :

    وقال في موضع آخر : (١) ان الهام الخير والوسوسة بالشر مما جاء في لسان صاحب الوحي صلى الله عليه وسلم وقد اسندا الى هذه العوالم الغيبية ، وخواطر الخير التي تسمى الهاما وخواطر الشر التي تسمى وسوسة كل منهما محله الروح فالملائكة والشياطين اذن ارواح تتصل بارواح الناس . فلايصح ان نمثل الملائكة بالتماثيل الجثمانية المعروفة لنا لان هذه لو اتصلت بارواحنا فانما تتصل بها من طرق اجسامنا ونحن لانحس بشيءٍ يتصل بابداننا لاعند الوسوسة ولاعند الشعور بداعي الخير من النفس فاذن هي من عالم غير عالم الابدان قطعا

    ( ثم قال ) يشعر كل من فكر في نفسه ، ووازن بين خواطره عند مايهم بامر فيه وجه للحق او للخير ، ووجه للباطل اوللشر ، بان في نفسه تنازعا كان الامر قد عرض فيها على مجلس شورى فهذا يورد وذاك يدفع ، وواحد يقول افعل وآخر يقول لاتفعل حتى ينتصر احد الطرفين ، وبترجح احد الخاطرين ، فهذا الشيء الذي اودع في انفسنا ونسميه قوة وفكرا — وهو في الحقيقة معنى لايدرك كنهه وروح لاتكتنه حقيقتها — لايبعد ان يسميه الله تعالى ملكا ويسمي اسبابه ملائكة اوماشاء من الاسماء فان التسمية لاتحجر فيها عَلَى الناس فكيف يحجر فيها عَلَى صاحب الارادة المطلقة والسلطان النافذ والعلم الواسع اه وسبق في كلام الغزالي نحوه وسيأتي في الخاتمة عن الراغب الاصفهاني مايؤيده

    — الحواشي —

    [36] ( ١ ) وقال الغزالي قبل ذلك في مبحث الرؤية : وتمثل جبريل في صورة دحية الكلبي ليس بمعنى انه انقلب ذات جبريل صورة دحية الكلبي بل انه ظهرت تلك الصورة للرسول مثالا مؤديا عن جبريل مااوحى اليه وكذلك قوله تعالى « فتمثل لها بشرا سويا » اه

    [36] ( ٢ ) يؤيده آية من شر الوسواس ( والوساوس ) حقيقة في المصدر الذي هو الوسوسة . ويشبه ماللغزالي هنا قول من قال ان الشيطان قوة من جملة القوى الانسانية وهكذا قال الراغب : كل قوة ذميمة الانسان فهو شيطان

    [44] ( ١ ) نقله المنار مجلد ١١ صفحة ( ٥٨٨ )